#adsense

عراقية في متحف المشاهير في جعيتا… وجهاً لوجه مع صدام حسين وجورج بوش (بقلم هند عبد الفتاح)

حجم الخط

كتبت هند عبد الفتاح – العراق  في “المسيرة” – العدد 1611

عند مجيئك الى بيروت لا بد لك من أن تأخذك أقدامك الى بقاع متعددة المعالم تحمل الكثير من المعاني وتذكرك بسلسلة أحداث ماضية تمثل حقبة من حقب التاريخ القديم أو الحديث وربما التاريخ المعاصر.

متحف المشاهير كان من بين تلك الأماكن التي لا بد لكل سائح من أن يزورها بعد عودته من مغارة جعيتا التي لا تبعد عن المتحف سوى 500 متر ربما أقل أو أكثر بقليل. تلك المغارة لا تدع في نفسك سوى راحة نفسيه وخيال واطمئنان يوقفك عن الحديث إلا مع نفسك قائلا سبحانك ربي على ما خلقت. وعند وصولك المتحف ستجد تماثيل مصنوعة من مادة السلكون تجسد شخصيات فنية وسياسية وعلمية كانت لها حكايات مع الشهرة. كل شخصية في هذا المتحف كانت تخلد تاريخا وترحب بزوارها بشكل مختلف، فهي تتحرك كما الشخصية الحقيقية وتنطق بالصوت الحقيقي لكنه مسجل ويعمل إلكترونيا عند اقترابك منها لتعيد الى أذهانك ذكريات عشتها أو رواها لك من عاشها قبلك.

بترحيب أنيق من مرشدة المتحف بدأنا جولتنا على القاعات واحدة تلو الأخرى وبالترتيب المستند إليه من قبلهم دخلنا. عند دخولنا قاعة الفنانين رحبت بنا أم كلثوم بمنديلها المشهور مرتدية تلك النظارات السوداء قائلة  “يا حبيبي الليل وسماه” علقت تلك الكلمات ولم تشأ أن تذهب حتى محتها كلمات فيروزعند الوصول إليها أو بالأحرى تمثالها المجسد لشخصيتها الناطق بذلك الصوت الشجي الدافئ الذي يرافقنا بصباحات أيامنا ليلهمنا الراحة. وهكذا زرنا فناني العالم في قاعة واحدة مرحبين  بطربهم الاصيل زارعين الدهشة لدى البعض، تاركين شيئاً من المرح في النفوس الزائرة، لم تخلُ تلك الجولة من التقاط الصور التذكارية. لكل منا ملهمه. منا من أفرط في التصوير ومنا من اكتفى بلقطة واحدة مع شخصيات معينة اختارها بحسب حبه لها واهتمامه بها، أو ربما لسبب آخر بعيد عن الحب والإعجاب ليبقيها ذكرى جميلة سيكررها أو لا حسب فرصه القادمة.

كانت هنالك قاعة خاصة لرؤساء الدول منهم من رحل ومنهم من لا يزال على قيد الحياة. مررت مرورًا سريعا أمام كل تمثال وكأي زائر التقطت بعض الصور. إلا أن تمثال صدام حسين ووزير الإعلام العراقي إبان حكمه استوقفاني كثيرا. المشهد المتجسد أخذني الى عام 2003. تذكرت مشاعر الخوف الشديد والتفكير في المصير المجهول. دوت في أذني أصوات الرعب وبكائي في ذلك الحين حيث لم يكن عمري سوى 16 عاما. تذكرت أمي. عندما كنت أخاف من صوت الطيران المرعب كانت تقول لي: إنه صوت الرعد لا تخافي. كانت توهمني بذلك لتخفف من خوفي.

لم أتوقع أن ألتقي بصدام حسين وجها لوجه وبزي عسكري فمجرد التفكير بهكذا فكرة لم يطرأ أبدا ولم يكن في الحسبان، بدلته العسكرية أخذتني الى آخر ظهور له على شاشة التلفاز في اليوم العشرين من شهر آذار عام 2003 ملقيا خطابه يطمئن به شعب بلدي ومعلنا فيه بدء الحرب والتي أسماها بمعركة الحواسم مراهنا على الفوز بها وقد خسرناها في مدة لا تتجاوز التسعة عشر يوما. لا تستغربوا من دقة الذكريات فذاكرتي تحمل أمورا أكثر دقة لن أذكرها لكم.

تركت بابتسامة المساحة المخصصة لهذا الرئيس لأكمل تجوالي في ما تبقى من أروقة المتحف. وهنا وجدت بوش الأب والابن رئيسي الولايات المتحدة الأميركية اللذين اصطحباني أيضا الى تاريخ أبعد من 2003. وهنا بدأ ذهني يقلِّب بصور الحروب التي توالت من بداية التسعينات على بلدي والحصار الاقتصادي المرير على الكثير من العراقيين، تذكرت صديقتي بيداء تلك الطفلة التي عاشت وحيدة في بيت جدها لأن عائلتها أبيدت بشكل كامل أثناء قصف ملجأ العامرية في بغداد، ونجيت لأنها لم تكن معهم وعاشت بحلم العائلة طول حياتها.

تسلل في نفسي الكثير من المشاعر والذكريات المختلفة، وأسئلة أكثر سألتها لنفسي ولدمى المشاهير فلم أجد الإجابة. من بين الأسئلة كانت ماذا لو اجتمع هؤلاء الرؤساء في مكان واحد كاجتماعهم في هذه القاعة، ليتفقوا على تفادي حروب ومعارك طاحنة لم تطلهم بل طالت الأبرياء وأبادت عائلة بيداء ومثلهم الآلاف لا أعرفهم لكن من المؤكد كانت الصور أقسى مما أتصور.

واصلت المسير وفي نفسي ذكريات لا يمكن نسيانها إلا أننا نتناساها لكي نكمل الطريق. أنهيت الوقوف ومضيت لألقي نظرة على كل رئيس ولأطرح عليه سؤالا ماذا فعلت أنت أيضا؟ هل قمعت شعبك أم لا؟ هل أعطيته ما يريد؟ وهل وهل وهل؟ لم يجبني أحد منهم سوى أصواتهم المسجلة وحركاتهم ونظرة أعينهم التي تمثلت بخطابات لمناسبة ما أو لثورة أو حرب معينة في بلدانهم.

حاولت أن أخرج نفسي من تلك السلسلة التاريخية لألتحق بزملائي الذين لا بد أن أوقفتهم بعض الشخصيات وراودتهم الذكريات فليس هذا غريبا فكل منا له خزين في جانب معين من الحياة. مضيت بخطواتي خلف المرشدة لأدمج مسامعي مع صوتها وهي تشرح لنا محتويات كل قاعة، تسلقت خطواتي درجات السلم الذي يؤدي لآخر قاعة معلنا نهاية مشوار جولة المتحف وبهذه النهاية لملمت ذكريات الحروب لأرميها بعيدا وواصلت الرحلة مع من كان معي وخرجت مودعة المشاهير حاملة معي صمتاً وشعورًا لم أستطع تفسيره في ذلك الحين.

كان أبو شوقي ينتظرنا في الخارج وهو سائق التاكسي الذي رافقنا في رحلتنا من بيروت الى فاريا عائدا بنا الى جعيتا ثم متحف المشاهير، انتقلنا من هذه المنطقة متجهين الى بيروت حيث مكان إقامتنا فلا بد من ذلك لأن المساء وغياب الشمس التدريجي بدأ بالحلول، بقيت في إطار صمتي متحججة بتعب اليوم الطويل والمرهق.

سألنا العم أبو شوقي عن المشاهير كيف كانوا وكيف كانت جولتكم في هذا المكان، ومن غير قصد أخذه العقل الباطن لينطق كلمة “علوج” تلك الكلمة التي قالها محمد الصحاف وزير الإعلام العراقي الذي التقيته بالمتحف مع صدام حسين، فسألني هل رأيت وزيركم وهو يلقي خطابه الشهير وكلمته الشهيرة “علوج”، على رغم تعبي وصمتي ضحكت كثيرا نعم كثيرا! واتضح لي بأنني لست الوحيدة التي تأثرت وتذكرت بل كان هذا المشهد هو الأقوى بين كل المشاهد التي جسدتها التماثيل السليكونية. أجبته بـ”نعم” وعادت أنظاري الى نافذة السيارة التي كانت ترفدني بأعذب النسمات الطبيعية لأستنشقها وكأنها تعلم بأنني شممت رائحة دخان الذكريات. أخذني بصري الى ذلك الأفق الأخضر والمناظر الخلابة التي هي كريمة بعطاء الأمل وملهمة للطموح والحلم توعدنا بقادم أجمل يزهو بنا لا بالحروب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل