
كتبت تيريز حوراني في “المسيرة” من مونتريال ـ كندا ـ العدد 1611
في آب 1991 عيّن الأب ابراهيم خليل ابراهيم راعيًا لرعية القديس الياس في كليفلاند في ولاية أوهايو بعد أربعة أعوام على سيامته كاهناً في تموز 1987. ومنذ ذلك التاريخ وهو يقوم بمهماته الرعائية التي توسعت لتشمل الولايات المتحدة الأميركية وكندا قبل أن يصير مطراناً ويعيّنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني في آذار 2002 أسقفاً على أبرشية المخلص للروم الملكيين في كندا بعد وفاة المطران سليمان حجار.
في هذا الحوار معه في “المسيرة” يتحدث المطران ابراهيم إبن بلدة جنسنايا الجنوبية عن نشاطات المطرانية والعلاقة مع الرعايا في كندا، وعن هموم المسيحيين في الشرق وعن مسؤولية المسلمين.
كيف تقرأ واقع المسيحيين في الشرق ولبنان؟
لم يكن المسيحيون طارئين على هذه المنطقة في أي يوم من الأيام. إنهم أهلها وسكانها وبُناتها منذ نحو ألفي عام. ووجودهم ليس مِنَّةً من أحدٍ عليهم، ولا نتاجَ شفقةِ قويٍّ على ضعيف، ففي القدس بدأت المسيحية ومنها انتشر الرسل يبشرون بالفكر الجديد. ورغم الاضطهاد والظلم اجتاحت المسيحية بلاد المشرق وانتشرت في كل أنحاء العالم. لقد أسهم المسيحيون المشرقيون بشكل مميز في بناء العصور الذهبية للحضارة العربية، وفي إقامة توازن اجتماعي ثقافي متين في الأماكن التي أقاموا فيها. وعبر تشابك المصالح في المجتمع كانوا يقرّبون بين مكوناته في العادات والتقاليد، كما شكلوا جسراً للتواصل مع المنتج المعرفي في الغرب. انطلاقاً مما سبق يمكن القول إنه من الخطأ مقاربة الواقع المشرقي من منطلق الأكثرية والأقلية. فهذه المنطقة هي ثمرة تراكم معرفي ثقافي حضاري لشعوب كثيرة وديانات شتى. هذا التراكم جمعته الأكثرية والأقلية معاً في مزيج عزّ نظيره قائم على تفاعل أفقي بين الإنسان والإنسان، وتفاعل عامودي متجذّر بين الإنسان والأرض. واليوم يشهد المشرق العربي منعطفاً مصيرياً في تاريخه بسبب الأخطار التي تهدد نسيجه الاجتماعي والوطني، وبسبب المخططات التي تنفّذ لتغيير هويته ومعالمه الحضارية والإنسانية. انطلاقاً من ذلك يجد المسيحيون المشرقيون أنفسهم أمام مشاكل وتعقيدات وتحديات مشتركة عليهم مواجهتها واقتراح الحلول لها كي يحافظوا على وجودهم ودورهم. أمام ما يجري في الشرق، أرى أن المُستهَدف الأكبرَ هم مسلموه، إذ إنهم المُتضرِّرَ الأكبرَ من إفراغ الشرق من مسيحيِّيه. فالمسيحيُّون ووجودهم في أرض آبائهم وأجدادهم، مسؤوليَّةٌ تقع على أكتاف العرب والمسلمين وعلى ضمائرهم خصوصًا. طالما رددت ذلك لأنَّني مُقتنع بأنَّ القوى الغريبة عن منطقتنا العربيَّة عاجزةٌ عن تفريغها من مسيحيِّيها إذا لم تستعمل في فعلتها سلبيَّات المجتمع الإسلامي والمسيحي على حدٍّ سواء ضدَّ إيجابياته التي تمثّل شريحته الأكبر مما يثبت منظومة الغالبيَّة العاجزة في اعتدالها أمام الأقلِّيَّة الفاعلة في تطرُّفها. إن الحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق يستوجب دون شكٍّ صحوةً إسلاميَّةً ترى في الحفاظ على المسيحيِّين خيرَ وسيلة لحماية الذات الإسلاميَّة في حاضرها ومستقبلها. هكذا يُفْشِلُ المسلمون عمليَّة الاستفرادِ بهم من خلال تحالف مصيريٍّ مع المسيحيِّين الذين يشاركونهم أصلاً التاريخَ واللغة والمصير. إن مصلحة المسلمين تقتضي ضرورة استعادةِ المسيحيِّين كامل حقوقهم وحضورهم وأمانهم وفعاليَّتهم في خطِّ تاريخ المنطقة ورفع كلِّ مشاعر الغُبن والإحباط التي ضربت بهم مولِّدةً الخوف على الكيان والمستقبل والمصير.
كيف تلاحظون مدى ارتباط مسيحيي الانتشار بالكنيسة وهل من التزام وممارسة على مستوى الاحتفالات والاعياد المسيحية؟
يرتبط مسيحيو الانتشار بالكنيسة بشكل لافت للنظر. فالواصل حديثاً إلى بلادٍ يجهلها ويجهل سكانها وعاداتهم وطقوسهم، يجد في الكنيسة الحضن والملجأ الذي يؤمن له الراحة النفسية. ففي الكنيسة يشعر المؤمن أنه فرد من جماعة، وأنه يستطيع الاعتماد على هذه الجماعة على رغم أنه لا يعرف وليس على تواصل مع جميع مكوناتها. ونلاحظ من خلال خبرتنا في خدمة المهاجرين، في الولايات المتحدة الأميركية سابقاً وفي كندا حالياً، إقبالاً كثيفاً من المؤمنين على المشاركة في القداديس والمناسبات والاحتفالات الدينية مما يدفعنا إلى المزيد من الجهود لخدمة الجميع من دون تمييز أو تفرقة.
من يشارك في قداديس أيام الآحاد والأعياد؟
على عكس كل التوقعات لا يقتصر الحضور في كنائسنا على فئات عمرية محددة، بل هناك إقبال على المشاركة في القداديس من قبل عائلات بكامل أعضائها، وهذا ما دفعنا إلى تخصيص جهود كبيرة لخدمة مئات الأطفال والشباب في كل الأعمار من خلال الفرق الكشفية والحركة الرسوليّة العالميّة للأولاد “ميداد” التي تضم في الكاتدرائية وحدها حوالي 600 ولد والشبيبة الملكية وغيرها إضافةً إلى تنظيم نشاطات خاصة لكافة الفئات العمرية.
ما هو دور الحكومة الكندية في اعطاء هذا الهامش من الممارسات الدينية؟
تحترم الحكومة الكندية كل الأديان والمعتقدات وتفسح في المجال أمام الجميع للحصول على حقوقهم كاملة مقابل قيامهم بواجباتهم. وأي نشاط يتم من خلال الأطر الشرعية ويقوم على احترام القانون والنظام العام يجد ترحيباً من السلطات. عندما منحتني السلطات الكندية الجنسية حضر وزير الدفاع الكندي وكان الاحتفال كبيرًا في الكاتدرائية. ولكن يجب ألا ننسى أن كندا دولة علمانية لا تسمح للأديان بالتدخل في الحياة الشخصية أو بفرض أية قيود دينية على المواطنين.
هل الكنيسة مؤتمنة على الانتشار المسيحي وكيف؟
طبعاً الكنيسة مؤتمنة على الانتشار المسيحي وهي تقوم بدورها ضمن الامكانات والظروف المتاحة لها. وهنا لا بد التنويه بالدور الذي تقوم به الكنائس الشرقية في بلاد الاغتراب، ليس فقط في ترسيخ الروابط بينها وبين أبنائها بل في إعطاء صورة صادقة عن الإيمان المسيحي وتعريف سكان البلاد الأصليين على ذلك. يجب أن نعترف بوجود تحديات كثيرة أمامنا في المجتمعات الغربية “المتعلمنة” والمستسلمة لموجة الالحاد العملي وبعض وجوه العداء بين الدين والدولة بفعل ممارسات وأخطاء تاريخية أفرزت واقعاً مشوهاً في النظرة إلى الدين وفي ممارسته. لذلك فإننا نلعب دوراً مهما من خلال شهادة إيماننا وجهودنا في إعادة مد الجسور وإعادة التبشير إذا ما استطعنا قول ذلك.
هل من تنسيق مع الكنيسة المارونية؟
إننا على تنسيق تام مع كل الكنائس الشرقية وكذلك مع إخواننا المسلمين ومع الكنائس الكندية. فلقاءاتنا واجتماعاتنا لا تنقطع حيث نتبادل الآراء ووجهات النظر حول مختلف المواضيع التي تهم أبناءنا. فطالما أن الإنسان هو هدفنا وغايتنا فمن الطبيعي أن يكون التنسيق والتعاون قائماً.
هل تخشى على مسيحيي لبنان؟ وكيف تقرأ مقولة تفريغ لبنان من مسيحييه؟
لا أخشى على مسيحيي لبنان طالما أنهم واعون لدورهم ولمسؤولياتهم. فوصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية والتنسيق القائم بين الأحزاب والقوى المسيحية أعطى المسيحيين أملاً كبيراً بالمستقبل. نحن نعرف أن لبنان ليس جزيرة معزولة بل هو جزء من واقع مشرقي متفجر حيت النيران مشتعلة في أكثر من مكان، ولكن وعي اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، وتضامنهم وحوارهم الصادق لمعالجة مشاكلهم يعطي ضمانة بمستقبل واعد.
الهجرة تشمل المسيحيين وباقي الطوائف الاسلامية لكن وحده المسيحي يترك أرضه ولا يعود لماذا؟
الهجرة طبعا لا تقتصر على المسيحيين. فالمسلمون أيضاً يتركون أوطانهم ويلجأون إلى الدول الغربية من أوروبا إلى أميركا وكندا نحو المجتمعات الجديدة، فالمسلمون أيضاً يندمجون في المجتمعات التي تستقبلهم وتقدم لهم كل ما يحتاجونه. لذلك فإنني لا أوافق على الأخبار التي يتم تداولها وخصوصاً في ما يتعلق بأعداد المواطنين المهاجرين وتوزيعهم على الطوائف. فهناك أرقام مبالغ فيها تحتاج إلى التدقيق وهدف ترويجها زرع الخوف على المستقبل.
كيف تقيم لبنانيي الانتشار في كندا على المستوى الاجتماعي والسياسي والحزبي؟
يندمج اللبنانيون في المجتمع الكندي ويقومون بنشاطات منوعة في كل المجالات والميادين. فمنذ وصول أول مهاجر لبناني إلى كندا نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم، ينتشر اللبنانيون في مختلف المقاطعات الكندية ويساهمون في بناء نهضة كندا.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]