
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1612:
لا يمكن أن تتكرر في العام 2017 تجربة انتخابات العام 1992. قبل 25 عاما كان الوضع مختلفا تماما. كان الياس الهراوي رئيسا للجمهورية وليس ميشال عون. كان عمر كرامي رئيسا للحكومة وليس سعد الحريري. كان نظام الوصاية السورية يهيمن على لبنان ويديره من مقر مخابراته في عنجر. كان ميشال عون في المنفى وليس في قصر بعبدا. كان سمير جعجع محاصرا بالملاحقات والتهديدات ولم يكن في معراب. كان الإحباط يقود المسيحيين وليس رجاء القيامة وتصحيح التمثيل. ولذلك لا يمكن أن يتكرر في العام 2017 ما حصل في العام 1992.
لا يمكن أن تحصل اليوم انتخابات بمشاركة 13،7 من اللبنانيين وفي ظل مقاطعة مسيحية شبه مكتملة تحت سقف بكركي والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير. ولا يمكن أن يفوز نائب بواحد وأربعين صوتا. ولا يمكن أن تصدر اللوائح معلبة من عنجر وأن ترسم الدوائر على القياس لتأتي النتائج على الطلب.
في العام 1992 كان النظام السوري يريد أن تكون الإنتخابات لتغطية وصايته ولمنع تطبيق الطائف والبدء بسحب جيشه من لبنان اعتبارا من أيلول في ذلك العام. بينما انتخابات 2017 يجب أن تكون التطبيق الفعلي لما يجب أن يكون عليه الوضع التمثيلي النيابي بعد 12 عاما على انسحاب جيش النظام السوري من لبنان.
لم تكن هناك انتخابات مقررة في العام 1992. كان الموعد المقرر في ربيع العام 1994 بعد آخر تمديد للمجلس النيابي وبعد تعيين النواب تطبيقا للمناصفة التي وردت في الطائف بعد زيادة العدد من 108 نواب إلى 128. عندما سقطت حكومة الرئيس عمر كرامي في أيار 1992 تحت ضغط الشارع وحرق الدواليب بعد الإرتفاع القياسي لسعر الدولار وانهيار الليرة أدرك النظام السوري أن إمساكه بالوضع اللبناني في خطر وأن عليه أن ينفذ الإنقلاب الدستوري. استعان بالرئيس رشيد الصلح لتشكيل حكومة انتخابات وفرض على الرئيس حسين الحسيني تعديل الدستور لإنهاء ولاية مجلس النواب وتقديم موعد الإنتخابات إلى ربيع العام 1992.
في تلك المرحلة لم يكن القانون الذي تجري عليه الإنتخابات أهمية كبيرة ذلك لأن النظام السوري كان بإمكانه أن يأتي بالنواب الذين يريدهم أيًا يكن القانون. كان المسيحيون أمام خيارين: المشاركة والخسارة أو المقاطعة والخسارة. ذهبوا إلى المقاطعة لأن المشاركة كان يمكن أن تعني التسليم بما أرادته سلطة الوصاية بينما المقاطعة كانت تعني أن الرفض سيبقى يعطي الأمل بأن يوما سيأتي ويأتي معه التغيير.
لم تكن انتخابات 1992 لدورة واحدة فقط. ما تم فرضه في تلك الإنتخابات من أمر واقع ومن مصادرة التمثيل النيابي المسيحي سيتكرر في الأعوام 1996 و2000 قبل أن تأتي الفرصة في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري لتحصل قوى 14 آذار على الأكثرية ولو على قاعدة قانون انتخابات العام 2000 ولكن دائما من دون الأخذ في الإعتبار أن من أولويات المرحلة تصحيح التمثيل المسيحي بحيث اعتبر التحالف تعويضا مرحليا عن هذه التمثيل.
بعد 25 عاما على انتخابات العام 1992 وبعد 12 عاما على خروج الجيش السوري من لبنان لا يمكن أن يبقى التمثيل النيابي المسيحي منتقصا. وإذا كان هناك تسليم بهذا المنطق فلماذا لا يصل الإتفاق على قانون الإنتخابات الذي يؤمن صحة هذا التمثيل؟ ولماذا يصر بعض الأطراف على أن يطبق في العام 2017 على المسيحيين ما طبقه النظام السوري في العام 1992؟
استحقاق انتخابات 2017 بعد تفاهم معراب بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” ووصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا لا يمكن أن يمر كما الإستحقاقات التي سبقت. ربما لأن الوضع شهد هذا التطور تعرض التفاهم للمحاربة وتم وضع هدف محدد لمنع الوصول إلى قانون انتخابات يؤمن التمثيل النيابي الصحيح ومن التحالف بين “القوات” و”التيار” من تحقيق نتائج سياسية تضع المسيحيين على مستوى القرار الذي يدير البلد، إذا إنه لا يجوز أن يبقى القرار المسيحي مهمشا بعدما كان له الدور الأساس في رفض الوصاية السورية على لبنان.
عندما طرح الرئيس عون الفراغ خيارا لا خوف منه إذا لم يتم التوافق على قانون جديد للإنتخابات لم يكن هذا الأمر حبا بالفراغ بل كرها بقانون الستين ورغبة في اللقاء على مساحة مشتركة تحفظ التمثيل الحقيقي للجميع. ولكن هل يفضل البعض الذهاب إلى الفراغ على أن يتحقق مطلب التمثيل المتوازن؟
الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أقر بالهواجس المسيحية والدرزية الناتجة عن التبدلات الديمغرافية في لبنان. الرئيس نبيه بري تمسك بطرح النسبية الكاملة في ست دوائر. الرئيس سعد الحريري أعلن أنه ليس مع جلسة للتمديد للمجلس النيابي يغيب عنها “القوات” و”التيار” وأنه ليس مع التصويت في مجلس الوزراء على القانون. الوزير حبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر” متمسك بمشروع قانون على أساس التأهيل الطائفي أولا. الرئيس عون أعلن أنه حتى لو حصل الفراغ بسبب عدم التوصل إلى قانون جديد يمكن العودة لإجراء الإنتخابات بعد ثلاثة أشهر على انتهاء ولاية المجلس على أساس القانون النافذ.
بين كل هذه الطروحات المتقابلة طرح رئيس حزب “القوات” سمير جعجع أن تكون انتخابات على أساس النسبية ولكن مع تقسيم الدوائر إلى 15 ومع إعتماد الصوت التفضيلي في القضاء ومع نقل بعض المقاعد من دوائر إلى أخرى. فهل يكون هذا الطرح حلا وسطا بين الطروحات الكثيرة قبل الدخول في الفراغ؟ الإقرار بطرح “القوات” يحتاج إلى موافقة الثنائية الشيعية أولا بحيث إذا أعلن السيد حسن نصرالله مثلا أو الرئيس بري التنازل عن الست دوائر وعن الصوت التفضيلي في المحافظة يمكن أن يأتي الآخرون إلى هذا الحل الوسط.
على ضوء ذلك يبدو الدخول في الفراغ مرعبا للجميع. من الناحية الدستورية ليس واضحا بشكل قاطع أن من الجائز حتما الذهاب إلى انتخابات بعد ثلاثة أشهر على انتهاء ولاية المجلس. فالنص يحكي عن حل مجلس النواب وليس عن انتهاء ولايته. والفرق كبير بين الحالين. ولذلك لا يمكن أن يقبل الثنائي الشيعي بالدخول في الفراغ ولو على أساس إعلان الرئيس عون عن أن بالإمكان إجراء الإنتخابات بعد ثلاثة أشهر. فتلك مغامرة غير محسوبة النتائج لأن بإمكان أي طرف لا يريد إجراء الإنتخابات أن يمنع حصولها على قاعدة أن التوافق هو الذي يرعى هذه العملية وأنه إذا كان هذا التوافق مطلوبا للتمديد وللتوصل إلى قانون جديد فهل يمكن أن تجري الإنتخابات بطريقة إكراهية؟ ولذلك وانطلاقا من الرعب الحاصل من موضوع الفراغ ومع التهديد بأن الفراغ سيطال جميع مؤسسات الدولة وبأن رئيس الجمهورية بعد 20 حزيران لن يملك شيئا، وإذا كان قانون الستين مرفوضا قبل 20 حزيران والمطلوب قانون جديد وإذا كان من غير الممكن التمديد للمجلس النيابي في جلسة 29 أيار وإذا لم تكن هناك دعوة لدورة استثنائية لمجلس النواب بعد 31 أيار فلماذا لا يكون هناك قبول بالحل الوسط: انتخابات على قاعدة النسبية مع 15 دائرة وصوت تفضيلي في القضاء؟
إن انتخابات 2017 تشبه انتخابات 1992 من ناحية أنه إذا بقي الستين معتمدا فأنه سيبقى كذلك وأن الفرصة المتاحة اليوم لتصحيح التمثيل المسيحي قد لا تتكرر. فهل يجوز اللعب بالإستقرار الداخلي والمغامرة بالفراغ بينما تدخل المنطقة كلها عهدا جديدا من التغيير بإدارة الرئيس ترامب بعد القمة الموسعة في السعودية وإعلان الرياض؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]