حلال على فيلم “بالحلال”

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1610

حفل الموركس المنتظر من عام الى عام، والعائد هذه السنة بسجادته الحمراء ونجومه اللبنانييين والعرب والعالميين الى شاشة الـMTV، هو الحفل الوحيد الذي تمنح جوائزه الدرامية والموسيقية وفق تصويت لجنتي التحكيم بنسبة 70 في المئة، والجمهور عبر الاذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي بنسبة 30 في المئة. الجوائز عديدة، واهمها بالنسبة الى صفحتنا السينمائية، جائزة “موركس دور افضل فيلم سينمائي لعام 2016” التي فاز فيها بجدارة ، شريط “بالحلال”، بعدما تنافس في المراحل الأخيرة مع خمسة أفلام من إنتاج 2016 هي “تلّتت” و”يلا عقبالكن شباب” و”بينغو” و”ولعانة” و”لأني بحبك”.

أهمية لجنة التحكيم أساسية جدا بالنسبة الى هذه الجائزة تحديدا، فكما هو معلوم السينما اللبنانية ليست مدعومة لا من جهة الدولة ولا من جهة أصحاب الصالات الذين لا يتريثون قليلا ولا يعدّون للعشرة قبل ان يرفعوا الفيلم اللبناني من الصالات بعد أقل من أسبوع على عرضه، في حال لم يحقق نسبة مشاهدة كافية. المؤسف فعلا ان أفلاما لبنانية كثيرة، لا تستمر طويلا في صالات العرض على رغم جودتها العالية وأدواتها السينمائية الجيدة، لأنها لا تحقق نسبة مشاهدة عالية لأسباب كثيرة (سوء التسويق والإعلان، فيلم نخبوي او درامي او جاد مما يبعد عنه صفة الشريط التجاري المحبوب من الجمهور العريض الباحث عن التسلية والترفيه فقط لا غير). وهكذا تشكّل اللجنة الدرامية في الموركس دور ميزانا يعيد التوازن والحق لأصحاب الحق من السينمائيين الجديين، خصوصا بعد ان تشاهد كافة الأفلام  من جديد، وتقوم بالتصويت بنسبة 70 في المئة من نسبة التصويت العام، مما يحمي الفيلم الجيد الأقل مشاهدة مقارنة بالأفلام التجارية البحتة الأكثر مشاهدة.

وبالعودة الى الفيلم الفائز هذه السنة، لا يسعنا سوى القول إن حلالاً عليه الجائزة الأرقى لبنانيا وعربيا، وحلالاً عليه الإطراء والإعجاب الكبير به بعدما شكّل  لنا أجمل مفاجأة سينمائية لبنانية عندما شاهدناه في حزيران من العام 2016، بعدما جال على عدد كبير من المهرجانات العالمية مثل ساندانس الأميركي ودبي. حلال على المخرج وكاتب السيناريو أسد فولدكار الذي له حصة الأسد في هذا النجاح، ان يكون انتظاره الذي طال 13 عاما لم يذهب سدى بين فيلمه الأول “لما حكيت مريم” وشريطه الثاني “بالحلال”.

أسد قد لا يكون أول فنان عربي يتناول موضوعات الدين والأحوال الشخصية والزواج والطلاق في السينما العربية بقالب كوميدي، فقبله كثيرون فعلوا، وأشهرهم النجم عادل إمام. ولكن استثنائية أسد تكمن في كونه أول لبناني يتجرأ على معالجة هذه النوعية الحساسة التي تلامس الدراما والمأساة والتي تخص طائفة وبيئة محددتين، من خلال شريط مقدم بحس فكاهي وبقالب لا يؤذي بقدر ما يسلط الضوء على ممارسات خاطئة. حلال على الفيلم كل هذا التصفيق من القلب الذي قوبل به، وهذه المتعة العفوية التي ترجمت ضحكا واستمتاعا بثلاث عائلات لبنانية مسلمة تعيش في الحي ذاته، ستتداخل قصصها بشكل كوميدي حينا ودرامي حينا آخر، حين سيحاول أفراد تلك العائلات حل مشاكلهم الاجتماعية العاطفية حسب الشرع  والدين وبالحلال، مما سيدخلهم في مشكلات فكاهية مأساوية. مشكلات يستعرضها أسد فولدكار بشكل بسيط، مما سهّل ملامستها للواقع والبيئة باسلوب فيه عمق وطرافة في الوقت عينه.

هذه الموضوعات الدينية التي لطالما كانت من المحرّمات وتعتبر خطا أحمرا يصعب التطرق له، عالجها أسد بشكل مباشر وبكثير من الواقعية والمصداقية والسلاسة في نقل البيئة بشكل لا يخلو من السخرية اللاذعة والناقدة. هذه الواقعية استقاها من ذكريات طفولته أثناء وجوده بين النساء، لأن وجوده  صغيرا بينهن لم يكن يعتبر حراما.

الفيلم إنتاج مشترك بين شركة صبّاح للإعلام و”ريزور فيلم”الألمانية، بالتعاون مع إيغل فيلمز وجينجر بيروت برودكشون، ويتناول قصة حياة عدد من الرجال والنساء في بيئة مسلمة محافظة، يسعون لإيجاد حلول لمشكلاتهم العاطفية لكن من دون أن يكسروا تقاليدهم الدينية، ومن دون ان يخدشوا حياء المشاهدين بمبالغات غير ضرورية، على رغم ان الفيلم يدخل الى حميمية غرف نومهم وعلاقاتهم الخاصة.

بالحلال ستحاول المرأة المطلقة لبنى (دارين حمزة) استعادة حلمها بزواج متعة مع حبيب العمر أبو أحمد (رودريغ سليمان) المتزوج من أخرى. وبالحلال سيحاول مختار(حسين مقدّم) ان يجد عريسا لزوجته بتول (زينب هند خضرا الظريفة جدا والتي شكلت معه أحد أقوى ثنائيات الفيلم) التي يعشقها ولكنه طلقها ثلاث طلقات لغيرته عليها ولم يعد يستطيع العودة إليها سوى في حال تزوجت من آخر. وأيضا بالحلال ستحاول عواطف (ميرنا مكرزل الرائعة) ان تجد عروسا ثانية لزوجها سليم (علي سموري) لأنها لم تعد تستطيع تلبية احتياجاته الجنسية. وهكذا لن تجد أمامها سوى باردو (فاديا أبي شاهين) التي قاربت الثلاثين والتي ستوافق أمها (ختام لحام) بالترحاب على زواجها حتى لا تظل ابنتها عانساً. كل هذا في إطار واقعي جدا، وسط بيئة طبيعية مئة بالمئة بديكوراتها وازيائها ولغتها وتقاليدها وشارعها، وفي قالب كوميدي  طريف جدا وسلس وبعيد من الوعظ والفذلكة والتعقيد، بينما الواقع يميل الى الدراما، ومن هنا سر قوة الفيلم.

الممثلون بدورهم هم سر قوة ونجاح الفيلم (رودريغ سليمان، ميرنا مكرزل، دارين حمزة، علي سمّوري، حسين مقدم، زينب هند خضرا، فاديا أبي شاهين) . معظم أبطال الفيلم تألقوا في تقديم  ثنائيات قوية تركت بصمتها وعلّمت، فالشخصيات محبوكة جيدا والحوارات واقعية وطريفة وإدارة الممثلين جيدة والممثلون تفاعلوا بشكل كامل مع الأدوار، وشكّلوا كلهم خلطة متماسكة وقوية.

الرائعتان زينب هند خضرا وميرنا مكرزل كانتا مع حسين مقدّم وعلي سموري  النجوم الفعليين للفيلم وأهم عامل نجاح فيه، مما يؤكد ان النجومية ليست حكرا على ممثل مشهور او نجم معروف، بل على موهبة لافتة قد  يظهرها دور نافر حتى لو كان من يؤديه شبه مجهول. فعلا كان يستحق أبطال الفيلم كلهم جائزة “موركس” خاصة تمنح لأفضل تمثيل جماعي، ولكن مع فوز الشريط بالموركس الذهبية، يكون كل فرد من أفراد الشريط قد تم تكريمه، على أمل ان تخصص في الدورات التالية من الموركس جوائز أكثر للسينما.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل