
… لا تعددي الضحايا بالأرقام مصر، قولي ارتفع الشهداء، انتِ ارض النيل، انتِ بيت الاهرام وتلك الحضارة المتفجرة في تاريخ الزمن، لا تبكي مصر الشهداء، لا يحزن الابطال الا على كرامة داستها عربات الزمان، وحتى اللحظة، وفي بحر الدماء تلك، ورغم الوحوش العابرة، العابرة مصر، ما زالت هامة الكرامة مرفوعة طالما كأس الشهادة يرتفع ليصل عرش السماء، لا تنزل دموع الابطال مصر الا حين ينكسرون أمام العاصفة، وحتى اللحظة وفي بحر الدماء تلك لم تنحنِ هامة الشهداء ولا انحنت فوقهم صرخات الانكسار، هي صرخات الالم والفراق والحب، وهذا حسبهم، يبكون الشهداء وما يلبثوا أن يلملموا الاشلاء ليضربونها في قلب الارهابي الرخيص، اضرب عدوّك بي، سلاحهم الانسانية، سلاحهم ذاك الاله المتطلّب في المحبة والغفران، الذي لا يقبل الا ان نتمثّل به في كل زمان ومكان، ذاك الشهيد الاول، الثائر الاول، الانسان الانسان الذي بصعوده الى السماء اكتمل معه مشهد الشهادة لاقباط مصر، لمسيحيي العالم كلهم.
لكن، ومع ذلك نسألكِ مصر من يحمي ناسكِ العزّل من الموت الذي يطاردهم في الكنائس والاديرة خصوصا؟ لماذا هم على موعد يبدو وكأنه أصبح ثابتا لا يتجاوز الشهرين، ليتحولوا الى ارواح بريئة تسكن سماء النقاء؟ الا تليق بهم الحياة المتحررة من الخوف؟ من الاضطهاد؟ اليسوا اقباط مصر هم ايضاً اهل النيل الاوائل، واهل الارض سواء اكان في الصعيد ام في تلك المدن الشاسعة؟
نحو 35 شهيداً وعشرات الجرحى تربّص بهم ارهابيون باسلحتهم الرشاشة في طريق صحراوية، حين كانوا في رحلة حج الى أحد الاديرة في محافظة المنيا، ما الخطيئة التي اقترفها هؤلاء؟ الانهم أقباط يقتلون؟ الانهم أبناء المسيح يضطهدون؟! من يدافع عن الضعيف حين يتفرّد به وحش مفترس؟ ما يجب أن يفعله مسيحيو مصر تحديدا، أيبقون سجناء بيوتهم؟ أيتخلون عن ايمانهم؟ أيتسلّحون دفاعاً عن وجودهم ويتحولون بذلك الى قطاع طرق اسوة بالمجرمين؟ ما المطلوب يا عالم، يا قتلة، يا وحوش، يا مهووسين لتشبعوا من دمائنا واشلائنا سواء أكنا مسيحيين أم مسلمين؟
لا أعرف ما يفكر السيد المسيح في هذه الليلة بالذات؟ لا تزعل مني يسوع، ولكن في ومضة غضب يخرج السؤال تلقائياً من عمق الجرح “الى متى ربي نُضطهد لأجل اسمك؟”، وفي هدئة الشجن، وحين انظر الى وجهك الحلو الطالع من عمق الحياة، اردد الجواب لوحدي، كما نفعل جميعاً في كل بقع العالم التي لا تعيش الا من ضيائك “لانك المسيح نحيا، ولاجلك نستشهد لنعيش الكرامة الانسانية حتى اخر قطرة نبيذ من دمائك، واخر قطعة خبز من جسدك ربي”…
لا تحزني مصر، لا يستشهد الا من كان جندياً حارساً على عرش الرب، وعرشنا لا ذهب فيه يلمع الا المحبة، وهكذا سنبقى حتى آخر الدهور ولو فاق عدد الشهداء الاحياء منا يا سفهاء…
