“صدمة” انتخاب إيمانويل ماكرون إيجابية.. هل تُخرج فرنسا من أزماتها وترصّ صفوف الاتحاد الأوروبي المهدّد؟

كتب د. فادي الأحمر في مجلة “المسيرة” – العدد 1610:

انتهت الانتخابات الفرنسية. يوم الاحد في الرابع عشر من أيار يدخل ايمانويل ماكرون قصر الاليزيه رئيساً. ليصبح اصغر رئيس في الجمهورية الخامسة. واصغر حاكم لفرنسا منذ نابوليون.

على رغم اعطاء استطلاعات الرأي تقدّما واضحاً له على مارين لوبان، كان حبس الانفاس كبيراً في فرنسا واوروبا والعالم لسببين: الأول هو طروحات لوبان السياسية والاقتصادية. لعلّ اخطرها عزمها على خروج فرنسا من الاتحاد الاوروبي ومن منطقة اليورو! والثاني، هو “صدمة” انتخاب دونالد ترامب قبل اشهر، وفشل استطلاعات الرأي الاميركية. فحتى اللحظة الاخيرة كان العديد يقارن بين الانتخابات الفرنسية ومثيلتها الاميركية. يشكّكون في نتائج استطلاعات الرأي. ويخشون احداث مارين لوبان “صدمة” مماثلة في فرنسا. ولكن في الواقع ان نجاح ايمانويل ماكرون هو “الصدمة” التي تفوق تلك التي احدثها ترامب. لماذا؟

اولاً، لأن ماكرون أتى من خارج نادي السياسيين التقليدي. الرئيس الاميركي ايضاً اتى من خارج هذا النادي، ولكنه كان مرشّح الحزب الجمهوري العريق في الولايات المتحدة الاميركية. بينما ماكرون لا ينتمي الى اي من الاحزاب الفرنسية العريقة. فقد انتخبه اليسار. بينما هو في الواقع ينتمي الى يمين الوسط! لا شك ان مصالح كثيرة تقاطعت في شخصه. إلا ان نقطة الارتكاز في حملته الانتخابية هي حركة “الى الامام” التي أسسّها قبل سنة. فجذبت بديناميتها وشخصية زعيمها الشاب، ليس الشباب الفرنسي فحسب إنما المسنّين ايضاّ والمثقفين وابناء المدن… فكانت أشبه بـ “كرة ثلج”. حتى وصل عدد مناصريها عشية الدورة الاولى من الانتخابات الى حوالي 250 ألفاً!

الصدمة الثانية، هو تفوّق ماكرون منذ الدورة الاولى على منافسين مخضرمين في السياسة، وينتمون الى احزاب عريقة تحكم فرنسا منذ نصف قرن. اذ ان العديد من ناخبي هذه الاحزاب صوّتوا لصالحه. التحاليل التي اجريت بعد الدورة الاولى اظهرت حصول ماكرون على 45 في المئة من اصوات فرانسوا هولاند (الرئيس اليساري)، و18 في المئة من اصوات نيكولا ساركوزي (الرئيس اليميني السابق)، و15 في المئة من ناخبي فرانسوا بايرو (يمين الوسط). لهذا خرج من السباق في الدورة الاولى اليميني فرانسوا فيّون، واليساري بنوا هامون، واليساري المتطرّف جان-لوك ميلانشون وغيرهم. أما مارين لوبان فنالت حصتها من الاصوات منذ الدورة الاولى.

هذه “الصدمة” لم تكن لتحدث لو ان النظام الفرنسي لا يسمح بذلك. من هنا يجب التوقّف عند بعض مزايا النظام الديموقراطي الفرنسي وتقديم التحية له:

اولاً، ان النظام الديموقراطي الفرنسي متطوّر جداً. وفي تجدّد دائم. هذا التجدّد يأتي من قلب النظام وليس من خلال انقلابات او ثورات. صحيح ان الشعب الفرنسي قام بأهم ثورة في العالم في العام 1789. ولكنها ثورة ضد الديكتاتورية. نجحت في إرساء جمهورية ديموقراطية. تطوّرت عبر التاريخ لتصبح اليوم الجمهورية الخامسة. وها هو ايمانويل ماكرون الرئيس الخامس والعشرون في الجمهورية الفرنسية، والثامن في الجمهورية الخامسة.

ثانياً، ان هذا النظام يشجّع على التغيير في الحياة السياسية. يربّي الاجيال الصاعدة على مفاهيم الديموقراطية الحقيقية التي تقوم على الانتخاب والمساءلة. ففي دولة القانون الفرنسية لا مكان للزبائنية السياسية. ما يتيح للمواطن محاسبة المسؤول، نائباً كان ام وزيراً أم رئيساً، دون خوف من فقدان وظيفة ولا حرمان من خدمة معيّنة. هذا النهج في الممارسة السياسية ينمّي لدى المواطن رأيًا سياسيًا واعٍيًا الى حدّ ما ليصير قادرًا على التغيير عندما يتطلّب الامر. تغيير المسوؤلين والزعامات. فلا يبقى هؤلاء أزليّين سرمدّيين في رئاسة الاحزاب التي أسّسوها او ورثوها. ولا نواباً ووزراء مدى الحياة.

في السابع من ايار انتخب ايمانويل ماكرون بأكثرية 66.10 في المئة. ربح الجولة الاولى من “معركة التغيير” في فرنسا. ولكن في مساء ذاك النهار الطويل بدأت معركة أخرى: “معركة الحكم”. وبدأت تُطرح الاسئلة: بمن سيحكم الرئيس الآتي من خارج الاحزاب الفرنسية العريقة؟ من سيختار لرئاسة حكومته الاولى؟ من هم وزرائه؟ هل سيحدث تغييراً جذرياً ويختار كل فريقه الوزاري من خارج الاحزاب التقليدية؟… في خلال الأيام القليلة المقبلة ربّما تكون الصورة قد تبلورت. ولكن حتى الساعة أغلب الظن ان الرئيس الشاب سيختار فريق حكمه من مختلف الاحزاب، اليسارية واليمينية، باستثناء المتطرّفة منها. والسبب ان التحدّيات التي سيواجهها كثيرة، نختصرها بالآتي:

اولاً، سياسياً لا يملك الرئيس المنتخب اغلبية نيابية في الجمعية العامّة. بالتالي هو بحاجة الى الاحزاب السياسية التي لها كتل نيابية وازنة للاقلاع بشكل جيّد في قيادة “قطار” الحكم. وهو بحاجة ماسّة ليبرهن بداية جيّدة لعهده خلال شهر. لأن الانتخابات التشريعية ستجري في 11 و18 حزيران المقبل. وتيار الرئيس الجديد سيخوضها في كافة الدوائر بـ 577 مرشّحاً كما أعلن في خطاب النصر. ربّما سيكون من الصعب الحصول على أغلبية مطلقة. ولكن بعض المراقبين يتوقّعون استفادة حركة “الى الامام” من الصدمة الايجابية لانتخاب زعيمها الشاب وحصولها على نسبة 30 او 40 في المئة من عدد النواب. والسبب ان الفرنسيين عامّة يدعمون الرئيس المنتخب من اجل اعطائه فرصة للنجاح. وفرنسا اليوم بحاجة ماسة، اكثر من اي يوم مضى، الى دعم الرئيس للخروج من ازماتها الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا التحدّي الثاني الذي سيواجهه العهد الجديد، هل سيتمكّن من إخراج الاقتصاد الفرنسي من حال الركود الذي يرزح تحته منذ بدء الازمة المالية العالمية في العام 2008؟ فالدين العام تخطى الـ 98 في المئة من الدخل القومي. والبطالة بلغت 10.9 في المئة، اي حوالي 3 ملايين عاطل عن العمل. ونسبة النمو، التي شهدت نمواً طفيفاً عام 2016، تبقى دون المستوى (1.1 في المئة). اما العجز في الميزان التجاري فبلغ 3 في المئة. الرئيس الشاب الآتي من عالم المال والاقتصاد يبدو واعداً. فهو وعد بتخصيص 50 مليار يورو للاستثمار على مدى خمس سنوات في البيئة، وفي تدريب العاطلين عن العمل لاعادة دخولهم في سوق العمل، ودعم الزراعة والقطاع الاستشفائي، وتحديث الادارة عبر مكننتها كلّياً… كما وعد بتخفيض المصاريف العامة حتى 60 مليار يورو خلال خمس سنوات. والخطوة الأساس ستكون بإلغاء 120 الف وظيفة حكومية…

يبقى التحدي الثالث المستجّد في السياسة الفرنسية وهو”الارهاب”. قبل ايام من الدورة الاولى للانتخابات الرئاسية ضرب هذا الارهاب في جادة الشانزليزيه. وكانت وتيرة ضرباته قد تصاعدت في سنوات حكم فرانسوا هولاند. صحيح انه تحديٍّ عالمي. ولكن فرنسا اكثر المتأثرين به كونها في قلب القارة الاوروبية التي تقع على حدود “الارهاب الاسلامي” وتضم اكبر جالية مسلمة في اوروبا. والخطر الكبير ان الافكار المتطرّفة تجذب بعض من افرادها. وهذا ما اظهره تنفيذ فرنسيين اسلاميين للهجمات الارهابية وايجادهم بيئات حاضنة في المتجمع الفرنسي المسلم!

بانتخاب إيمانويل ماكرون وسقوط مارين لوبان تنفسّ الاتحاد الأوروبي الصعداء. نجا من ضربة ثانية، بعد خروج بريطانيا منه، ربما كانت ستكون قاضية. “صدمة” ماكرون كانت ايجابية. على عكس “صدمة” ترامب في اميركا. ارتفعت اسعار البورصات. وتحسّنت قيمة اليورو. بدت فرنسا متفائلة بمستقبلها واوروبا بوحدتها. فهل سيكون الرئيس الشاب على قدر هذا التفاؤل فيُخرج فرنسا من ازماتها ويزيح عن “صدر” الاتحاد الاوروبي كابوس التطرّف الوطني – القومي، الذي تقوده “الجبهة الوطنية” الفرنسية، والذي يهدّد بانفراطه؟ المهمّة تبدو صعبة في ظل تنامي التطرّف، على كافة انواعه، في اوروبا والعالم. في كل الاحوال لننتظر خمس سنوات ونرَ.

“الجبهة الوطنية”الفرنسية بين عامي 1973 و 2017

 

تزامن تأسيس “الجبهة الوطنية” (في العام 1973) في فرنسا مع تطوّر الشراكة الاوروبية لتصبح اتحاداً اوروبياً في العام 1990. في البداية لم تثر القلق. ولكن مع الوقت اصبحت “كابوساً” للفرنسيين والاوروبيين. فهي ترفع شعاري “فرنسا للفرنسيين” و”استعادة السيادة”. مع بداية القرن الواحد والعشرين برز “خطرها” أكثر فأكثر. فراحت تحاربها كافة التيارات السياسية الفرنسية. رغم ذلك تطوّر حضور “الجبهة” السياسي. كيف؟ هذه بعض الارقام.

في انتخابات 1981 الرئاسية لم يستطع جان-ماري لوبان، المؤسّس، من الحصول على التواقيع الكافية للترشّح. ولكن في العام 1988 حصل على نسبة 14.98 في المئة من الاصوات. وفي العام 1995 على 15 في المئة. ونجح في العام 2002 من الوصول الى الدورة الثانية بنسبة 16.86 في المئة من الاصوات. ولكن شعبية “الجبهة” تراجعت الى 10.44 في المئة في انتخابات العام 2007 التي اوصلت نيكولا ساركوزي الى الرئاسة.

انتخاب مارين لوبان في العام 2011 على رأس “الجبهة” اعاد الزخم الى هذه الحركة السياسية. ترشّحت “الابنة” الى الرئاسة الفرنسية في العام 2012 وحصلت على 17.9 في المئة من الاصوات. ونجحت هذا العام من الوصول الى الدورة الثانية بنسبة اصوات مرتفعة بلغت 21.7 في المئة، محقّقة رقماً قياسياً.

ما يقلق الفرنسيين والاوروبيين، انه بين عامي 2002 و 2017 تضاعف عدد ناخبي “الجبهة الوطنية” من 5.5 مليون الى 10.6 مليون ناخب. عشية اليوم الانتخابي الطويل في السابع من شهر ايار الجاري ألمحت مارين لوبان الى تغيير استراتيجتها. يبدو انها ستبدّل اسم الحزب وتؤسّس حزباً جديداً، لتتخلّص من إرث والدها الثقيل وتجمع عدداً اكبر من الفرنسيين أملاً في قيادة المعارضة ضد الرئيس ايمانويل ماكرون. وهي تطمح الى دخول “الجمعية العامة” في حزيران المقبل بكتلة نيابية وازنة يقدّر المراقبون عدد أعضائها بين 60 و 100. فهل تنجح؟

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل