تحديات العهد وصعوبة المرحلة…

مع تأخر حسم الملف الإنتخابي بدأت تلوح في الأفق طلائع الكارثة الكبرى على كافة المستويات مع إضمحلال اي فرص جديدة للحل كما  في غياب أي رعاية دولية أو إقليمية للوضع اللبناني قد تنقذنا ربما من هذه الواقعة فيما لو تحققت بنتتائجها السيئة لا سمح الله.

فالتباين والخلاف العميق في المواقف بين الأفرقاء اللبنانيين بشأن قانون الإنتخاب قد ينذر بأشد العواقب سوءاً فيما لو لم يصل إلى خواتيمه في الربع ساعة الأخيرة وما قد ينتج عن ذلك من تداعيات سلبية ونتائج قد تكون كارثية في حجم إرتدادتها على الصعيد الداخلي.

ومن هنا وفي ظل ما نحن عليه من تأزم في الحياة السياسية وعجز الأفرقاء اللبنانيين جميعاً عن الإيفاء بالإستحقاقات الدستورية بمواعيدها والمتمثلة بإجراء الإنتخابات النيابية عبر قانون إنتخابي جديد يُجمع عليه كافة القوى والأفرقاء، ينتظرنا في المستقبل القريب والقريب جداً إستحقاقات من نوع آخر قد تكون الأخطر والأصعب على الصعيد الوطني ومستقبل لبنان.

فنحن في لبنان أمام طريق مليئ بالألغام والمطبّات من كل حدب وصوب، نظراً لكثرة المشاكل وتفاقم الأزمات سواء السياسية أو الإقتصادية وحتى المالية منها، لاسيما مع ازدياد واستفحال ظاهرة الفساد على كل المستويات مع غياب واضح لأي مساءلة أو محاسبة في ظل غياب المؤسسات واضطرابها، ناهيك عن تآكل هيكلية البنية الإقتصادية والمالية، ما جعل لبنان على رأس الدول الفاسدة وعلى لائحة البلدان المارقة بنظر المجتمع الدولي.

وإنطلاقاً من هذا التوصيف لا يسعنا القول إلا أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تحد حقيقية للعهد وحكوماته ولجميع الأفرقاء السياسيين وعلى المستويات كافة، لاسيما وأن أموراً كثيرة تنتظر المعالجة بدءا من قانون الإنتخاب الذي شغل الدنيا مروراً بالقضايا اليومية والمعيشية التي تهم المواطنين ومشكلة الكهرباء والأمن وتحييد لبنان عن الصراعات والنيران المشتعلة حوله، مروراً بقضية النازحين السوريين والتي تفوق قدرة لبنان على إستيعابهم وما قد تسببه أيضاً من مشاكل على الصعيد الداخلي، وبالتالي وضع الإستراتيجية الملائمة لتأمين عودتهم بصورة آمنة وهادئة وسريعة.

هذا فضلاً عن التحديات المالية والإقتصادية الجسام التي تنتظر العهد وحكوماته وهي لا تقل شأناً وأهمية وخطورة عن ما سبقها، بل قد تكون الأهم شأناً وفي سلّم الأولويات نظراً للإستحقاقات المالية المترتبة على الدولة اللبنانية في العام 2017 والتي ستكون مؤلمة إلى حد ما، حيث سيشهد العام الحالي إستحقاقات مالية قد تقارب الـ 8 مليار دولار أميركي والتي ستترتب على كاهل الدولة اللبنانية والتي من الصعب مواجهتها في ظل مدى إمكانية وإستعداد الأسواق سواء الداخلية أم الخارجية لإقراض الدولة اللبنانية في ظل ما يواجهه الإقتصاد اللبناني من شرذمة ومشاكل وتراجع الإيرادات مع تزايد مطرد للإنفاق. وهذا ما سوف يتكرر أيضاً وبوتيرة أعلى في العام 2018 في ظل وضع مالي متأزم ولا يدعو إلى التفاؤل، بحيث أنه بين العجز المزمن في الموازنة، يقابله عجز في الميزان الأولي، وبين العجز الذي يصيب أيضاً ميزان المدفوعات، تفتقد المالية العامة في الدولة إلى هوامش تحرك مع تحول العجز إلى دين عام، وبالتالي فقدان السياسة المالية لأي قدرة على المبادرة، هذا بالإضافة إلى التصنيف الإئتماني والذي يمنع لبنان من اللجوء إلى الأسواق المالية العالمية للإقتراض والإكتفاء بالسوق المحلي الداخلي (وهذا بحد ذاته غير كافٍ) ما قد يعرض القطاع المصرفي إلى خطر التعرض للديون السيادية.

فأمام ما ينتظرنا من مخاطر جمة على الصعيدين المالي والإقتصادي أصبح لا بد من إتخاذ القرار السياسي السريع لوضع حد للخلافات الداخلية المستشرية والتي ستدفع لبنان إلى قعر الهاوية فيما لو لم تتخذ الإجراءات السريعة لمعالجتها وهذا لن يكون إلا بالتوافق الجدي والمثمر ووضع مصلحة لبنان أولاً وفوق كل إعتبار للخروج من النفق الأسود الذي قد يطيح بكل إنجازاتنا كما ووضع خطة إستراتيجية لمعالجة الأزمات المالية المتفاقمة على مدى سنين طويلة والتي لم تعد تجدي معها المسكنات وسياسة النعامة والرمل وذلك بالنظر لخطورة المرحلة من النواحي المالية والتي لم تعد تحتمل أي تأجيل أو مماطلة، هذا بالإضافة إلى أن القطاع المصرفي لن يكون قادراً وحده لمجابهة التحديات المالية بمعزل عن أي خطة إستراتيجية تضعها الدولة في هذا الإطار، وهذا لا يكون إلا عبر معالجة شاملة لكل الملف اللبناني وتعقيداته بما فيه ملف النفط والإسراع في عملية التلزيم والتنقيب والذي يشكل رافعة لإقتصاده إذا ما استثمر بطريقة شفافة بعيداً عن المحاصصة والصفقات والمحسوبيات، بحيث لا يسعنا الإنتظار طويلاً في ظل تفاقم الأزمات المالية وتشعب اخطارها على هيكلية البنية الإقتصادية والمالية على حد سواء خصوصاً أن ما ينتظرنا من إستحقاقات لا يبشر بالخير، فآن الأوان لاتخاذ القرار قبل فوات الأوان بعيداً عن أي نوايا مسبقة قد تعترض هذا الملف أو ذاك أو تعرقل مساره، وإلا فلن نرى في المستقبل إلا كارثة مالية لن ترحم أحداً…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل