كيفك سيّدنا

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1610:

يجلس البطريرك المعتّق بزمنه الى سيدة حريصا يحاورها، مضى عمر وهو يفعل، لم يحل دونه وذاك الحوار أي دخيل أو حدث أو شائبة أو نسيان، مستحيل، هذا حوار مقدّس لا حدود زمنيا له ولا حتى جغرافيا، حدود الكلام القلب ومساحة ذاك النابض الشجاع، المفلوشة على مدى الشفافية وما تبقى من زوايا الصدق والقداسة في وطن، كاد أن يصبح أرض اللعنات بدل القديسين والشهداء، شو رأيك سيّدنا صفير أصحيح ما نقول؟

قالوا لي أكتبي ما تشائين عن حبيب قلبك البطرك صفير، وقلمي قرر أن يدخل في حوار مفترض معه، قررت أن أعطي لنفسي قيمة معنوية وإنسانية جديدة لأجري ذاك الحوار، الذي حلمت به منذ صرت مجندة في مهنة المتاعب تلك، وعبرت الأيام وما تحقق الحلم مع أنه لم يكن أبدا حلما مستحيلا، إذ إن سيّدنا لم يكن يوما بخيلا على من يحبهم، لكن شاءت الأيام أن تعبر وألا أكتب تاريخا ذهبيا أتباهى به في سجّلي الإنساني قبل المهني.

التقيت البطريرك كثيرا، خصوصا بعد استقالته، ولم أجلس إليه يوما لوحدي، هذا تقصير مني ربما، تحادثنا إليه بتلك العبارات القليلة التقليدية، ودائما نرحل من عنده ونحن نودعه بتلك العبارة “يطوّل عمرك سيّدنا”، كمن يخشى أن تكون تلك آخر لقاءاتنا به، هو ابن السادسة والتسعين، ربما أكثر لا يهم، هو أبن الخمرة التي عبرت بكل تلك التجارب الصعبة، فصار نبيذه من طعم خوابي الخشب، ذاك الطعم النادر الباهظ الذي لا يقارن ولا يقارب بأي شيء آخر.

لم نعش زمن العز ولكن عشنا عزا في رجل، مار نصرالله بطرس صفير. أقول شكرا ربي لأنك جعلت لزمننا البائس واحدة من النقاط القليلة المضيئة، معاصرة رجل مماثل، هما في الحقيقة إثنان في زمننا البائس أضافا ذاك الوميض المشع، البطريرك صفير وسمير جعجع.

يوم انتخب بطريركا للموارنة أذكر أننا قلنا “ليش هالقد عبوس سيّدنا؟” لم نفهم حينذاك وكنا لا نملك شيئا من الخبرة ولا التجربة، ونحكم على الأشخاص من الصور وملامح الوجوه، ولم نفهم أن عبسة البطريرك كانت خوفا على الوطن وتحسبا لما كانت ستؤول إليه أوضاعه، وأن عبسة البطريرك هي الجدية في التعاطي مع ملفات خطيرة واحتلال يجتاح الأخضر واليابس، وأن عبسة البطريرك هي الخوف المشحون بالحنان على رعية مفككة وشباب في قبضة الاعتقال والاستشهاد والتشرّد خارج البلاد، وأن عبسة البطريرك هي الخوف المطلق على أبناء وطن تشلّعت أغصانهم بفعل الرياح ولم يكونوا مسلحين بما يكفي من الإيمان ليبقوا ثابتين في إيمانهم بوطنهم و… ومر وقت طويل قبل أن نفهم أن لولا تلك العبسة الجريئة الرائعة التي حفرت على جبين البطريرك تلك التجعيدة العنيدة، لما تحققت المصالحة، ولما صار الاستقلال، ولما نزلنا الى ساحات ثورة الأرز ووضعنا الإصبع في وجه الاحتلال وعملائه وصرخنا “سوريا طلعي برا”…

حملت حنيني الى ذاك الرجل وجلست إليه أحاوره، أقلّب صوره، صورة نادرة يلبس البنطلون “يه معقول البطرك رجال بيلبس بنطلون؟!”، نعم  هو رجل ولا كل الرجال في هذا الوطن، ويلبس ثياب النوم أيضا، ويأكل ويشرب ويستحم ويتعطّر أيضا، ويقرأ ويقرأ، ويحب الكومبيوتر وهو من أدخله الى مكتبة بكركي، ويحب الأكل الخفيف من دون اللحوم والزفر، وخصوصا المجدرة، ويحب سيارته القديمة من زمن الستينات والتي رفض أن يستبدلها بأخرى جديدة عصرية حين أصبح بطريركا كاردينالا، ويحب سائقه جدا ويكره كل مظاهر الرفاهية والبذخ حتى حين كان في عزّ نشاطه وشهرته وتجواله في بقاع العالم، ينشر قضية لبنان، ويصرخ في وجه الكبار ليبقوا الى جانب الوطن الصغير، الذي جعله صديقه القديس يوحنا بولس الثاني وطن الرسالة.

كيفك سيّدنا انشالله بخير؟ ينظر الى وجهي بعيونه الثاقبة التي ما زالت متّقدة بحب الحياة، “بعدني عايش وهيدا من نِعَم ربي عليي وبعدني منيح إذا حكينا بصحة الجسد”. وما بها الروح يا سيّد الصرح التاريخي العريق المدجج بكرامة الموارنة وعراقتهم، وبحب اللبنانيين ومن تبقى منهم وفيهم من أصالة ووفاء؟ “ما حدن كامل يا بنتي وهيدا الصرح حاميتو سيدة حريصا ما تخافوا عليه”. طلبتَ مرة من الشباب أن يعيشوا حياتهم بكرامة وأن يصمدوا على رغم الزمن البائس الذي نعيش، شو رأيك سيّدنا لأيمتى رح نبقى عايشين بالزمن البائس؟ “كل حكم ع الأرض باطل يا بنتي، كل زمن وله ما له من الناس البائسين والصادقين أيضا، خليكن مؤمنين بـ بلادكن وما تتخلوا عنها والزمن البائس لحالو بينصاب باليأس وبيفلّ، هيك كل عمرها بلادنا”. لكن سيّدنا كم عمرًا سنعيش بعد لنشهد على انتصارنا؟ لماذا نبقى شهودا على انكساراتنا المتكررة؟ يعبس سيّدنا، لم يعجبه السؤال. “نحن لبنانيون مسيحيون مشرقيون، نحن متجذرون بهالأرض، جذورنا ضاربة في أعماق الإيمان منذ المسيحية الأولى، منذ يوحنا مارون، منذ وجد لبنان ما قبل أربعة آلاف عام، لا نعيش لتبتلعنا الأرض هباء، نحن نعيش لكي نبقى سمادا للأرض حين تعطش للشهادة، نحن نعيش لنكون الزرع والثمرة والسنبلة وحبات القمح في البيادر وبيادرنا لا تعرف إلا مواسم الخير والكرامة”. أصبحت فجأة متفائلا سيّدنا؟ يضحك يضحك من قلبه وتنفرج أسارير الوجه الأبيض الوقور الهادئ السمات ولا يجيب. “هيئة الله ع وجّك سيّدنا شو هالكبرة الحلوة اسم الله عليك”. يهز برأسه “قولِك هيك؟ إنتو بتحبوني بتشوفوني حلو بقلوبكن”. لأ سيّدنا، أنتَ وجهك قلبك، قلبك أخضر شلح أرز، أرزك يتمايل بين عواصف الزمان العاتية، ينحني أحيانا للريح ثم يعود شامخا حين تعجز العاصفة أن تكسره، لم تجرّب عواصف الزمن رجلا بقدرك أنت، ولم تعرف عاصفة يأسا إلا حين حاولت العبور بك، لماذا أنت قوي بهذا الشكل سيّدنا؟ ممن تستمد كل ذاك الصمود يا رجل؟ يدخل سيّدنا في صمته من جديد، هناك موعد حب، حب كبير ينتظره، كتاب عن العذراء مريم والقديسين، لم يتأخر يوما عن موعد مع رعيته ولا خذلهم في طلب، والآن لا يريد أن يتأخر عن موعده مع أحبائه، هذا نوّار شهر العذراء، حبيبة عمره. على فكرة وقبل أن تدخل في سطور الإيمان سيّدنا، بيشبهك كتير نوّار، يلتفت مندهشا، لا تستغرب، العطر يفوح من ورد بكركي كلما صعدنا لنجالسك، والدرب صوبك دايما طلوع، علّمتنا الكرامة وفضيلة الرفض والغضب حين يتعلّق الوطن على خشبة عار ما، يبتسم سيّدنا ويمشي على مهل الى صمته، وأنا أذهب الى السطور أتباهى بمقابلة مفترضة سطورها بعض من بعض لا يذكر، من حكايا سيّد صرح هو صرح السيادة…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل