
تأتي زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى المملكة العربيّة السعودية لتأكيد الدعم الغربيّ للدّور الذي تلعبه المملكة في المنطقة. لقد حسمت الولايات المتّحدة أمرها بين تأييد التّدخل الفارسي في شؤون كلّ الدّول الشّرق – أوسطيّة، وبين الدّور السّياديّ والرّياديّ لهذه الدّول. فهل سيتلقّف لبنان هذا التّغيير في السّياسة الإقليميّة؟ أم سيقرّر “حزب الله” مجدّدًا عن الدولة فيدخلها في صراع مع المجتمع الدوليّ؟
لا نعوّل كثيرًا على أي دور إقليمي أو حتى دولي، لأنّه بالنسبة إلينا يجب أن نكون على قدر من المسؤولية التي أولينا بها، من هنا، كان سعينا الدائم لعملية بناء الدولة. وما بحثنا لإيجاد قانون انتخاب الا في هذا السياق. لكن لا يستطيع عاقل أن ينكر بإنه لا تأثير جيوبوليتيكي على لبنان. فالأزمة السورية أرخت بثقلها على الدولة والكيان، وأصبح الكلّ في خطر. لذلك، نحن مدعوّون للعمل أكثر على تقوية أواصر الدولة ومن دون مواربة.
ولا بدّ هنا من قراءة مسهبة للزيارة الأميركية الى المملكة لا سيّما أنّ لبنان كان الحاضر الأكبر في كلمة الرئيس الأميركي. وإذا لم يدرك بعد “حزب الله” ومن لفّ لفيفه، خطورة هذه المسألة، فسنكون حتمًا في مواجهة دوليّة. ولتلقّف فرصة إيلاء لبنان هذه الأهمية، يجب التّحلّي بالجرأة للعمل على تطبيق النّقاط السّبع التالية:
– أولا: إنتاج صحيح للسلطة السّياسيّة من خلال إقرار قانون انتخاب يؤمن ٦٤ نائباً مسيحيّاً بأصوات المسيحيّين، وليس أقلّ ولو حتّى ٦٣، والعمل على إعطاء الجنسيّة اللّبنانيّة لكلّ مستحقّيها وسحبها من غير المستحقّين داخل وخارج لبنان.
– ثانيًا: دعم الجيش اللبناني بالفعل وليس بالقول من خلال تسليمه كلّ الأسلحة الموجودة مع التنظيمات والميليشيات اللّبنانيّة وغير اللّبنانيّة بما فيها سلاح “حزب الله”.
– ثالثًا: التّأكيد على حقّ كلّ اللبنانيّين في الدّخول في تركيبة الدّولة السّياسيّة فقط، وأوّلهم “حزب الله” بعد تخلّيه عن كلّ منظوماته العسكريّة.
– رابعًا: ترسيم الحدود مع كلّ من سوريا وإسرائيل وإنشاء لواء متخصص بحراستها يكون تحت سلطة الجيش اللّبنانيّ فقط، ويمنع التّدخّل في شؤون دول الجوار.
– خامسًا: إجراء كلّ الإصلاحات الدّستوريّة على اتّفاق الطّائف لإبطال كلّ العراقيل التي وضعها الإحتلال السّوري فيه، للحؤول دون تطبيقه، والعمل عندها على تطبيقه بطريقة لا تتعارض مع الكيانيّة اللّبنانيّة ولا سيّما مع وجوديّة أيّ مكوّن من مكوّنات التّركيبة الفسيفسائيّة للمجتمع اللّبنانيّ.
-سادسًا: ضبط كلّ مزاريب الهدر ومحاربة الفساد فعلاً وليس قولاً لتأمين فرص الحدّ الأدنى من العيش الكريم لكلّ اللّبنانيّين.
-سابعًا: العمل مع وزارة الشّؤون وكلّ الهيئات الدوليّة لحلّ ملفّ النّازحين واللاجئين للمرّة الأخيرة وإعادتهم إلى المناطق الآمنة في بلادهم.
من هذا المنطلق، نستطيع كلبنانيّين أن نمنع وطننا من الإنزلاق نحو المجهول. لكن هذه المرّة إذا أصر أيّ فريق لبناني، لا سيّما “حزب الله”، أن يقرّر نيابة عن الدّولة فسيدخل الجميع في مواجهة مع المجتمع الدّوليّ بالنّيابة عن إيران التي تسعى لخوض هذه المواجهة بأذرعها وليس بذاتها. وعندها لن تستطيع الدّولة أن تشكّل حاضنة للحزب كما كانت في تمّوز ٢٠٠٦، لأنّ العاقبة ستكون على رأسها أكبر. ولن يتحمّل الحزب مسؤوليّة هذه المواجهة وحده، بل ستنسحب على كلّ الدّولة. وبالطّبع هذا العهد لا يريد لهذه المواجهة أن تقع، ونحن رأس حربة في الدّفاع عن العهد والدّولة. ومن البديهيّ ألّا تكون القوّة هي الأسلوب المتّبع. بل بات من الملّح، وعن اقتناع، أن يتخلّى “حزب الله” عن كونه الذّراع الفارسيّ في لبنان ليسلّم لبنان لكلّ أبنائه.
أمّا إذا لم يتحلَّ الحزب بهذه الجرأة، فلا إيران ستعيد إعمار الجسور ولا مكافأة ذوي شهداء معارك الإقليم، من سوريا حتى اليمن وكلّ أصقاع العالم، لأنّ العقوبات عائدة، والجهاد بالمال لن يجدي نفعًا بعد الآن.
أمّا بعد، فإذا أراد الحزب القرار عن الدّولة، فهو سيجابه بمقاومة سياسيّة من قبل كلّ من عمل ويعمل وسيعمل لبناء هذه الدولة، ونحن أوّلهم. وأمّا إذا قرّر الحزب إيقاف التّهويل والدّخول تحت كنف الدّولة الضابطة للكلّ، فلبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه وليس في ذلك فضل لأحدٍ على أحد. فالقرار اليوم بيد الحزب. هل يريد لبنان وطنًا نهائيًّا له؟ هل يؤمن بلبنان الكيان النهائيّ لكلّ أبنائه؟ وهل هو مستعدٌّ لتحمّل مسؤوليّاته الوطنيّة في زمن السّلم كما تحمّلها في الزّمن العسير؟ أم أنّنا سننزلق نحو الشّيطان بفضل من يدّعي محاربته؟