
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1612
أن تقلّب في أوراق الروزنامة لتعود في الذاكرة إلى محطة في تاريخ احداث هذا الوطن شيء، وأن تعود إلى تلك المحطة مع من عايشوها في المكان والزمان شيء آخر لا بل إضافة في سجلات التاريخ والذاكرة.
4 آذار 1976. كنا فكرنا أن تاريخ أحداث هذا اليوم سبقنا، وأن ذكرى الهجوم المسلح على منطقتي القبيات وعندقت الراكنتين مع جاراتها من القرى والبلدات في محافظة عكار الشمالية سبقتنا. إلى ان جاء الجواب ممن عايشوا احداث ذاك اليوم المشؤوم: “لم تتأخروا ولم تضيّعوا البوصلة. وصلتم إلى المحطة التاريخية في موعدها. 27 أيار 1976، الهجوم الثاني على القبيات والذي انتهى بدخول جيش الإحتلال السوري إلى البلدة في 2 حزيران 1976”. ودخلت القبيات وعندقت في الجغرافيا سجن نظام الوصاية السورية من دون ان ينكسر عنفوان أهل هذه الأرض المجبولة بدماء شهدائها في الجيش اللبناني والمقاومة اللبنانية، وليسجل التاريخ “كنا هنا وسنبقى أحرارا
ومن كوع عين الريحانة في القبيات حيث سقط أول شهيد في الهجوم الغادر ذاك اليوم عدنا في التاريخ مع روايات وشهود كانوا هناك… وما زالوا!
كان المفروض أن يكون صباح الرابع من آذار 1976 كباقي الصباحات التي تشرق فيها الشمس على تلال القبيات التي كللها المقاومونبصلبان المجد والشهادة. لكن آذار الغدار كان في المرصاد وهذه المرة ليس بثلوجه وحبات البرد التي اعتاد القبياتيون عليها. الساعة تقارب السابعة صباحا. الأهالي يحضرون أولادهم للذهاب إلى المدرسة والرجال إلى أعمالهم اليومية. فجأة جرس كنيسة سيدة النصر يقرع لا حزنا ولا فرحا.وصدى صرخات يوسف جرجس الذي وصل إلى الكنيسة في حارة القطلبة بدأ يتردد”يلاّ ع السلاح، يلاّ ع السلاح بلش الهجوم”.
الطريق إلى القبيات صباح يوم أحد لا تشبه في فسيفسائها واكتظاظها باقي ايام الأسبوع. السيارة تكاد لا تتوقف إلا عند حواجز الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي الموزعة بدءا من حاجز المدفون وصولا إلى… حلبا. وحدها سيارات كانت ترفع اعلاما للحزب السوري القومي الإجتماعي عند مدخل حلبا استعدادا لإقامة مهرجان خطابي في ذكرى “مجزرة حلبا” التي وقعت في 10 أيار عام 2008 جمدت السيارات في مكانها لدقائق ليعود ويفتح السير من جديد امام العابرين على مشهد فسيفسائي وأمني غير مألوف اقله بالنسبة للمؤمنين بمفهوم الدولة والعيش تحت سقف القانون.
سيارات تقطع الأوتوسترادات السريعة بعكس السير من دون حسيب ولا رقيب، أخرى سياحية وعمومية من دون أرقام تختال في المناطق العكارية وبلداتها من دون مساءلة من قبل عناصر القوى الأمنية . أما الفضاء الشمالي المؤدي إلى بلدة بينو مسقط رأس نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق عصام فارس فهواه كان عابقا بصور عملاقة رفعت ترحيبا بعودته إلى لبنان وغالبيتها مذيلة بعبارة”رجل المؤسسات…اشتقنالك”.
العجقة أمام بحيرة الكواشرة العكارية خجولة إلى حد الإستفزاز. هدوء لا تعكره إلا اصوات البط العائم على سطح البحيرة وصيحات عائلات من النازحين السوريين تجمعوا مع اولادهم لرمي الخبز والبحص على البط العائم.
مطعم البحيرة صامت ومقفل مع ساعات الصباح الأولى. فجأة تعود في الذكرى إلى المشهد العائم في مطعم بحيرة الكواشرة ذاك الصباح عشية انتخابات العام 2005 يوم أعلن الرئيس سعد الحريري عن أسماء اعضاء لائحة الوحدة الوطنية التي ضمت النائب ستريدا جعجع بحضورها إلى جانب وفد كبير من القواتيين وحشد شعبي ضم نحو 70 ألف شخص. مشهد حفر في حينه ولا يزال.
ندخل بلدة القبيات. هنا لا مكان لمخيمات النازحين السوريين ولا تجمعات سكنية لهم بعدما صدر قرار رسمي من المسؤولين في البلدة منع بموجبه تشييد مخيمات للنازحين السوريين على أرض القبيات أو منحهم حق استئجار منزل أو الإقامة تحت غطاء عامل أو أجير. مشهد لم يعد مألوفا في كل بلدة وقرية ومدينة في لبنان منذ اندلاع الثورة في سوريا في آذار 2011.
المحطة الأولى في منزل منسق منطقة عكار في حزب “القوات اللبنانية” الدكتور نبيل سركيس. هناك كان اللقاء مع شهود عايشوا لحظات الهجوم على القبيات في 4 آذار 1976: جورج عبدو وطوني الشدياق ويوسف طنوس وعادل كنعان.يومها كانوا لا يزالون يحلمون ويخططون لمستقبل ربيعي تحت فيات شمس القبيات وربما الوطن. فجأة وجدوا انفسهم وراء متاريس عمروها لمنع وصول مسلحين من جيش لبنان العربي، وليست المرة الأولى. فالاعتداءات على القبيات تعود الى اربعمئة عام حيث كانت هناك محاولات متكررة للاعتداء على ارضها وآخرها كان الهجوم الذي شنه المسلحون عام 1958 بهدف احتلال مركز الدرك في المنطقة.” منذ عقود وهم يفتشون عن سبب لاقتحام القبيات لكن ولا مرة نجحوا. صحيح ان الأمر كلفنا الكثير من الشهداء الذين سقطوا على مر العقود بفعل إشكال من هنا أو مناوشات من هناك لكننا قاومنا بالبارودة والإيمان بوجودنا الحر على هذه الأرض”.
صباح ذاك الرابع من آذار استبدل جورج وطوني ويوسف وعادل كما الكثيرين من شبان البلدة ورجالاتها وحتى المسنين فيها أسلوب حياتهم فسكنوا المغاور والتلال واستبدلوا حقيبة المدرسة وكيس الخبز والطحين بالبارودة.مشهد الهجوم ذاك الصباح يستعيده الشهود ويتناوبون على الرواية كل من جعبة ذكرياته وسنين العمر الراكد على تلك الواقعة.”كنا نتحضر للذهاب إلى المدرسة. فجأة يصل أحد ابناء حارة القطلبة ويدعى يوسف جرجس إلى كنيسة سيدة النصر ويصرخ “يلاّ ع السلاح، يلاّ ع السلاح بلش الهجوم”. لحظات وتحولت حارات القبيات السبع إلى غرف عمليات. الرجال والشبان إلى التلال والنسوة يتحضرن للأسوأ.ويروي أحدهم انه عند وصول يوسف إلى الكنيسة روى لأبناء البلدة أنه فيما كان متوجها إلى عمله وعند وصوله إلى كوع عين الريحانة شاهد جثة يوسف انطون مصابة بثلاث طلقات نارية والتلاميذ يصرخون ويحاولون الهرب بين الأحراج ومن بينهم ثلاثة من أولاد يوسف وكانوا في حال من الذعر والرعب الشديدين”.
ذاك الصباح كان المطلوب أن يخرج الرجال من بيوتهم وينطلقوا إلى التلال لوقف الهجوم الذي كان سيشنه مسلحون من جيش لبنان العربي والمنظمات الفلسطينية على بلدة القبيات بهدف تهجير أهلها من المسيحيين وسرقة المنازل والإستيلاء على الأراضي. وفي أقل من ساعة كان رجالات القبيات وقبضاياتها يتمركزون على أربع تلال تحوط بالبلدة وهي الزاروب واللوقا والشحمينة والجبانة ( نسبة إلى الشهداء الذين دفنوا عند أقدامها في زمن الصليبيين) وبدأ صوت الرصاص يلعلع في الأرجاء. ويروي أحد الشهود: “همهم الوحيد كان اقتحام البلدة وتهجير أهلها. وهذه ليست المرة الأولى. معركتنا مع المعتدين على القبيات عمرها 400 عام. لكنهم في كل مرة كانوا يدفعون الثمن عند مداخل البلدة والصلبان المرفوعة على التلال تشهد على ذلك. ما حدا بيقدر يركع إبن القبيات أو يهجروا من أرضو. أرضنا عرضنا وشرفنا. وهالأرض كلفتنا دم كتير. ما في بيت بالقبيات إلا وفي صورة لشهيد بالجيش اللبناني او المقاومة المسيحية أو معوق أو جريح حرب”.
