#adsense

بالصور – سركيس: “اللامركزية في لبنان… بين العيش معاً والتنمية المحلية”

حجم الخط

أشارت الأمينة العامة لحزب “القوات اللبنانية” شانتال سركيس الى انه وقبل الغوص في موضوع اللامركزية، لا بد من طرح بعض الأسئلة حول التركيبة المجتمعية في لبنان وطبيعة النظام السياسي فيه ومحاولة الإجابة عنها، وإلا نكون نتحدث عن موضوع خارج سياقه المنطقي والموضوعي.

وسألت: “ما هي التركيبة المجتمعية في لبنان”؟، مشيرةً الى انه لا يمكن إعتبار ظاهرة الجماعات ظاهرةً هامشية في التكوين الاجتماعي للبنان.

كلام سركيس جاء خلال مؤتمر عن قانون اللامركزية الإدارية بدعوة من نقابة المحامين في بيروت، وشددت فيه على انه من خلال البعد التاريخي، اكتسب الوعي الجماعي شرعية في الزمان وطرح نفسه كبنية لتشكيل المجتمع، ومن خلال البعد الجيو – سياسي اكتسب الوعي الجماعي شرعية في المكان، واستطاعات الجماعات على مرّ التاريخ من خلال قدرتها على مقاومة مخاطر الزمان والمكان أن تبلور هذا الوعي الجماعي لذاتيتها المتميزة ” قياساً بالآخر”، كما استطاعت ان تكتسب قابلية للحياة تاريخية، اجتماعية وسياسية ترفض أن تتخلى عنها.  فشكل هذا الوعي الجماعي للإنتماء الطائفي أساس وجود عدة طوائف في لبنان، رسم هذا الأمر طبيعة المجتمع في لبنان ووضعه ضمن تصنيفات المجتمعات المركبة.

وتابعت: “لذا نرى عملياً بأن التركيبة المجتمعية في لبنان تتميز على الصعيد البنيوي بالاستقلالية الداخلية للطوائف بحيث أن كل طائفة مستقلة بإدارة شؤونها. أمّا على الصعيد الوظيفي، فإن العلاقات بين الطوائف تتأرجح منذ عصور بين الهدوء والتعاون وأقسى العنف. أما على مستوى السلطة، فإن الثابت بنيوياً هو تقاسم السلطة بين الطوائف وفق قواعد محددة مسبقاً، والثابت وظيفياً هو تكرار حالات النزاع، والتعطيل والعنف السياسي بين الطوائف، نعم، نحن نعيش في مجتمع مركب، سواء أحبينا ذلك أو لم نحبّه. التعددية في لبنان ليست عيباً، الإعتراف بالواقع المجتمعي ليس علّة. العيب والعلّة هما في التنكر لهذا الواقع ومحاولة طمس الحقيقة المجتمعية، العيب والعلّة هما في استغلال الواقع المجتمعي لتحقيق مكاسب سياسية شخصية ذات طابع زبائني، فئوي، فاسد”.

وأردفت: “ما هي طبيعة النظام السياسي في لبنان؟، لافتةً الى انه وانطلاقاً من هذا الواقع المجتمعي، قام العديد من المفكرين بتصنيف الديمقراطية اللبنانية من ضمن فئة الديمقراطيات التوافقية إذ إنها تحقق جميع شروطها، ولا تصنّف من ضمن فئة الديمقراطيات الأكثرية التي تعتمد عادةً في المجتمعات المتجانسة. وقد عرفت الديمقراطية التوافقية في لبنان فترات من الاستقرار وفترات من الصراعات كادت أن تهدد وحدة الدولة ووجودها. فلم يكن تطبيق الديمقراطية التوافقية في لبنان مكللاً دائماً بالنجاح، إذ إن مقومات نجاح التوافقية في مجتمع كالمجتمع اللبناني تتطلب عناية فائقة في تطبيق جميع مستلزمات هذه الديمقراطية التوافقية”.

