“شهادة… وتاريخ” في حقبة “المقاومة اللبنانية”

قد يكون تاريخ أيّ شعب عرضة للنقاش، لأنّ التاريخ وفق رأي كثيرين هو “وجهة نظر”، بينما تخفى الحقيقة في مكان آخر، ولا تظهر إلّا حين تأتي ساعتها، إضافة الى أنّ قسماً كبيراً من الحقائق يرحل مع أصحابه.إذا كان تاريخ العالم معقّداً بهذا الشكل، فإنّ تاريخ لبنان معقّد أكثر بكثير، خصوصاً أنّ بلدنا يتألف من مجموعة مذاهب وأحزاب وملل وعشائر متقاتلة، تحاول إيجاد قواسم مشترَكة بين بعضها البعض، في وقت أدّت القراءة الخاطئة للأحداث وعدم الإستفادة من التجارب الى تفجّر النزاعات والحروب، وأبرزها الحرب الأهلية عام 1975.

من هذا الباب، يدخل الباحث والمؤرّخ جو حتّي ليدوّن مرحلة من أصعب مراحل لبنان وأخطرها، وأكثرها جدليّة، وهو إختار “شهادة… وتاريخ” عنواناً لكتابه الجديد الذي سيوقّعه عند الخامسة والنصف بعد ظهر الأحد المقبل في 28 أيار على مسرح بلدية الجديدة- السدّ- البوشريّة.

إنتقى حتّي المرحلة الممتدة من عام 1969 تاريخ توقيع “إتفاقية القاهرة”، الى العام 1982 تاريخ إستشهاد الرئيس بشير الجميّل، ودوّنها، وقد إستعمل التأريخ العلمي الدقيق، أي أنّ كتابه أقرب الى الوثائقي، حيث يروي أخبار تلك المرحلة باليوم والشهر والسنة. وهذا الأمر يجعل كتابه “شهادة… وتاريخ” بمثابة وثائق موجودة في مكتباتنا، ويمكننا العودة اليه كلما إحتجنا معرفة ما حدث خلال تلك الفترة.

ويُضيء الكتاب على تلك المرحلة الخطيرة، عندما تهدّد الكيان اللبناني وفقدت الدولة سيادتها على أراضيها، ومُنع الجيش من التدخّل لحسم الموقف نظراً الى مساندة قسم من اللبنانيين العمل الفدائي الفلسطيني، ويعرض الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدّت الى إندلاع حرب 1975، وكيف أثّر ضياع القرار السياسي وولاءات قسم كبير من اللبنانيين للخارج، وتفضيلهم إنتماءاتهم القومية والعروبية، على مصلحة لبنان.

لم يكن الوصول الى تأريخ تلك المرحلة سهلاً، خصوصاً أنّ حتّي يتناول الأحداث بأدقّ التفاصيل، ويعرض مرحلة مهمّة من مراحل المقاومة اللبنانية والتي لم يبقَ أمام شبابها إلّا حمل “البارودة” للدفاع عن الكيان اللبناني. كذلك، يتناول كيف بدأت المقاومة وإنتظمت تحت راية أحزاب “الكتائب اللبنانية” والوطنيين الأحرار” و”حرّاس الأرز” و”المردة” و”التنظيم” ومجموعات أخرى، من ثمّ تشكيل “القوّات اللبنانية” لتكون الجناح العسكري لـ”الجبهة اللبنانية”.

ومن جهة أخرى، يسلّط الكتاب الضوء على التلازم بين المقاومة العسكرية التي كان يقوم بها الشباب خلف المتاريس، والمقاومة السياسيّة من خلال رجالات “الجبهة اللبنانية”، ويتناول بشكل كبير دور رجالات الجبهة أمثال الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل، المفكر شارل مالك، رؤساء الرهبنة اللبنانية المارونية آنذاك بطرس القزي وشربل قسيس وبولس نعمان، إضافة الى بقية أركان الجبهة، في الحفاظ على روحية المقاومة التي إحتضنتها الرهبنة اللبنانية- المارونية في الكسليك وشكلت العامود الفقري لصمود المناطق الشرقية ولبنان.

ونظراً الى تطوّر الأحداث، يدوّن حتّي علاقة المسيحيين وسوريا والصدامات التي حصلت وأبرزها معارك بلّا، قنات، الأشرفية، وزحلة، وإرساء المناطق الشرقية المحرّرة، وما رافق تلك الفترة من أزمات سياسية، ويضيء على صعود نجم بشير الجميّل وقيادته المقاومة وصولاً الى تولّيه رئاسة الجمهورية وإستشهاده، والأحداث التي كانت تحصل في كل بقعة من أرض لبنان، وتداخل العوامل المحلّية مع الإقليمية والدولية.

من هنا، فإنّ التاريخ يُكتب بالشهادة، والشهادة تحمل معاني عدّة، مثل نيل الشهادة… الشهادة للحقّ، والشهادة من أجل بناء وطن، والشهادة بالدّم… وهذه أغلى شهادة.

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل