
كتبت فيرا بو منصف في مجلة المسيرة – العدد 1611:
آلو فادي، إذا ممكن بدي إكتب عن خيّك الشهيد ريمون ممكن تساعدني ونحكي شوي بالموضوع؟ وصمت فادي من الجهة المقابلة للاتصال الهاتفي “ليش بس بدكن تحكوا عن ريمون وشو منقول لـ جوزف؟” أصمت مستغربة “مين جوزف؟” وأسمع تنهيدة “خيي الكبير كمان شهيد، وأكتر من هيك ريمون وجوزف استشهدوا بذات المطرح بمنطقة العدلية”. وساد الصمت بين طرفي الاتصال، كيف نكتب عن شهيدين من بيت واحد وإن كنا فعلناها مرّة، وقد نفعلها بعد مرات ومرات، فهنا المقاومة اللبنانية وهنا نهر الشهادة والحب حين يفيض بناسه، وهنا جوزف وريمون فرنسوا الحاج.
كانت العائلة سعيدة بما لديها، ولديها كنز لا يثمّن، ستة شباب وصبية مع أب شجاع موظف في سكّة الحديد، وأم قوية مناضلة مؤمنة الى أبعد حدود الإيمان، وحدود الإيمان عندها أن ترسل أبناءها الواحد تلو الآخر الى الجبهات، ولا تسأل قبل أن يقفلوا الباب خلفهم إلا “صلبتوا إيدكن ع وجكن؟ صليتوا المسبحة بالليل؟” بدل أن تردعهم خوفا، أو أن تحاول معاندتهم بألف اأسلوب وحيلة، “أمي كانت مؤمنة كتير وما تخاف، حتى تحت القصف كنا مجبورين كل أحد نروح ع الكنيسة، تقلنا ربك بيحمي ونروح صف عسكر ع القداس”.
هم أبناء التحويطة فرن الشباك، هناك كانوا جيران خطوط التماس، لا، كانوا هم خطوط التماس التي لم يتمكن يوما الأعداء من تخطّيهم أو العبور فيما بينهم، فهناك كان مثلث المقاومة، وتلك العين رمانة حيث حفرت أقدام المناضلين خطوط البقاء من خيوط الدماء والنضال والاستشهاد. في البيت الكبير، بيت تيريز وفرنسوا تنشّق الشباب رائحة البارود قبل الهواء النقي، كان المسلحون الفلسطينيون بدأوا يتوغلون في الأرض، بدأوا يخططون لغير وطن يسكنون فيه، فيصبحون هم أهل المنزل ونحن الضيوف، وكانت المقاومة اللبنانية بدأت تحفر فيهم وبعنف خنادق المواجهة والتصدي، صارت البيوت متاريس والمتاريس بيوت، قرر جوزف أن يلتحق بمن سبقوه من الشباب رفاقه، غالبيتهم كانوا بعد تلامذة مدارس وفي الصف يتعلمون حروف النار قبل أبجديتها، هكذا فرضت عليهم الأيام، وكانت أخبار المسلحين الذين يتوغلون بين المنازل ويعتدون على كرامة الناس بدأت تحفر خطوط غضب كبير ما عاد ممكنا أن يبقى صامتا، فحمل الرجال البنادق وحملت النساء المساندة، وقرر جوزف الابن البكر أن يترك كل شيء ويتبع واجبه، ترك كرة القدم التي لطالما أحب، وكان لاعبا محترفا في نادي الشرق الرياضي، ترك المدرسة وكان متفوقا وفي مرحلة التقديم قبل وصوله الجامعة، لم يعد بإمكانه أن يفكّر بكل تلك الأمور، وحدها البندقية أصرّت عليه ليكون ما قُدر له أن يكون عليه.
كل صباح كان يرافق والده الى مركز عمله ليحرسه، لم تكن البندقية تفارق زنده، صارت رفيقة النضال، تاج الكرامة “منخلي هالزعران يفوتوا علينا ويدبحوا شرفنا؟” يقول لأمه واخوته كلما خرج في مهمة، وكان ذاك الصباح التشريني، 13 تشرين الثاني 1975، ذهب والده باكرا الى مركز عمله في ساحة العبد كما كانت تسمى، هناك في منطقة العدلية، ورافقه كما العادة، كان خطط مع رفاقه أن يلبسوا جميعا الكوفية الفلسطينية وينصبوا حاجزا في المكان، لمنع تسلل المسلحين الى المناطق الحرة ولخداعهم في الوقت ذاته، وما أن تمركزوا حتى جاءت النيران من المكان غير المتوقع، من حاجز للدرك ظنا منه أنهم مسلحون فلسطينيون، وسقطت للمرة الأولى البندقية عن كتف جوزف، زرعته في الأرض نصبا للحرية، وزرع عمره معها شهب حب لوطن لم يعش طويلا ليشهد من هنا على أكاليل الغار التي غطت مساحاته، رغم أنهار الدماء التي طافت استشهادا لأجله، ارتفع المناضل شهيدا لتكمل من بعده العائلة المسيرة…
لم يحرق دمع الحزن المالح عزيمة الأم والأب المؤمنين، أحرق قلبهما صحيح لكنهما اعتبرا جوزف شهيد الكنيسة “راح الولد فدا الكنيسة والعدرا” كانا يرددان، كان الحزن جبلا لكن لا مساحة في البيت المقاوم إلا للرجاء، وبقيت أم جوزف تصلي وتدعم نضال أبنائها. عبرت الأيام، ودخل إيلي وريمون وبول المقاومة، فادي الصغير كان يراقب عند الباب خروج اخوته كل صباح كل الى جبهته، كان يعرف ان ثمة من دافع عن وجود لبنان طوال هذا السنين وان اخوته من ضمن هؤلاء الأبطال، كان يعيش على ترداد تلك الحكاية المتوارثة في فرن الشباك عن القديس مار نهرا الذي اجترح أعجوبة وصد هجوما للمسلحين حين استهدفوا ذات ليل مناطق عين الرمانة والمحيط، تغيّرت تفاصيل كثيرة في البيت، إلا صلابة تلك الأم وإيمان ذاك الأب بما يفعله الأبناء.
ريمون الشاب الحلو، العصبي المزاج الحنون صاحب القلب الطيب المفرط الشجاعة، حمل في قلبه قضية أخيه الشهيد، تباهى به أمام عيون الأرض التي جعلته ذات نضال من سمادها، وفعل مثله، في التاسعة عشرة ترك الجامعة ليلتحق بالمناضلين، كان ميكانيكيا لامعا، يحب مهنته ويبرع بها، لكن الجبهات لا تقبل في الحب شريكا، إما الأرض أو لا أحد، فالتحق بنداء الأرض كي لا يصبح اللبنانيون لا أحد في أرضهم، كان يعرف أنه مشروع شهيد في أي لحظة، ولم يكن طبعا ليعرف متى يأتي السارق، تزوج باكرا ودخل في “القوات اللبنانية” وصار آمر فصيلة في سلاح المدرعات، خاض معارك كثيرة وانتصر عليها، وحدها تلك المعركة هزمته قبل إعلان أي هزيمة وأي استشهاد، حرب الإلغاء، في حرب الجبل وفيما كان يقطع الوديان ليلا أصيب بجرح بليغ في يده وكادت ان تصاب بالشلل التام لولا العناية الإلهية، ولم يتراجع أو يكترث، أكمل الطريق وهو يردد “المجد لاسمك يا يسوع”. وكان الأب والأم في البيت يصليان ليعود الأبناء الى البيت في ثيابهم وليس في النعش الأبيض.
كان أصبح “أبو جويل” عندما لبس بدلته الزيتية للمرة الأخيرة، العام 1990، أشتدت الأحداث الأمنية الدامية، وكان يجب أن يكمل واجبه في النضال، لحظة استشهاده كان مع أخيه إيلي الذي كان يقود دبابة وينفذون انسحابا من منطقة فرن الشباك باتجاه العدلية، للمرة الثانية في المكان ذاته وكأن القدر استدرجهم لينصب للاخوة ساعة عز يلتقيان فيها، ساعة لا مهرب منها مهما فعلنا، مهما حاولنا، مهما صلّينا. وصلا الى ساحة العبد وإذ بقذيفة آر بي جي تسقط، فأصيب ريمون بظهره وارتفع الضوء إياه، الشهب ذاته، وصار في العناق الحار مع أخيه الشهيد جوزف، لتنهار من حول إيلي كل الدنيا بلحظة. من سيخبر الأم بالابن الثاني؟ من يستطيع أن ينقل خبرا مماثلا؟ من يملك تلك الشجاعة النادرة ليواجه الأهل باستشهاد الابن الثاني في المكان ذاته بفارق خمسة عشر عاما، هو عمر فادي آنذاك، آخر عنقود العائلة، “قالولنا بالأول إنو منصاب بإجرو، وبعدين براسو، وبعدين قالولنا مخطر حتى رجعوا قدروا خبرونا الحقيقة”. والحقيقة ان ريمون صار شهيدا كما يتوقع كل المناضلين في ساحات الكرامة، تلك الساحات التي توزعهم هناك وهناك ولا تعرف متى وكيف تلملمهم، عناق في السماء ورجاء على الأرض، مع كل ذاك الحزن بقي الرجاء مسبحة إيمانٍ صلبٍ لا يقاوم معلّق على أهداب السيدة، في قلب السيد، وبقيا يرددان “كلنا فدا الكنيسة” كانا يعرفان ان الشهادة للأرض هي من الشهادة في سبيل يسوع، هما واحد لا ينفصلان. “بقيت أمي تحب “القوات” لآخر لحظة بحياتها وكانت تصر إنو تسمع كل يوم على لبنان الحر صلاة المقاوم وقداس الساعة 6، دمها كان “قوات” وتحب الحكيم كتير وتضل مقهورة إنو بالحبس وتضل تصليلو”. لكن قلب السيدة أصيب بالإنهاك، واجتاحتها الأمراض بسبب الحزن الدفين المختبئ في العيون، هي التي شهدت أيضا على موت ابنتها منذ عامين بالمرض، فقررت أن تهرب من حالها الى النسيان، فعاشت في مملكتها الخاصة الى أن تحررت من آلام الجسد والروح والتحقت بأبنائها الثلاثة منذ نحو السنة، بعدما كان سبقها أبو جوزف للقاء أبنائه الأبطال.
أما غادة الحاج، زوجة الشهيد ريمون، ما زالت حتى اللحظة تعيش حبها للبطل، رفضت الارتباط من بعده لتبقى وفية للذكرى وللحضور الذي لم يمت يوما فيها، للوجه الذي يسكنها كما يسكن عطر وريقات وردة في نوار، ما زالت تحمل صورته، وصورته في وجه ابنته الصبية جويل، وجهه في حكاياه، في أخباره التي لم تنقطع يوما عن البيت، ما زال الشهداء يعيشون تفاصيل ذاك البيت في فرن الشباك، عادت الأسماء الى أبناء الاخوة، عاد جوزف وريمون في وجوه البراءة، وما زال الشباب يناضلون، منهم من هاجر خصوصا بعد اعتقال الحكيم، وأسس عائلة وحياة في المهجر، لكن أحدًا منهم لم ينقطع عن وطنه ولا عن قضيته، ومنهم من لا يزال في لبنان يعيش تفاصيل وطن أخذ منهم شهيدين لكن أعطاهم فخرا لا يفوق الوصف والمساحة والزمن “بشوف حالي إنو عنا شهيدين بالعيلة، وكلنا منحكي عنن وباسمن، وكلما تلاقينا بيحضروا قبلنا ع الطاولة وبالبيت وبالتفاصيل، كلنا بالعيلة “قوات”، أنا دمي “قوات” وبفتخر بتضحيات رجل كبير متل سمير جعجع، حياتي للمسيح وبس إحكي عن اخوتي الشهدا ببتسم لأن هيدا مصدر فرح إلنا وفخر، نحنا ولاد الرجا ولاد الكنيسة ومتل ما كانت تقول إمي كلنا فدا يسوع” يقول فادي ويذهب ليبحث عن صور للشهداء “ربنا عطانا نعمة كبيرة الحمدلله على هالنعم”…
كيف تكون النعمة ان تخسر اخوة لك في ذات المكان؟ وحدهم أؤلئك الكبار في قلوبهم وتضحياتهم يفهمون معنى تلك الابتسامة، قدرة القبول بقدر مماثل، وحدهم المناضلون الحقيقيون في المقاومة يستطيعون ان يبتسموا حين يرتفع الأبطال شهداء…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