وسألت: “ما هي الديمقراطية التوافقية؟، شارحةً ان نظرية “الديمقراطية التوافقية” قامت في البداية على فكرة شرح الاستقرار الذي ينعم به عدد قليل من الدول الديمقراطية الشديدة الإنقسام في اوروبا مثل النمسا، بلجيكا وهولندا. ثم تطورت هذه الفكرة  لتشمل عدد من الدول التي تمر بمرحلة انتقالية وذلك بغية تعزيز الديمقراطية فيها مثل لبنان، جنوب افريقيا وماليزيا، ورأت ان نظرية آرنت ليبهارت تعتبر من اهم الاستراتيجيات المعروفة في إدارة الصراعات الاتينة في ظل الأنطمة الديمقراطية. يعتقد ليبهارت بأنه باستطاعة الدول ان تحافظ على استقرار الحكومات بالرغم من الانقسامات الاتنية القائمة على اساس اللغة، الدين او العرق  لذلك يشدد من خلال نظريته على حاجة المجتمعات المنقسمة إلى تطوير آليات لتقاسم السلطة بين النخب. لذا تتميز النظرية التوافقية لليبهارت بأنها تدعو إلى قيام مؤسسات تسّهل التعاون والتسويات بين القادة السياسية وإلى زيادة عدد الرابحين في النظام، وذلك بغية تمكين الجماعات المنفصلة من التعايش سلمياً ضمن حدود الدولة الواحدة.

وقالت: “إن أبرز خصائص الديمقراطية التوافقية حسب ليبهارت هي: وجود ائتلاف حكومي كبير، إعطاء الجماعات حق الفيتو المتبادل، نظام انتخابي يعكس التركيبة المجتمعية ويسمح بتمثيل حقيقي للمكونات المجتمعية، وأخيراً إعطاء الجماعات القدرة على الحكم الذاتي إذا كان هذا الترتيب ممكن التطبيق على ارض الواقع.

يعتقد ليبهارت بأن لهذه الترتيبات فوائد عديدة تفوق فوائد حكم الأغلبية خاصةً أنها تقوم على مسار شمولي في عملية اتخاذ القرار. يقول ليبهارت أن “حكم الاغلبية يولّد حكم الديكتاتورية والحرب الأهلية وليس الديمقراطية. ما تحتاجه هذه الانظمة هي نظام ديمقراطي يشدد على التوافق بدل المعارضة، يشمل بدل أن يستثني، ويوسع حكم الأغلبية الحاكمة بدل ان يرضي اكثرية بسيطة”. فهذه الترتيبات التي تطبق من الأعلى الى الأسفل، تهدف إلى حل الصراعات بين النخب القيادية، لأن الديمقراطية التوافقية تعني بالنسبة لليبهارت “الحكم من خلال النخب المنظمة والمُصَمَمَة لتحويل ديمقراطية ذات ثقافة سياسية مجزأة إلى ديمقراطية مستقرة. يدّعم ليبهارت نظريته بإعطاء امثلة  عن مجمتعات منقسمة تطبق بنجاح هذه الديمقراطية مثل الهند، بلجيكا، جنوب افريقيا وسويسرا. لكنه يشير إلى حالات لم تنجح فيها الديمقراطية التوافقية خاصةً في لبنان وقبرص على الرغم من أنه كان يشيد بتجربة هذين البلدين في كتبه الصادرة قبل فشل تجربة هذين البلدين. ويرجع ليبهارت سبب فشل الديمقراطية التوافقية في  كل من لبنان وقبرص ليس إلى النقص في تطبيق آليات تقاسم السلطة بل إلى اختيار واضعي الدستور لقواعد ومؤسسات غير مرضية.”

وأوضحت انه ومن هنا وبعد حرب طويلة، جاء اتفاق الطائف وارسى قواعد جديدة في تقاسم السلطة، وإذا نظرنا الى الخصائص الأربعة التي تحدث عنها ليبهارت، نرى بأن النظام السياسي لم يحقق سوى أمرين: تشكيل حكومات ائتلافية كبيرة، واعطاء حق الفيتو المتبادل. لكن ما زلنا حتى الساعة نبحث عن نظام انتخابي يؤمن فعالية التمثيل وعن لامركزية (وهنا اشدد عن لامركزية ولا اتحدث عن فدرالية) تحقق العيش الكريم، سائلةً: “ما هي أهداف تطبيق اللامركزية في لبنان؟”

واعتبرت سركيس انه واستناداً إلى هذا العرض للواقع المجتمعي وللنظام السياسي، فإنه بالنسبة لنا، كحزب “القوات اللبنانية”، نسعى من خلال تطبيق اللامركزية في لبنان إلى تحقيق هدفين متلازمين:

الهدف الأول هو تنظيم العيش معاً، وذلك انطلاقاً من التركيبة المجتمعية في لبنان. أي عملياً، الحفاظ على التنوع الهوياتي والثقافي، الحفاظ على الخصوصيات والتعاون المؤسساتي بين المكونات.

كيف يتحقق هذا الهدف؟ يتحقق من خلال توزيع الصلاحيات بين السلطات التأسيسية وتنظيم العلاقة فيما بينها ضمن اطار الدولة الواحدة.

أما الهدف الثاني من اللامركزية فهو التنمية المحلية، وذلك انطلاقاً من تنوع المجال الجغرافي والاقتصادي وانطلاقاً من الخلل في الإنماء المتوازن. أي عملياً، ادارة الجماعة المحلية لشؤونها المحلية والاقتصادية، والترابط بين المجال، المتطلبات، الإمكانات، وسائل العمل.

ورأت ان هذا الهدف يتحقق من خلال وضع اطار تنظيمي فعّال بهدف الإستجابة للحاجات.

أما عن الوصفة الناجحة لتطبيق اللامركزية، فأوضحت سركيس ان اللامركزية في لبنان لا يمكن ان تكون اسقاط لوصفات خارجية جامدة، لتجارب نجحت في دول لا تشبه لبنان. لا بد من التعمق في جوهر التركيبة المجتمعية والخصوصية اللبنانية قبل اقتراح اي تقسيمات جغرافية أو اي ترتيبات ادارية، معتبرةً ان نجاح اللامركزية في لبنان مشروط بتحقيق الهدفين المذكورين سابقاً، وإلاّ نكون أمام لامركزية شكلية لا ترتكز على المنطلقات الرئيسية لفكرة تطبيقها في لبنان الاّ وهي التركيبة المجتمعية المتنوعة في لبنان والخلل الإنمائي.

وأشارت سركيس الى ضرورة الابتعاد عن ثلاثة امور:

أولاً: الابتعاد عن المركزية الشديدة من حيث صلاحيات الوحدات الجغرافية وعلاقتها بالمركز.

فاللامركزية الحقيقية قوامها الأساسي:

– مجالس منتخبة على رأسها ممثلين منتخبين جميعاً، وليس بالتعيين وإلاّ نكون قد عدنا إلى اللاحصرية.

– مجالس تتمتع بصلاحيات واسعة.

– مجالس تمارس عليها الرقابة اللاحقة.

والديمقراطية من خلال الانتخاب المباشر هي الضمانة الاساسية والحقيقية للمحاسبة وبالتالي للتخفيف من الفساد. وقد أثبتت التجارب العالمية بأن مؤشر الفساد مرتبط بشكل مباشر بتطبيق اللامركزية.

ثانياً: يجب الابتعاد ايضاً عن اللامركزية التنظيمة الشكلية التي لا تراعي خصوصيات المكونات المجتمعية، وهذا الأمر مرتبط بشكل مباشر بطبيعة النظام الانتخابي المعتمد، بآلية تشكيل المجالس المنتخبة، وآلية اتخاذ القرار داخلها. فهذه المجالس المنتخبة يجب أن تعكس الواقع الاجتماعي في تركيبتها لكن يجب في الوقت ذاته أن تكون قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها بحيث لا تتعطل إرادة الناس. لذا يجب العمل على ابتداع طريقة تسمح بتمثيل فعّال للمكونات المجتمعية دون أن يشّكل ذلك عائقاً أمام اتخاذ القرارات.

ثالثاً: يجب الابتعاد عن تقسيمات جغرافية غير قابلة للحياة، فالبعد الإنمائي والبعد المجتمعي هما متلازمان لا يجب أن يتغلب أحدهما على الآخر. فلا يمكن القيام بتقسيمات جغرافية تراعي خصوصيات مجتمعية ما، إذا لم تكن هذه الوحدات الجغرافية تمتلك المقومات الأساسية للإستمرار. نحن لا نبحث عن لامركزية تقسيمية، نحن نبحث عن لامركزية يشعر من خلالها المواطن أنه ممثل بشكل فعلي، وبأن وجوده في وحدة جغرافية محددة سوف يؤمن له المتطلبات التنموية الضرورية. فإن المزايدة في هذا الموضوع من باب الشعبوية تكون ضربة استراتيجية للهدفين الأساسين للامركزية في لبنان، وهما كما سبق وقلنا تنظيم العيش معاً والتنمية المحلية.

وختمت: “بعد إقرار نظام انتخابي يؤمن صحة وفعالية التمثيل، لا بد من الإنكاب على ورشة اللامركزية لأنها كما رأينا من المقومات الاساسية لنجاح التجربة اللبنانية وجعلها وصفة لدولة مشابهة بدل الشعور بالخجل منها”.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل