#adsense

فنّ الأصغاء في زمن ” كِترة الحَكي”

حجم الخط

الأِصغاء في اللغة هو الإستماع بانتباه أو حسن الإنصات وهو نصف المحادثة، في حيثيّات الحوار، وينتج عن موهبة وإرادة. لكنّ المشكلة تكمن في أنّنا أسأنا الى حدّ واسع التعاطي مع آذاننا، فاندلعت علاقة نزاعية بيننا، وغاب عنّا الإحساس الحيوي بوجود دقّة السماع، ليصبح ما تتلقّاه آذاننا شيئا من الضجيج الصاخب. من هنا، جاءت ردّات الفعل تجاه ما تتلقّاه آذاننا، جملة من الإرتكابات الشنيعة ضدّ المنطق والمعقول، وأصبحت إجاباتنا غضبيّة مجّانيّة قاسية، وتحوّل الواحد منّا الى مأساة موضوعيّة متنقّلة.

ليس ذلك سوى جزء من الأضرار التي يخلّفها إدمان الثرثرة السائد في مجتمعنا اليوم.

لقد غابت عنّا ثقافة الأصغاء، وابتلينا بأصحاب شأن، كان من المفترض أن يشكّلوا نموذجاً لفنّ التواصل الراقي، غير أنّ الواحد منهم يصدر عن مجموعة عِقد جعلتنا نتكيّف معها ونقبلها وندافع عنها، وذلك باندفاعٍ أرعن فيه من الأذيّة لقيمنا ما يَندى له الجبين.

فبدلاً من أن تكون آذاننا جسور عبور للآخر إلينا، لكي يقرأه فكرنا بإمعان، فيكون الحوار التبادلي بالتالي أنيساً مفيداً، أصبح طرب الآذان مقموعاً بالصوت الزّاعق الذي يفجّر مواهبه “الراقية” بخطاب مُسِفّ، تستجيب له الآذان المحتاجة الى صيانة.

إنّ حسن الإستماع أضحى كالأرض البور، في حين كان يجدر تحويله الى “مؤسّسة” إراديّة ذات حقّ طبيعي، والى باب من أبواب العقل، يتكامل مع أبواب الحواس الأخرى الداخليّة منها والخارجيّة. من هذا المنطلق، لا بدّ من إعطاء امتياز لفنّ السّماع، وتحرير الآذان من عصور الرقّ يوم راح الزاعقون يستعبدون آذاننا بترّهاتهم الممقوتة، ولا يزالون، لتكون الكفّارة بحرب ردّة الى ديمقراطية الإستماع حيث تنعتق الآذان من إقطاع برابرة عصور الظلامة، أولئك الذين تدور طواحين ألسنتهم دون انقطاع، ولكن على فراغ.

إننا نناشد الآذان أن تعلن ثورة تعيد إليها عهد انفتاحها على كلّ استفادة، من أيّ جهة أتت، وعهد “الغربلة” التي ترمي جانباً السخيف والمُغرض والمُحرّض واللاّمنطقي، وما أكثره.

فما نتمتّع به من احتياطي العقل، إذا فعّلناه، قادر على تحقيق هذه النقلة النوعية من هوّة الضجيج الى ظروف الموضوعيّة والتلذّذ السماعي. لقد أشار الحكماء في ما مضى، الى أنّ تكوين رأي أو موقف أو فكرة أو ردّ، يبدأ حتماً بالأصغاء الى الآخر واستيعابه ، بكل انفتاح وقبول، لتنتقل المعلومة بسلاسة وانضباط الى حيّز العقل حيث نظام التحليل والأستنتاج، أو التعاطي بليبيرالية مميّزة مع المعطيات المتلقّاة، ليصدر بعدها عن هذه الماكينة الناشطة ما ينقذ الآذان من عقوبة تعذيبها القسرية المفروضة، ويعيد اليها حقّها الطبيعي أو “كرامتها

الأصغائية”. والضمانة الوحيدة في هذا المجال، تبقى الوعي الذي يميّز بين ما ينتهك نواميسه وبين ما يخضع لها، وهو يضع خطّ تماس بين متعة الأستماع وبين إدمان الثرثرة السيّالة.

علينا أن نتعلّم أنّ الصمت متعة ذكيّة تنقّي حاسة السمع وترهّفها، وأنّ الأصغاء مهارة تزيل عامل التشتّت وترمّم العلاقة بين العقل والمحدّث. ولمّا كان الإصغاء فنّاً يتقنه الذوّاقة، ويقمع الشهوة الى المبالغة في الكلام، نعود الى ما قاله أحد الحكماء لإبنه كما نقله إبن عبد ربّه في “العقد الفريد”: “يا بنيّ، تعلّم حسن الأستماع كما تتعلّم حسن الحديث. وليعلم الناس أنّك

أحرص على أن تسمع  منك على أن تقول”.

فعَلّ أن تُنبِت الرؤوس آذاناً…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل