
“التلهي أثناء القيادة”… جملة لا تعبّر عن هول ما نراه على طرقاتنا أثناء قيادتنا السيارة، لأن الأمر قد تخطى مسألة التلهي وبات مسألة حياة وموت.
50 ألفاً قيمة محضر ظبط “التلهي”، “يا بلاش”… كونه لا يساوي قيمة بطاقة تشريج أو قيمة مستحضر التجميل!..
ما نشهده على الطرقات من فصول مضحكة ومبكية في نهايتها تستوجب التوقف عندها.
“سير فعين الله ترعاك”، والأمل يبقى قائماً في الوصول الى المكان المقصود بخير وسلام، بعيداً عن السائقين “الإنتحاريين” الذين يغامرون بأرواحهم أولاً، وبأرواح الناس ثانياً. ما إن تبدأ رحلتك على الطريق، حتى تبدأ عجائب السائقين ومواهبهم في الظهور، سيارات تصادفها وكأنها تمشي من دون سائق، تتعرج يميناً ويساراً، والسائق خارج عن الخدمة لا يسمع ولا يرى، عيناه شاخصة على “الواتساب”!.
تمر الى جانب السائق المتعدد المواهب، فتراه منفصلاً عن الحياة، منحني الرأس مشغول برسائله النصية وكأنه يعالج قضية الشرق الأوسط، منهمك بـ”الواتساب”، المسألة لا تحتمل، وحبيبته لا تنتظر، وقد تخطّى حجم الإشتياق حدوده، فإذا به يلتقط صورة له ويرسلها، “hi”، هيدا أنا حبيبتي وصلت إلى نهر الكلب”.
تكمل طريقك لترى مشهداً أكثر فظاعة، سيدة أو فتاة تضع “make up”، يا لها من لحظة يتجسد فيها الجمال أثناء القيادة، تتبرّج وتنظر إلى المرآة معزولة عن كل ما يجري من حولها، لا ينقصها سوى أن تضع طلاء الأظافر وتخرج أصابعها من النافدة لتجف!..
حشريتي تدفعني الى الإنتظار حتى تنتهي حفلة الجمال والتجميل، لأعطي رأيي بالموضوع، أكتفي بتعليق صغير “nice make up” واكمل طريقي… ثم يصادفك السائق الـ”jagal” وما أدراك عن حياة الـ”jagal”، يظن نفسه محور إهتمام الفتيات في لبنان والمهجر، لا بل الكون، موسيقى صاخبة داخل السيارة حتى تشعر وكأنك تشارك في حفلة راقصة داخل ملهى ليلي.
هذا السائق المبتهج، المنعزل عن الحياة الخارجية، بيد واحدة على المقود، وبجسم مائل كأنه جالس في نصف السيارة، يتجول في الجوّال لا في السيارة. يتصفح “الفيسبوك”، وإذ يظهر له زر الـ “live”فيبدأ بالبث المباشر وبمشاهد حيّة من داخل سيارته، يتحسّس شعره الغارق بنصف كيلو من الـ “gel”، يرسم إبتسامته العريضة ويتمتم مع الأغنية ليدخل إلى عالمه الإفتراضي تاركاً السيارة في مهب الخطر… لا حياة لمن تنادي.
قيادة السيارة في لبنان ليست بالأمر السهل، والسيارة لا تقتصر على القيادة، وكسائق لبناني، عليك أن تقوم بكل هذه الأمور وإلا لست أهلاً للقيادة. نعم نحن في عصر تطور جارف، مع كل هذه الوسائل ومواقع التواصل الإجتماعي التي لا يجب أن تغيب عنها ولو لثوانٍ، عليك أن تبقى Up to Date وإلا تأتيك العقوبات من المؤسس “مارك”! غاب عن بال مارك أن وسائله ومواقعه ستكون وسيلة قتل داخل وسائل النقل. معذور، فرغم ذكائه، غاب عنه ذكاء السائقين اللبنانيين وتعدد مواهبهم.
التلهي لبضعة ثوانٍ أثناء القيادة كافٍ لوقوع كارثة، والهواتف أصبحت ذكية، فماذا عن حامليها؟