3 أيام استمرت المعركة بين القبياتيين والمسلحين سقط في خلالها عدد من الجرحى و5 شهداء من بينهم الشهيد الأول يوسف أنطون. وفي 6 آذار سادت هدنة غير معلنة تخللتها مناوشات ورصاص قنص مما كبل حركة الأهالي في الحارات السبع وحال دون عودة الحياة الطبيعية والحركة إلى القبيات. وعلى رغم الحصار الذي فرضته المناوشات ورصاصات القناص التي كانت ترصد حركة المارة ولا سيما منهم الأولاد والرجال بقيت المواد الغذائية متوافرة في كل بيت بفضل المونة التي كان يحضرها القبياتيون واستعدادهم الدائم للشر المتربص بهم من مسلحي آل حعفر.”صحيح أن المنطقة كانت مطوقة بالمسلحين وكان يستحيل التنقل بسهولة لا سيما خلال ساعات النهار بسبب رصد القناص لكل تحركات الأهالي إلا أن المواطنين تمكنوا من تأمين المواد الغذائية بفضل مخزون المونة من الطحين. وعندما تفرغ الكميات كنا نطحن الحمص والفول. كما تم تسيير المطاحن على الماء لتأمين الإكتفاء الذاتي. هذا عدا عن الأدوية والمواد الغذائية التي كان يحملها العسكريون في الجيش اللبناني الذين كانوا يدخلون منطقة القبيات من مداخل عسكرية أو عبر الأحراج”.
وحدها حادثة ذبح 11 عسكريا في الجيش اللبناني عند موقع الدوسة أعاد عقارب الزمن إلى ما قبل تاريخ 4 آذار “كان وقع المذبحة مدويا وثقيلا على القبياتيين خصوصا أن رياح الحرب اللبنانية كانت بدأت تنذر بالويلات. ذاك اليوم لمس القبياتيون أن ساعة الحرب دقت أبوابهم”. ويروي أحد الشهود: “بعد انقسام الجيش اللبناني بدأت أفواج العسكريين الذين كانوا يفرون من ثكناتهم تصل إلى القرى والبلدات الشمالية.يومها كان هناك 12 عسكريا من الجيش اللبناني فروا من مطار القليعات في طريقهم إلى القبيات للإلتحاق بثكناتها. وعند وصولهم إلى نقطة الدوسة تعرضوا لكمين مسلح على يد إحدى المجموعات المسلحة بقيادة أحمد حسن البكريوتم ذبح 11 عسكريا فيما تمكن الجندي الثاني عشر من الفرار. وعندما وصل إلى البلدة روى للأهالي تفاصيل المجزرة التي وقعت. كانت لحظات مأساوية. تصوري 11 شهيدا بالنعوش البيضاء في موكب جنائزي واحد. مشهد لا ينساه أحد ممن عايشوا تلك الحقبة السوداء”. وبحسب روايات الشهود فإن الجندي الوحيد من ضمن المجموعة الذي تمكن من الفرار اوهم المسلحين بأنه من جماعة البدو الرحل بعدما تمكن من مخاطبتهم باللهجة البدوية “وإلا كنا سنواري في الثرى 12 شهيدا من الجيش اللبناني دفعة واحدة”.
بين آذار 1976 و27 أيار تاريخ الهجوم الثاني والأعنف على القبيات حاول الأهالي لملمة ذيول الأحداث وإعادة ضبط عقارب حياتهم اليومية لكنهم كانوا يدركون أن طبول الحرب التي وصلت أصداؤها إلى البلدات العكارية بعد انقسام الجيش اللبناني لا بد وان تدق أبوابهم بين لحظة وأخرى. وعلى هذا الأساس كانوا يتحضرون على كافة المستويات في انتظار ساعة الصفر التي دقت في 27 أيار 1976 وكانت بمثابة خارطة الطريق لدخول جيش الإحتلال السوري إلى القبيات.
“بدأ الهجوم على ستة محاور من قبل مجموعات مسلحة تدور في فلك النظام السوري وعناصر من جيش لبنان العربي ومعهم مجموعات مسلحة من المرتزقة. على الفور تمركز شباب القبيات على التلال واتخذوا مواقع دفاعية لصد الهجومات التي كانت تهدف إلى تهجير اهالي القبيات من بيوتهم في المرحلة الأولى والبلدة لاحقا. بس ما قدروا ولا راح يقدر أي طاغية او محتل يهجر قبياتي من أرضو”. ويضيف الراوي الشاهد على الهجوم الثاني الذي تعرضت له القبيات في 27 أيار 1976: “كانت المعركة قوية خصوصا ان العتاد كان مختلفا كونه كان يضم ملالات تابعة للجيش اللبناني بالإضافة إلى قطع حربية أخرى تمكن المسلحون من الإستيلاء عليها بعد الدخول إلى ثكنات الجيش اللبناني عقب انقسامه. استمرت المعركة نحو 5 أيام سقط في خلالها 5 شهداء بالإضافة إلى عدد كبير من الجرحى. وفي 2 حزيران تم تنفيذ الخطة التي على اساسها بدأ الهجوم في 27 أيار ودخل جيش الإحتلال السوري البلدة في 2 حزيران بعدما اقر وقف اطلاق النار والفصل بين المسلحين وابناء البلدة”.
فور دخول جيش الإحتلال السوري بلدة القبيات عمل على استحداث مركزين عسكريين له وكان يتواجد في ثكنة الجيش اللبناني في عندقت. وعلى رغم كل الممارسات ومحاولات تضليل بعض أهالي القبيات وعندقت بهدف ضمهم إلى مظلة المجموعات التي كانت تدور في فلك نظام الوصاية إلا أن أحدا لم يغدر بأخيه “السوري بالقبيات وعندقت اشتغل مخابراتيا مش عسكريا. جربوا يفهموا الأهالي إنن جايين يحموون من المجموعات الإسلامية المسلحة بس إبن هالأرض اللي في بكل بيت شهيد من الجيش أو المقاومة المسيحية ما بتمرق عليه محاولات التضليل. وأساسا القبياتي ما بيغدر ولا بيطعن بضهر إبن أرضو. بس ما بخفي عليكي إنو الخيبة كانت كتير كبيرة ع الأهالي بعد انقسام الجيش لأنو ما كانوا بيتصوروا إنو ممكن تحصل هالواقعة اللي شكلت صدمة بس قدروا تجاوزوا مع الوقت”.
عند حدود القبيات وعندقت دفن المحتل السوري كما المجموعات المسلحة على مدى عقود مخططاتهم في اختراق الحدود وتهجير الأهالي من قراهم وحاراتهم. حتى مخططاتهم المخابراتية أسقطتها شهامة إبن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء. لكن ثمة خيارات فرضت على بعض الشبابمغادرة البيت والأرض لا سيما من لبسوا البزة الكاكية وانتسبوا في صفوف حزب “القوات اللبنانية” ومنهم من ارتفع على صليب الشهادة عدا عن المعوقين. ويستطرد احد الشهود: “المهم إنو الكل رجعوا على أرض القبيات وعندقت بعد خروج المحتل السوري بنيسان 2005 حتى الشهدا دفناهم بهالأرض تحت الصلبان المرفوعة ع التلال”.
في ذاكرة القبياتيين حكايات يرويها الأب لابنه والجد لحفيده عن مخايل الشدياق او مخايل القديس كما كان يلقب حتى آخر يوم من عمره: “كان يلبس بزة الجيش اللبناني القديمة ويحط ع راسو برنيطة كاكية ويحمل الإنجيل ويبرم ع الجبهات. إيام كان يبقى برات البيت أسبوع أو أسبوعين وبس يفوت ع البيت يصلب إيدو ع وجو ويردد جملتو الشهيرة: “رصاصكن مي”. ويروي إبنه طوني أن والده كان يجلس على قمة المتراس ويصبح مكشوفا أمام المسلحين لكن ولا مرة تمكن منه قناص أو أصابته رصاصة أو قذيفة. وفي إحدى المرات حاول أحد المقاتلين أن يجربه في عمق إيمانه ودينه فأطلق عليه النار على مسافة 20 مترا فلم يصب: “كان قديس وبقي قديس” وفي العام 2013 ارتفع القديس الى مصاف القديسين عن عمر يناهز ال91 عاما”.
ثمة محطات حفرها الأبطال المقاومون في القبيات وعندقت تكشف عن عنفوان أبناء هذه الأرض الذين كانوا يهربون البواريد بأكياس التراب ويرفعون صور القائد سمير جعجع ليلا خلال فترة اعتقاله قبل ان يشق الفجر طريقه معهم إلى مراكز الإستخابارات السورية. وثمة محطات وجع حفرها شهداء سقطوا إما على باب كنيسة أو عند مدخل البيت حيث كان يلعب الأخوان روكز حبيش وشقيقته او استشهدوا عند متراس على باب إحدى المغاور. وهنا حفر إسم الشهيد جرجس فارس. ومع كل غصة وحرقة قلب على شهيد كان عصب الحرية والإيمان ينبض من جديد ليرتفع صليبا على هذه التلة أو تلك. “هون على تلة الشحمينة عمرنا هالصليب من الباطون بطول 14 مترًا وعرض 7 أمتار. ورا هالتلة كان في متراس وفي شباب استشهدوا بهالمكان اللي صار مقدس بأرواح ودم الشهدا. وكل يوم جمعة عظيمة بيجوا اهل حي القطلبة والجوار ومنحتفلبرتبة جناز المسيح”.وامام هذه التلة بالذات قتل أحمد حسن البكري الذي نفذ جريمته في حق 11 عنصرا من الجيش اللبناني في 19 آذار 1976″.
إلى الجرد صعودا نحو تلة بلاط غوايا التي رفع عليها الأهالي صليبا من الحديد يضاء ليلا. ويروي البعض أن اهالي حمص في سوريا يشاهدون الصليب المضاء ليلا. “وين بعد بدك تروحي؟”..يسأل أحد القبياتيين الذي أصر على مرافقتنا في الجولة على التلال.”نحنا مطوّقين بالتلال وعلى كل تلة في صليب. وهالصلبان ما راح تنزل وما راح نسمح لحدا يشيلا من جذورنا او يهجرنا من أرضنا”.
وعلى وقع أجراس الكنيسة نغادر القبيات مطمئنين كما اهلها بأن كل محاولات سلخ المسيحيين من ارضهم ستدفن تحت أقدام صلبان التلال السبع.
في طريق العودة المشهد الفسيفسائي نفسه. سيارات من دون لوحات تختال على الطرقات الفرعية وتحت انظار عناصر القوى الأمنية التي تسيّر دورياتها في شكل دوري. لوحة كتب عليها أسماء البلدات تستوقف مصور “المسيرة”. يترجل لالتقاط صورة. فجأة تتوقف دورية تابعة لقوى الأمن.”لمين عم تصور؟ وين البطاقة؟” وبعد التأكد من “قانونية” مهمتنا الصحافية نحصل على الإذن بالتصوير. ونكمل طريقنا وسط جحافل السيارات “المفيّمة” وأخرى من دون لوحات. وعلى عينك يا دولة!
إطار – سالم أنطون: “انتبهوا من لحظة الغدر”
إلى كوع عين الريحانة في حي الفليطة حيث سقط الشهيد الأول يوسف أنطون في هجوم 4 آذار توجهنا. هناك كان ينتظرنا إبنه سالم وحفيده بعدما اتصلنا به ليكون الشاهد على ذاكرة التاريخ ذاك اليوم.
هي المرة الأولى التي يتكلم فيها سالم عن تلك اللحظات عن المشاعر التي عاشها لحظة إطلاق النار على والده أمام عينيه. يومها كان عمره 11 عاما. وبعد 41 عاما لم يتغير شيء..
“صباح ذاك اليوم تحضرنا كما العادة أختي ليلى وشقيقاي طوني وجورج وأنا للذهاب إلى مدرسة الكرمليين في حارة القطلبة مع تلاميذ الحارة. وصلنا إلى هنا، إلى كوع عين الريحانة وفوجئنا بأن الطريق كانت مقطوعة بالحجارة. أوقف أبي السيارة . حاول أن يترجل منها فطلبت منه البقاء في مكانه وأتولى أنا عملية فتح الطريق. ما أن خرجت من السيارة لاحظت وجود أشخاص مختبئين بين الأشجار. فجأة نزل 3 مسلحين في اتجاه السيارة وحاولوا أن يخطفوا والدي والرجلين اللذين كانا يرافقاننا من الحارة وهما إيلي طنوس وشفيق عبود. لكن المسلحين اكتشفوا أن والدي تعرف إليهم…”. يسكت سالم للحظات. يتأمل في الكوع ويردد: “يا ريتو ما تعرّف علين أو ما كشف إنو بيعرفن. بس للأسف فضحن”.
ربما أدرك يوسف أن ساعة الإرتقاء إلى درجة الشهادة دنت صباح ذاك الرابع من آذار عام 1976 فقرر أن لا يغادر الأرض، أرضه قبل أن يطمئن إلى أولاده وباقي التلاميذ الذين كان يقارب عددهم ال20 فعمل على إبعادهم عن المكان بمساعدة الرجلين اللذين كانا برفقتنا. وما أن اطمأن إلى ابتعادهم عن الطريق العام حتى دوى صدى 3 طلقات نارية مزقت جسد يوسف الذي أبى إلا أن يستشهد وهو يشهد للحق.
المسلحون خافوا من الحقيقة التي رأوها في عيني يوسف أنطون، أربكتهم شجاعته واستبساله في الدفاع عن أولاده وتلاميذ الحي. ويتابع سالم: “كنا نختبئ تحت الطريق فجأة سمعت أحد المسلحين يصرخ في وجه مسلح آخر: شو ناطر ما بتقوصوا طالما تعرّف علينا؟ ودوى صوت ثلاث طلقات نارية وراح بيي”. أما الرجلين الآخرين فتم خطفهما.
يتقدم سالم وابنه خطوات وتحديدا إلى النقطة التي سقط فيها يوسف البطل شهيدا: “بعدني بتذكر المشهد كأنو اليوم، وكل ما بقطع ع الكوع بشوف صورة بيي ممدد ع الأرض والدم عم بنزف شلال من رقبتو”. يمشي خطوتين ويدل بإصبعه. هون هون كانت الجثة. “كان راسو لجهة الحيط وغرقان ببركة الدم. قتلوا ب 3 رصاصات لأنو تعرّف علين. خطفو عمرو بلحظة غدر، ويتّموا عيلة من 5 ولاد…”
بعد 3 أسابيع أطلق المسلحون الرجلين وكانا اقتيدا إلى سوريا ولولا دخول الوساطات على مستوى رفيع جدا لكانا اليوم مسجلين على لائحة المعتقلين في السجون السورية. رفيقا يوسف عادا أما البطل فسقط غدرا. “بيي شهيد صحيح بس شهيد الغدر. كانوا ناطرين حدا يمرق ع الطريق اللي سكروا بالحجارة ليفجروا الوضع… غدروا به”. وهل فكر بالإنتقام؟ “أساسا المسلحين اختفوا بعد ما ارتكبوا الجريمة لأنن عرفوا إنو صاروا مكشوفين أمنيا”.
بعد وصول خبر استشهاد يوسف توجه الرجال إلى التلال “هكذا هم رجال القبيات. عندما تقع الكارثة يهبون للدفاع عن الأرض وناسها بدلا من التوجه إلى مكان الحادث والبكاء على شهدائنا. وتولت النساء عملية سحب الجثة”.
قبل شهر ودع سالم والدته التي ربت أولادها بعد استشهاد الوالد “لقد عانت الكثير لكنها رفضت أن تستسلم حتى آخر لحظة من عمرها. ولم ينس سالم ان يحملها الوصية أو قل العبرة التي تعلمها من لحظة سقوط والده شهيدا في محلة كوع عين الريحانة ويكررها أمام أولاده وكل مقاوم: انتبهوا من لحظة الغدر”.
إطار ـ د. سركيس: قوات عكار انخرطت في النسيج الإجتماعي وباتت تشكل حالة
منذ تسلمه مهام منسق منطقة عكار في حزب “القوات اللبنانية” في تموز العام 2010 شكل الدكتور نبيل سركيس علامة فارقة في منهجية العمل الحزبي لـ”قوات” عكار بدءا بشد عصب الشباب وتعزيز الحضور القواتي في مختلف القرى العكارية لا سيما المسيحية منها. أما اللافت فكان إدخال الفكر والإيديولوجية وحتى الحضور القواتي في الشارع الإسلامي “وهذا الأمر يرتبط في خطاب “القوات” المنفتح ومواقف رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع الثابتة وعلى عمل المنسقية على الأرض التي ساهمت في انخراط القواتيين بالمجتمع العكاري، بالإضافة إلى شبكة العلاقات التي حاكها الدكتور سركيس مع فاعليات دينية واجتماعية وسياسية إسلامية ومسيحية. وهذا الإنخراط والتواجد الدائم لـ”القوات” على الأرض مع ناسها يسمح لها بتأمين بعض الخدمات الناتج عن تقصير الدولة.
حزبيا شكل انتساب عدد من أبناء عكار من الطائفة الإسلامية علامة فارقة في حزب “القوات اللبنانية” وفي هذا الإطار يقول د. سركيس: “حزبنا غير قائم على منفعة وخدمات إنما التزاما بقيم الدولة وكل منتسب إلى حزب القوات هو مؤمن حتما بهذه القيم وهذا الأمر لا يقتصر على المنتسبين وحسب إنما ينسحب على علاقتنا مع كل الفاعليات. أضاف د. سركيس “لا شك أن إيماننا بالدولة والمجاهرة برفضنا للسلاح غير الشرعي وضرورة تسليم الأمن للجيش اللبناني والقوى الأمنية، كل هذا ساهم في تعزيز الثقة بنا كحزب وملتزمين، وتمكنا من خلال تواصلنا مع كل أطياف المجتمع العكاري أن نخلق حالة إجتماعية ووطنية مميّزة تحولت إلى مثال يحتذى به لا سيما على مستوى تبادل التهاني والمشاركة في الأعياد بين الطائفتين المسيحية والإسلامية. واستطعنا بذلك تغيير الصورة التي حاول المحتل السوري أن يزرعها في رؤوس العكاريين.
تضم منسقية عكار 25 مركزا و8 مكاتب افتتح منها مؤخرا 4 من ضمنها مكتب شدرا المقرر افتتاحه في 3 حزيران المقبل. ولفت د. سركيس إلى أن الصعوبات التي تواجه العمل الحزبي تتمثل في صعوبة التواصل نظرا إلى ابتعاد البلدات عن بعضها والمسافة التي تفصل عكار عن بيروت خصوصا أن غالبية الملتزمين يقطنون شتاء بين مناطق البترون وجبيل وكسروان والمتن وبيروت. وتسهيلا لعملية التواصل واللقاءات تم استحداث مركزين للمنسقية الأول في منطقة ضبيه وآخر في نقطة وسطية على طريق عام منيارة – حلبا .
خدماتيا يساهم حزب “القوات اللبنانية” من خلال منسقية عكار في الإنماء الخدماتي وفق إمكانات الحزب. وعدّد د. سركيس أهم المشاريع الإنمائية التي ساهم الحزب في تنفيذها وهي: بركة إصطناعية للري في جرود القبيات التي افتتحت منذ نحو العامين، وبئر ارتوازي في بلدة ممنع وتقديم مولد كهربائي لبلدة خريبة الجرد، والمساعدة في ترميم عدد من الكنائس في البلدات، ومشاريع أخرى على خارطة الخدمات المقررة للمنطقة.
مشكلة النازحين السوريين بدأت تفرض نفسها على المشهد الإجتماعي في عكار نظرا إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود اللبنانية – السورية وقد انعكس على الواقع الإنمائي في البلدة “النزوح السوري بات يشكل ضغطا واستنزافا لعدة مكوّنات في المجتمع إن على مستوى سوق العمل أو البنى التحتية”. ولفت د. سركيس إلى التعاون القائم بين البلديات وحزب “القوات” للمساعدة في توسيع شبكة الري الصحي. أما على المستوى الأمني فأكد على ضبط هذا الوضع بشكل كلي من قبل المؤسسات الأمنية التي تقوم بواجبها كاملا.
يبقى الهاجس الإنتخابي وفي هذا الإطار أوضح سركيس أن التحضير للماكينة الإنتخابية بدأ منذ أشهر عديدة وتم توزيع العمل على مكتبين إنتخابيين بحيث يتم التحضير للوائح الشطب وعمل المندوبين. أما الحماسة فتتوقف على القانون الإنتخابي: “قانون الستين لم يكن منصفا في عكار وبالتالي الكل في انتظار قانون جديد للبدء بالعمل لوجستيا على الأرض”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]







حزيران 1976″.
