
يحاول “الإعتدال” الإسلامي بمختلف توجهاته الفكرية أن يتصدى لموجات التطرف التي تزرع الإرهاب شرقاً وغرباً، ويخوض بشجاعة معركة قاسية نحو “عصر الأنوار” في مواجهة مع المحافظين من داخل “المؤسسة الدينية الإسلامية” ومع مستغلي راية الدين الإسلامي، دولاً وأنظمة قمعية مستبدة وأفراداً، لغاياتهم السياسية السلطوية ومنافعهم الشخصية المادية. لكن صوت الإعتدال والعقل يبقى، كما دائماً للأسف، خافتاً، بالمقارنة مع صوت الحديد والنار.
هذا الأمر الأساس، معطوفاً على مقاربة الغرب لقضايا الأديان والعقائد المختلفة من منطلق حرية التعبير وحقوق الإنسان وما شابه، دون فهم حقيقي لجوهر بعض هذه الأديان ومدى تقبلها وإنسجامها في العمق مع قيم الحرية والديموقراطية والحضارة الإنسانية، يجعل من السهولة التوقع بأن نهر الدماء لن يجفّ في مدى منظور في أوروبا وغيرها…
عجز الغرب المتمادي عن إدراك طبيعة المشكلة في جذورها العميقة عند بعض الأديان، كما يفهمها ويسوّق لها القيّمون على شؤونها إما قناعة أو لقصور فكري لديهم أو لجبنهم عن التصدي للمفاهيم الخاطئة الموروثة، يجعلنا نتوقع بكل أسف أن يد الإرهاب والتطرف ستطال ضحايا بريئة كثيرة بعد.
من المفيد في السياق، مراجعة بعض كتابات المفكر والكاتب اللبناني مصطفى جحا الذي تم إغتياله في 15 كانون الثاني 1992 بوابل من رصاص مسدس كاتم للصوت من عيار 7 ملم في محلة السبتية في ما كان يعرف ب “المنطقة الشرقية” لبيروت، بعد سيطرة الإحتلال السوري على لبنان وفور البدء بتطبيق “إتفاق الطائف” بنسخته السورية المشوهة – تاريخ الإغتيال يدعو للتفكر لمن يحسن قراءة الرسائل المشفرة…
جحا كان قد لجأ إلى “المناطق الشرقية المحررة” خلال الحرب اللبنانية هربا من قوات الإحتلال السوري والمنظمات الفلسطينية المختلفة و”حزب الله”، ليعيش الحرية الفكرية في تلك المناطق…
في العام 1978 وضع جحا كتاب “لبنان في ظلال البعث”، تناول فيه جرائم جيش الأسد و المخابرات السورية في لبنان ، ففتح عليه “أبواب الموت” وغضب السوريين وحلفائهم…
“الخميني يغتال زرادشت”، كتاب آخر للمفكر جحا في العام 1980، إنتقد فيه تخلي أبناء الطائفة الشيعية عن لبنانيتهم وجنوحهم وإنجرارهم خلف مشاريع خارجية غريبة عن وطنهم لبنان، منتقدا كذلك بشدة مواقف وسياسات وتصرفات مرشد “الثورة الإسلامية في إيران” الإمام الموسوي الخميني ، ما إستجلب عليه غضب رجال الدين الشيعة والإيرانيين و “حزب الله”.
في العام 1981 وضع جحا كتاب “محنة العقل في الإسلام” إنتقد وفنّد فيه بعض جوانب الدين الإسلامي ، مقاربا الموضوع من ناحية فلسفية فكرية…
لاحقا، إنعقدت “المحكمة الشرعية الجعفرية” يوم الثلثاء الواقع في 12 نيسان 1983 برئاسة القاضي الشيخ عبد الله نعمة يعاونه عضوا المحكمة الشيخ خليل ياسين والشيخ عبد الحميد الحر ، وأصدرت فتوى تقول إن مصطفى جحا مرتد وكافر! الأمر الذي وافق عليه أيضاً عدد من رجال الدين في دار الفتوى!
على قادة الغرب والعالم، وخصوصاً القادة وأولياء الدين عندنا، ألا يبحثوا بعيداً عن حلول ناجعة للقضاء على الإرهاب الضارب في كل مكان. عليهم أن يقفوا أمام ذواتهم ومواجهة الحقيقة المجردة. القضاء على الإرهاب يبدأ بإتخاذ قرار شجاع بتنقية الموروث الديني من الشوائب التي أدخلت عليه في حقبات تاريخية مختلفة لأغراض سياسية مجردة، بالتزامن مع مواجهة حقيقية فعلية لأنظمة القمع والإستبداد، الدينية والعسكرية و”المدنية”، بهدف القضاء عليها.
ضحايا “مانشستر أرينا” في لندن لن يكونوا آخر القرابين، إن لم تتغير طرق مواجهة الإرهاب وسبل التصدي له بصورة جذرية، خصوصا مع إعادة تشغيل “خط الحمام الزاجل” على متن “طيران داعش للبريد السريع” من طهران إلى أوروبا مرورا بدمشق، لتصل الرسائل المبتغاة إلى الرياض وواشنطن ومختلف عواصم العالم…
إن لم يغيّر العالم المتحضر والشعوب التوّاقة إلى الحرية والسلام إستراتيجيات المواجهة، فهذا يعني للأسف أن مانشستر لن تكون نهاية بحر الدماء والدموع، وأننا باقون نتخبط في لجج هذا البحر إلى أمد غير منظور. لكن التاريخ سيلعن كل المتخاذلين ممن بيدهم الأمر، سواء تزيّنوا بعمامة أو بـ”كرافات”…
إقرأ يا “غرب”… والسلام.
