
تزامناً مع النقاشات والاتصالات الدائرة حول قانون الانتخاب الموعود، يبدو أن الساحة السياسية اللبنانية تشهد اعادة خلط للأوراق والتحالفات السياسية، ما يؤكّد أن الانتخابات حاصلة بعد أشهر، بغض النظر عمّا اذا كان اجراؤها سيتم وفق قانون جديد لم تتّضح معالمه الأولية بعد، أم وفق القانون النافذ المعروف بقانون الدوحة أو الستّين.
وكانت معلومات سرت مؤخراً مفادها ان التوافق الذي تم خلال اجتماع عين التينة مساء الاحد الفائت، يقضي باجراء الانتخابات النيابية في منتصف شهر ايلول المقبل، على ان تتم دعوة الهيئات الناخبة في 20 حزيران المقبل، اي قبل حوالي تسعين يوماً من تاريخ اجراء الانتخابات، ما يتيح للاحزاب والقوى السياسية الفترة الكافية للتحضير لها وتأليف اللوائح واجراء كل ما يلزم لها.
الانتخابات حاصلة اذاً، ما ألزم فرقاء السياسة اللبنانية بالشروع بتحضير تحالفاتهم الانتخابية، التي قد يأتي بعضها لينسف تفاهمات واتفاقات بُنيت عليها تطورات سياسية كثيرة خلال السنوات الأخيرة. ولعلّ أكثر التموضعات السياسية الجديدة لفتاً للنظر، هو التحوّل الواضح في العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله، والذي لطالما شكّل حجر الأساس في اعادة دوزنة الحياة السياسية مؤخراً، خصوصاً في مرحلة ما قبل انتخاب رئيس الجمهورية ميشال عون.
أما اليوم، فيرى مراقبون لـالنهار أن هذا التفاهم بات منذ اللحظة الأولى لانتخاب عون رئيساً أقرب الى تفاهم حزب الله عون، في ظل التباعد الواضح في الأداء السياسي بين حزب الله والتيار الوطني الحر برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل في الكثير من الملفات وأبرزها قانون الانتخاب، حيث ظهر تمسّك حزب الله الواضح والصريح بالنسبية الكاملة، مقابل محاولات الوزير باسيل المتعدّدة لطرح مقترحات انتخابية مختلطة وتأهيلية وغيرها.
ويلفت المراقبون الى أن هذا التبدل في السياسة لا تبرّره الا الغايات الانتخابية، فلا التيار الوطني الحر من مصلحته انتخابياً الانبطاح أمام حزب الله، خصوصاً في ظل استمرار رمادية العلاقات بينه وبين حليف التيار المسيحي اي القوات اللبنانية، ولا لحزب الله المصلحة في التخلّي عن حليف بيته الداخلي الأول والأخير نبيه بري، الذي اعلن مؤخراً ثبات حلفه السياسي مع رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط، في مواجهة واضحة لتحالف عون جعجع – الحريري الرامي لتحصيل حقوق المسيحيين والوصول الى كتلة نيابية وازنة في المجلس النيابي.
وفي هذا السياق، غمز المراقبون من قناة الثقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، فاعتبروا ان اعتماد وليد جنبلاط الكوفية الفلسطينية شعاراً للمهرجان الشعبي الكبير الذي أقامه في ذكرى اغتيال والده كمال جنبلاط في شهر مارس الماضي لم يكن الا رسالة واضحة وصريحة لاعلان وقوفه سياسياً الى جانب حزب الله، لافتين الى أنه لا شكّ بأن الرادار الجنبلاطي كان يلتقط اشارات هجوم سياسي أكيد وعسكري ممكن قد يتعرّض له حزب الله بنتيجة اعادة رسم الحدود في المنطقة، وفي ظل انعدام الثقة بثبات التيار الوطني الحر وغيره من القوى التي كانت تنضوي تحت لواء فريق “14 آذار” الى جانب الحزب، أحدث جنبلاط انعطافةً علنية نحوه من المتوقّع أن تستكمل أشواطها في المرحلة القريبة المقبلة!
في المقابل، جاء اعلان رئيس الحكومة سعد الحريري عن فرط التحالف السياسي مع جنبلاط ليعزز فرضية خصومة سياسية التي بدأت معالمها تلوح في الأفق. فما هي مبررات هذا التباعد؟ وأي ثمن قد يدفعه جنبلاط لقاء فرط حلفه مع الحريري في منطقة اقليم الشوف السنّية الدرزية – المسيحية التي اعتاد ان ينال حصّة من جبنتها النيابية؟ أم أن تقاسم الجبنة انطلق على مستوى أوسع بحيث أن ما يخسره الأخير في الاقليم الشوفي قد تعوّضه له الأصوات الشيعية في قضاء بعبدا؟! قياديو الاشتراكي رفضوا الادلاء بأي تصريح، ملتزمين سياسة الصمت عملاً بتوجيهات جنبلاط التي أعلنها منذ أيام، افساحاً في المجال لمحاولات التوافق حول قانون الانتخاب.