
كتبت رجاء ميسّو – المغرب في “المسيرة” – العدد 1611
رحلة طويلة دامت خمس ساعات من مطار الدار البيضاء نحو مدينة بيروت قررت في خلالها كسر ملل الساعات المتبقية جوا، فبدأت أكتب جملا قصيرة عن هذا البلد الذي سأقضي فيه ثلاثة أشهر بين الدراسة والتدريب، لم أفكر كثيرا لأجد نفسي أكتب عن اغتيال سياسيين بالأسماء وبالسنوات، حرب أهلية، صراعات طائفية، اعتقالات كثيرة ما زالت بمخيلتي، لم يعجبني ما كتبت فأقنعت نفسي بأن أفكر في أشياء إيجابية، وعكس المرة الأولى، كلفني التفكير وقتا طويلا لأتذكر زياد الرحباني ومارسيل خليفة والبعض من الكتابات الأدبية المشهورة. ما كتبته لم يكن مهما فقررت أن نزولي من الطائرة سيكون بداية لرحلة أخرى طويلة أكتشف فيها ما أجهله عن وطن الأرز وإنسانه الرائع.
كباقي الزائرين أول مكان قصدته كان الروشة، فالصخرة المرتفعة في البحر التي شبهتها فيروز بوجه بحار قديم تدفعك للاقتراب نحوها والاستمتاع بشموخها وسط أمواج تنحني إجلالا لعلوها، التلال الخضراء التي تتنوع بها بيروت وجمالية المكان تجعلك واقفاً لساعات طويلة من دون أن تشعر بملل اللحظة، أما العابرون فكانوا أجمل لوحة تعبيرية تجسد الاختلاف والتنوع بكل تجلياته: نساء يرتدين الحجاب وأخريات اخترن أحدث تصفيفات الشعر، ورجال يضعون “العقال” العربي فوق رؤوسهم بينما آخرون يواكبون أحدث صيحات الموضة العالمية.
مشيت قليلا لأجد نفسي واقفة أمام مشهد جلست أتأمل فيه كثيرا أنه مسجد وكنيسة يجاوران بعضهما البعض ويمثلان التعايش الحقيقي الذي أوصت به جميع الديانات.
توجهت مباشرة نحو منطقة جبيل التي أخبرني عنها صاحب مطعم قصدته ونصحني باكتشاف جمالها الطبيعي وهدوء لبنان الحقيقي. استقليت سيارة أجرة كان يقودها رجل في الستينات من عمره أخبرني أنه يدعى أبو وسيم. ظل يحكي عن لبنان وتاريخه وكيف كان الإنسان اللبناني يعيش بسيطا في السابق. أخبرني بافتخاره بأنه لبناني من جدة تركية الأصل وأم سورية. شدني كثيرا ما قاله، أحسست أن الرجل الستيني الذي كان تعليمه بسيطاً بحسب ما أخبرني على وعي تام بأهمية هذا الاختلاف العرقي. كانت واضحة عليه آثار التنوّع الإيجابي في أفكاره وحتى في تقاسيم وجهه الرائع. مرت لحظات انشغل فيها العم أبو وسيم بقيادة السيارة وسط زحمة الطريق الرهيبة بينما انشغلت باكتشاف تفاصيل المكان الذي أنا فيه حيث لفتت انتباهي صور كبيرة لشخصيات سياسية تعلو الشوارع والطرقات. إنهم زعماء سياسيون من مختلف الأحزاب، المكان الواحد يقبل صورتين لزعيمين من حزبين مختلفين استغربت، كيف لم يفكر أي طرف منهما بإزالة صورة الآخر. صدقا أعجبت بطريقة تفكير الإنسان اللبناني والاختلاف الإيديولوجي الذي تربى عليه والذي ينم عن سلوكه الحضاري الراقي، ومن يومها محوت من ذاكرتي ما كتبته بالطائرة عن الطائفية والحرب الأهلية والاغتيالات وغيرها، وقررت أن أرفق قيم التعايش والسلام بلبنان الوطن الذي وجدت فيه الانتماء للإنسانية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]