#adsense

قمم الرياض في ميزان الربح والخسارة

حجم الخط

قمم الرياض في ميزان الربح والخسارة: عقود عسكرية لا تبشّر بالسلام… إنما تنبأ بحروب لعقود

سيذكر التاريخ يومي العشرين والواحد والعشرين من شهر أيار 2017. اتفاقات اميركية – سعودية من “العيار الثقيل”. لا سابق لها في التاريخ. سيذكر القمة العربية – الاسلامية – الاميركية التي عقدت على أنها اكبر تجمّع عربي واسلامي. وسيسجّل للملك سلمان بن عبد العزيز قدرته على جمع كل هذا الكم من الدول العربية والاسلامية في اجتماع واحد. كما سيسجّل ايضاً للولايات المتحدة الاميركية قوّتها العالمية السياسية والدبلوماسية… التي تسمح لها بجمع كل هذا العدد من الدول تحت “ٌقيادة” رئيسها. ولكن السؤال الاهم هل سيسجّل التاريخ ان “هذا التجمّع الخاص… (كان) بداية السلام في الشرق الاوسط – وربما حتى في جميع انحاء العالم”؟ (كما دعا ترامب في خطابه). هل سيسجّل بأنه حقّق “رؤية تتمحور حول السلام والأمن والازدهار في هذه المنطقة، وفي العالم”؟. هل سيسجّل بأن هذه القمّة كانت بداية نهاية “الارهاب الاسلامي المتطرّف”؟ هل سيسجّل بأن الدول المجتمعة قد اتّفقت فعلاً على محاربة الافكار والايديولوجيات المتطرّفة في الاسلام؟ … الى ما هنالك من اسئلة نترك للتاريخ تقديم الإجابات عنها. وربما لن يطول الانتظار كثيراً. ولنتطلّع، من منظور الربح والخسارة، الى ما جرى في الرياض خلال العشرين والواحد والعشرين من شهر ايار.

لا شك ان القمة بحد ذاتها هي انتصار لطرفيها الاساسيين الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية. وتحديداً إنها انتصار لسيّد البيت الأبيض وللعاهل السعودي. كيف؟ ولماذا؟

اولاً، لقد حقّقت واشنطن ربحاً كبيراً بتوقيع اتفاقات عسكرية واقتصادية كبيرة هي في حاجة اليها لتنشيط اقتصادها. فالصفقات ستشغّل المصانع الاميركية التي ستحتاج الى يد عاملة. ما سيساهم في تخفيف نسبة البطالة في البلاد. وهذا ما كان قد وعد به دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية.

ثانياً، لقد نجحت واشنطن في إعادة التأكيد انها القوة العالمية الاولى في العالم، بعد فترة بدت فيها وكأن قوتها العالمية قد تراجعت. لا منازع لها. ولا منافس. اذ لا يوجد اي دولة في العالم يمكنها جمع هذا العدد من الدول تحت سقف واحد. وهذه الرسالة موجّهة بشكل اساسي الى روسيا التي تسعى لان تكون شريكاً للولايات المتحدة في قيادة العالم، كما كانت في مرحلة الحرب الباردة، وذلك انطلاقاً من سوريا والشرق الاوسط. وهي موجّهة ايضاً الى الصين التي تطمح الى الاضطلاع بدور عالمي انطلاقاً من محيطها الجيوسياسي في جنوب – شرق آسيا.

ثالثاً، قمم الرياض انتصار لدونالد ترامب هو في أمسّ الحاجة اليه لمواجهة ازمات الداخل الاميركي او لصرف النظر عنها بخاصة تلك المتعلّقة بالتدخّل الروسي لمصلحته في الانتخابات الرئاسية. وقد تفاقمت هذه القضية في الاسابيع الاخيرة، إثر إقالة رئيس مكتب الاتحاد الفدرالي جيمس كومي، والمعلومات السرّية التي افشى بها ترامب لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال زيارته الاخيرة الى واشنطن.

المملكة العربية السعودية، بدورها حقّقت انتصارات من خلال زيارة ترامب. بعضها استراتيجي والآخر ظرفي. وهي تختصر بالآتي:

اولاً، لقد اثبتت انها “الحليف” الاساسي للقوّة العالمية الاولى في العالم. لذلك كانت اول زيارة خارجية لترامب بعد انتخابه الى الرياض.

ثانياً، لقد “اطمأنت” المملكة الى إعادة إحياء شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة الاميركية والتي تعود الى العام 1945. فالصفقات العسكرية تؤكّد ان الشراكة الامنية مستمرة بين واشنطن ودول الخليج. علماً بأنها تختلف عن الماضي. فاستراتيجية ترامب “تجارية”. تقوم على مبدأ “الأمن مقابل الدولارات”. فهي تقضي ببيع الاسلحة الى الدول الحليفة للدفاع عن نفسها، وليس قيام القوات الاميركية بهذه المهمة.

