مفتاح المجلس

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1611

من يملك مفتاح مجلس النواب؟ وهل هناك مفتاح واحد لبوابة المجلس أم أن هناك أكثر من مفتاح مع أكثر من طرف؟ الأسئلة تذهب أبعد من المفتاح. هل هناك من يملك حق فتح المجلس وهناك من يملك حق إقفاله؟ وهل المعركة الدائرة اليوم حول قانون الإنتخابات هي بين الفراغ والتمديد؟ ما هي خطورة هذا الصراع؟ وما علاقته بالتطورات الحاصلة في المنطقة وباستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجديدة ومن ضمنها العقوبات الجديدة ضد “حزب الله”؟ ولماذا اختارت “القوات اللبنانية” الدخول على خط محاولة اختراق الحائط المسدود بحثا عن حل؟ وهل يمكن توقع التوصل إلى نتيجة قبل الدخول في الفراغ؟

كلما ساد اعتقاد بأن هناك ملامح حلحلة في موضوع قانون الإنتخابات كلما جاءت النتائج مخيبة وكأن هناك تمسكا متعمدا بالمواقف من أجل عدم التوصل إلى قانون جديد.

في تاريخ المجلس النيابي أكثر من تمديد. قبل العام 1970 كانت الحياة النيابية منتظمة. من العام 1960 حتى العام 1972 جرت الإنتخابات في مواعيدها أربع دورات على نفس القانون الذي وضعه الرئيس فؤاد شهاب وشكَّل تسوية مناسبة للكثير من القوى السياسية والطائفية في ذلك الوقت. أما منذ العام 1972 فتم التمديد للمجلس النيابي حتى العام 1992 تحت ضغط الظروف الأمنية والسياسية التي لم تكن تسمح بحصول الإنتخابات. صحيح أن المجلس النيابي في ساحة النجمة أقفل في أوقات متفاوتة ولكن الحياة البرلمانية ظلت مستمرة. لم يكن المقر هو الأساس بل كانت الهيئة العامة للمجلس. الرئيس الياس سركيس انتخب في 8 أيار 1976 تحت القصف في ساحة النجمة قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجية. وطيلة أعوام بقي قصر منصور عند معبر المتحف هو المقر الموقت للمجلس. الرئيس بشيرالجميل انتخب في ثكنة الفياضية في العام 1982. الرئيس رينيه معوض انتخب في مطار القليعات. الرئيس الياس الهراوي انتخب في بارك أوتيل شتورة. الرئيس إميل لحود خرج رئيسا من ساحة النجمة بعد إعادة الحياة البرلمانية إليه ولكن من دون أن يعود التوازن إلى البرلمان.

في العام 1992 فرض نظام الوصاية السوري قانون انتخابات وانتخابات أنهى بموجبها مجلس 1972 وحاول فرض طبقة سياسية جديدة تتشكل من حلفائه وممن يريدهم من المسيحيين، ومنذ ذلك التاريخ اختل التوازن داخل المجلس. في العام 1996 وفي العام 2000 جرت الإنتخابات في مواعيدها من دون أن يتصحح التوازن وبقي التمثيل المسيحي ضعيفا. في العام 2005 جرت الإنتخابات على أساس قانون غازي كنعان وتحت ضغط الأحداث واغتيال الرئيس رفيق الحريري وأيضا من دون أن يكون هناك تصحيح للتمثيل المسيحي. وفي العام 2009 جرت الإنتخابات في ظل انقلاب “حزب الله” في 8 أيار 2008 وبعد تفاهم الدوحة. منذ ذلك التاريخ تم التمديد للمجلس ودائما من ساحة النجمة من مقره الرسمي ومن دون أن يكون هناك قانون انتخابات جديد يصحح التمثيل المسيحي.

بعد تفاهم معراب بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وانتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية لم يعد بالإمكان التساهل في مسألة تصحيح التمثيل المسيحي داخل البرلمان من أجل تصحيح التوازن الوطني والعودة إلى روح الطائف الذي نص على المناصفة في عدد النواب بما تعنيه من أحقية أن يكون التمثيل واقعيا وحقيقيا.  كل مشاريع القوانين طرحت تقريبا. من الأرثوذكسي إلى المختلط بكل أنواعه إلى التأهيلي على مرحلتين إلى الصوت المتعدد إلى الدائرة الفردية إلى الصوت الواحد لمرشح واحد ولكن من دون نتيجة. ليظهر تقريبا كأن هناك من لا يريد قانون انتخابات لأنه لا يريد أن يتأمن التوازن الوطني في مجلس النواب.

لم تكن “القوات اللبنانية” بعيدة أو مستبعدة من المساعي التي بذلت للتوصل إلى قانون جديد. عندما كان رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل يتولى مسؤولية طرح المشاريع كان هناك تنسيق مع “القوات” التي كانت تقدم ملاحظاتها على كل مشروع يعرض وتعلن عما تقبل به وعما ترفضه. ولكن أيضا كل ما عرض لم يلق أي قبول.

عندما دخل نائب رئيس حزب “القوات” النائب جورج عدوان على خط الجهود المبذولة للتوصل إلى قانون جديد قبل الوصول إلى الفراغ كان ذلك بالتنسيق مع “التيار الوطني الحر” على أساس محاولة  خرق جدار الرفض وتقديم تصور مقبول من كل الأطراف، خصوصا بعدما تصعد الخلاف بين الوزير باسيل والرئيس نبيه بري وكاد التحاور بينهما أن ينتهي إلى خلاف كبير.

انطلق عدوان من محاولة البناء على الطرح الذي كان تقدم به الرئيس بري ويقوم على أساس اعتماد النسبية مع مجلس الشيوخ وتطويره. بري أراد انتخابات على أساس النسبية الكاملة في ست دوائر وقال بالمناصفة الدائمة من دون مذهبية مع انتخاب مجلس شيوخ على أساس الأرثوذكسي بحيث يكون ممثلا للطوائف مع بعض الصلاحيات التي تدخل في الشكل أكثر من المضمون معتبرا أنه تنازل عن بعض صلاحيات مجلس النواب لمجلس الشيوخ. في المقابل كان عدوان يطرح النسبية على أساس 15 دائرة مع صوت تفضيلي في القضاء ومع نقل عدد من المقاعد من دوائر إلى غيرها. ولكن لم تنجح المحاولة على رغم اللقاءات التي عقدها مع الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط والرئيس بري في عين التينة والنائب وليد جنبلاط في كليمنصو. وعادت الأزمة إلى المربع الأول.

تنطلق “القوات” في سعيها إلى قانون جديد من خلال حرصها على وضع البلد أمام خياري الفراغ أو التمديد. وهي تعتبر أن هناك مخرجا دستوريا للأزمة من خلال الإعتماد على التصويت داخل مجلس الوزراء وداخل مجلس النواب بحيث أنه لا يمكن أن يكون هناك شرط بتأمين التوافق الشامل على القانون لأنه يكون بمثابة العودة إلى ما كان يفعله النظام السوري عندما كان يحدد اللوائح والتحالفات ويفرض النواب الذين يريدهم. و”القوات” قبلت بطرح النسبية مع 15 دائرة ضمن تفاهم على مجلس الشيوخ ولكن أيضا على أساس أن يكون لهذا المجلس دور أساسي وقوي لا أن يكون مجرد مجلس شكلي قبل الدخول في مسألة من سيكون رئيسا له.

تجاه هذا الوضع المتأزم تعود المشكلة إلى من يملك مفتاح مجلس النواب وإلى من يملك مفتاح الحل ومن يملك القدرة على إقفال الحلول. ولذلك لا بد من أن يكون هناك طرح موضوع في التداول ليكون المخرج المشترك للجميع قبل السقوط في الهاوية لأنه لا بد من تنازلات في اللحظة الأخيرة على قاعدة أن ثمن التسوية قد يكون أقل كلفة من ثمن الأزمة المفتوحة على كل الإحتمالات وهي أزمة لم يواجه لبنان مثلها من قبل في ظل وضع متفلت ومتأزم في المنطقة في ظل الهجوم الأميركي الذي يقوده الرئيس دونالد ترامب ويمثل بالجولة الأولى التي يبدأها من القمة التي ستعقد في المملكة العربية السعودية وتشارك فيها نحو خمسين دولة إسلامية في 21 أيار الحالي. وقد شكلت مشاركة لبنان في هذه القمة بداية أزمة سياسية إضافية تلقي بثقلها على قانون الإنتخابات بعد توجيه الدعوة إلى الرئيس سعد الحريري واعتذار وزراء 8 آذار عن مرافقته. يضاف إلى ذلك أن ترامب حدد هدفين لعودة القرار الأميركي إلى المنطقة: “داعش” وإيران مع “حزب الله”. ولا يخرج عن هذا الإطار القرار الأميركي المنتظر حول فرض عقوبات جديدة على الحزب بينما هناك سباق عسكري على الأرض في سوريا من أجل السيطرة على كامل الحدود السورية ـ العراقية لقطع خطر التواصل بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت.

في ظل هذا الوضع المعقد داخليا وإقليميا لا بد من أن يعود البحث إلى مخرج لقانون الإنتخابات على أساس أن مفتاح المجلس هو أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية وتمثيل نيابي صحيح وتوازن وطني داخل مجلس النواب قبل أن يتحول يوم 20 حزيران إلى ذكرى سيئة في سلسلة التواريخ اللبنانية السيئة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

اخترنا لكم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل