
ليس من المبكر أبداً القول إن المنطقة مقبلة على زلزال كبير ستتتابع تردداته لتصيب أكثر من بلد ومكان، بل هو سيحرك الصفائح التكتونية على مستوى العالم نظراً للأهمية الإستراتيجية التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط والأحداث الضخمة الحاصلة على إمتدادها، والمشاريع المتسربة عن خرائط ومصائر متغيرة، سواء عند الحدود الخارجية أو داخل حدود الدول نفسها.
ضخامة الحدث تدفع بالتأكيد إلى التروي في التفاصيل “الصغيرة”، لكنها لا تترك مجالاً للتردد في قراءة الصورة الكبرى المتشكلة مع “القمة العربية – الإسلامية – الأميركية” في الرياض على حقيقتها “الفاقعة”.
الإتفاقيات العسكرية الأمنية الإقتصادية والمالية التي توّجت “قمم ترامب” العربية – الإسلامية غير مسبوقة في التاريخ بحيث تخطت مئات مليارات الدولارات ووحده الرقم يكفي ليؤكد كم أن الأمر “جلل”.
“إيران تدعم ميليشيات تنشر التدمير والفوضى والإرهاب في سوريا ولبنان والعراق واليمن… إيران هي من يؤجج الصراع الطائفي في المنطقة، ويجب على دول العالم عزلها لهزيمة الإرهاب… إيران تستخدم ميليشياتها للتدخل وزعزعة الأمن والإستقرار وبعث الفوضى في دول المنطقة، و”حزب الله” منظمة إرهابية في مرتبة سواء مع “داعش” و”القاعدة”… كلام أعلن بالفم الملآن على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعديه، وسائر القيادات العربية والإسلامية يتقدمهم الملك سلمان بن عبد العزيز.
قد لا يكون الكلام بحد ذاته جديداً، لكنه هذه المرة لا يصدر عن باراك أوباما، الرئيس الأميركي المتردد صاحب النظرية “الغريبة” عن “القيادة من الخلف” لأضخم قوة في التاريخ، بحيث إن القوة التي تحل بعدها في المرتبة الثانية تتأخر عنها بما لا يقل عن عشر درجات…
الجديد هنا أن الكلام عن إيران وميليشياتها وأذرعها يصدر عن ترامب، الرئيس الأميركي صاحب شعار “Make America Great Again”، والذي لا يتردد لحظة في إفهام من يجب إفهامه أن أصول وقواعد اللعب عنده تختلف جذرياً عن تلك التي “إستأنسوها” عند أوباما. وهنا أصل الخطاب والمختلف في الموضوع، الذي تدرك إيران ومن خلفها “حزب الله” معانيه العميقة…

روسيا قبل إيران، لا يستعصي على فهمها قراءة رسائل ترامب، المشفرة والصريحة، منذ “الشعيرات” إلى “النتف” وما بينهما.. نصحت روسيا إيران بإيقاف القافلة المتوجهة إلى “الحزام الأحمر الأميركي” عند نقطة “النتف”، والمؤلفة من قيادات وعناصر من “الحرس الثوري” و”حزب الله” وتحمل أسلحة ثقيلة ودبابات ومدافع وذخائر، أو على الأقل بتغيير مسارها… لم تنتصح إيران فأبيدت القافلة عن بكرة أبيها. يبدو أن روسيا تقرأ جيداً رسائل ترامب وتعيد الحسابات…
الرد الإيراني جاء “مدوياً”: “شبه صمت مطبق” قلة قليلة خرقته، من بينهم “هاشم صفي الدين” إبن خالة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله ورئيس المجلس التنفيذي في “الحزب”، ويقال “خليفته”، والحائز أخيراً على بطاقة عضوية الإنتساب إلى اللائحتين السعودية والأميركية للدول والأشخاص الراعين والداعمين للإرهاب.
رد صفي الدين فيه الكثير من الخفة وهو يراهن على “أميركا الضعيفة أكثر من أي وقت مضى.,. والمشاكل الداخلية المفتعلة في وجه الرئيس ترامب…”، لكنه يشي إلى مدى الإرباك الذي يعيشه “حزب الله” نتيجة الضياع والتخبط في مركز القرار في طهران، وفقدان بوصلة التعامل مع رئيس أميركي أطلق “النسر الأميركي الجارح” بطول المنطقة وعرضها ليصطاد أعداء أميركا “على سجيته”، بعدما طاب لهم أسره على يد أوباما طوال سنوات عهده.
لا يملك صفي الدين رداً وأجوبة مقنعة على التحولات الكبرى في المنطقة، وسلسلة الخسائر التي مُني ويُمنى بها “حزب الله” منذ بدء تدخله في سوريا دعماً لنظام الطاغية في دمشق، والتي بلغت آلاف القتلى والجرحى معظمهم أصيبوا بإعاقات دائمة، بشكل تخطى أعداد هؤلاء في كل حروب “الحزب” مع إسرائيل، لتكون النتيجة إنهيار كل “الوعود الصادقة” في شحطة توقيعين للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز “صاحب العزم” والرئيس الأميركي دونالد ترامب “صاحب القرار”.

بالطبع يعلم نصرالله وصفي الدين أن ما كتب قد كتب، وأن التحولات الإستراتيجية التي أرستها “قمم ترامب” باقية وراسخة في عمق السياسات الأميركية إلى مدى غير منظور، بغض النظر عن التطورات والأحداث السياسية الداخلية في واشنطن، فلا رد “للقضاء المحتوم”. كلام صفي الدين، وكلام نصرالله في الأيام المقبلة، لا يتوجّه في الحقيقة إلى الولايات المتحدة أو السعودية، أو حتى إلى الداخل اللبناني. الكلام يتوجّه في الأساس إلى جمهور ” حزب الله” وبيئته الحاضنة، التي تتعالى أصواتها في العلن بالأسئلة المنددة والغاضبة منذ فترة عن المصائب والهزائم التي تتكبدها من “لحمها الحي” خدمة لمشاريع إيران التوسعية وأحلامها الإمبراطورية…
كيف سيرد “حزب الله” على بزوغ العصر الأميركي الجديد مع الرئيس ترامب بعد أفول دام طوال سنوات عهد أوباما العجاف؟ هل ينحو نحو المكابرة والإنتحار فينتصر لبنان رغم شلالات الدم المتوقعة في هذه الحالة؟ أم ينتهج نهج الواقعية السياسية ويعترف بـ”الحقائق اللبنانية التاريخية” العصية على الكسر فيجنّب نفسه وبيئته واللبنانيين جميعاً بحر الدماء والدموع الذي لا طائل منه؟
الجواب برسم الأيام القليلة المقبلة. ولكن أياً يكن، مسار التاريخ واضح جليّ لمن يحسن القراءة.. لبنان لن يكون إلا وطن الحرية والعدالة والحق في هذا الشرق المظلم. إقرأوا التاريخ جيداً، فتفلحون… والسلام