ثالثاً، تأكدت المملكة من عزم ترامب تحجيم النفوذ الايراني في المنطقة. فهو أكّد في خطابه على سياسته المتشدّدة تجاهها. بالتالي لا مساواة او موازنة اميركية في العلاقات بين طهران والرياض. ما ازعج هذه الاخيرة واقلقها خلال سنوات حكم باراك اوباما. وهي اليوم تأمل ان لا يمارس ترامب سياسات تشبه تلك التي مارسها سلفَيه (بوش الابن واوباما) والتي كانت نتيجتها تقوية النفوذ الايراني وإضعاف الدور العربي لدرجة الاضمحلال في المنطقة العربية نفسها. وابرز مثال على ذلك الساحتين العراقية والسورية.

رابعاً، ظهرت المملكة على انها “زعيم” العالمين العربي والاسلامي. فهي اليوم الدولة العربية والاسلامية الوحيدة التي يمكنها جمع كافة الدول العربية (باستثناء سوريا) وكافة الدول الاسلامية (باستثناء ايران طبعاً) في قمّة واحدة وبهذه السرعة. ولكن هذه الزعامة “ظرفية”. فلا شيء يؤكّد ان هذه الدول ستلتزم ببيان الرياض. وانها ستشارك في القوة العسكرية ضد الارهاب. وانها ستلتزم في مكافحته ومكافحة تمويله. وما الازمة الطارئة مع قطر بالأمس سوى البداية.

رابعاً، ان الصفقات العسكرية مع الولايات المتحدة ستزيد من قدرة القوات العسكرية السعودية على مواجهة التحدّيات الآنية والمقبلة في المنطقة.

خامسأً، حقّقت خطة ولي ولي العهد محمد بن سلمان، “رؤية 2030″، ايضاً انتصاراً بالحصول على بعض الاستثمارات الاميركية. ومنها استثمارات في الصناعات العسكرية.

لا شك ان القلِق الاكبر من القمم التي عقدت في الرياض هي جارتها طهران. فهي لم تُدعَ الى القمة الاسلامية في الرياض. ولكنها كانت الحاضر الاكبر. في الخطابات الافتتاحية وفي البيانات الختامية. قلقها سبق وصول دونالد ترامب الى السعودية. فهو بدأ بعد قصف سلاح الجو الاميركي للجيش السوري في “التنف”. إنه عمل عسكري “موضعي” ولكن له ابعاد استراتيجية اقلقت طهران و”الضاحية الجنوبية”. فهو أكّد خطة واشنطن السيطرة على قطع “الهلال الشيعي” عند الحدود السورية – العراقية. لتصبح قوات ايران و”حزب الله” في سوريا ولبنان معزولة عن قواتهما في العراق واليمن، وفي “المركز الأم” في ايران. لهذا السبب أعلن “حزب الله” عن تسليم قسم من جرود السلسلة الشرقية الى الجيش اللبناني ليتمكن من نقل قواته في هذه الجرود الى المعركة الاستراتيجية المقبلة عند الحدود السورية – العراقية. والجدير بالذكر، ان طلائع هذه الخطة كانت قد بدأت في معركة الموصل ضد تنظيم “داعش”. فقد اخّرت القوات الاميركية الهجوم على المدينة لتأخير اندفاعة “الحشد الشعبي” المدعوم من ايران تجاه الموصل، ومنها الى الحدود مع سوريا.

بعيداً عن الانتصارات “الدولاتية” والشخصية، هل ستحقّق قمم الرياض السلام كما وعد الرئيس الاميركي دونالد ترامب؟ الشكوك كبيرة. فالمنطقة تحترق. ودولها ساحات حروب اقليمية ودولية. وحروبها معقّدة. وحدودها مهدّدة بالزوال. وانظمتها بالسقوط. ومشاكلها لا تنحصر في “الارهاب الاسلامي المتطرّف”. والتطرّف المذهبي لا ينحصر في “داعش” و”النصرة”. والمنطقة تستمر اوّل سوق لتجارة الاسلحة في العالم. ما يعود بالنفع الاقتصادي الكبير للدول المصدّرة في اميركا واوروبا وروسيا.

من هنا فإن العقود العسكرية في الرياض لا تبشّر بالسلام. إنما تؤكّد على ان المنطقة ستستمر اوّل سوق لتجارة الاسلحة في العالم لعقود. وانها مقبلة على حروب ستستمر لعقود ايضاً. وفي هذه الحال، فإن الرابح الاكبر هي الدول الصناعية المصدّرة للسلاح، وفي مقدّمها الولايات المتحدة الاميركية. والخاسر هي اقتصادات دول المنطقة وشعوبها. وإذا ما بقوا أحياء فإن الحروب، وليس فقط التطرّف، ستعيدهم سنوات الى الوراء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل