
كتبت “المسيرة” – العدد 1612
الفرق واضح وساشع بين إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب وبين إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. لم يكتف الأخير بالدفاع المستميت عن الاتفاق النووي مع طهران ولكنه تغافل عن دورها الإرهابي والمزعزع للإستقرار، لا بل وصل به الأمر إلى حدّ الإقرار بدور إيران في مواجهة التطرف والإرهاب ذي النزعة الإسلامية من الضفة الأخرى.
المشهد العام تغيّر بشكل جذري مع إدارة الرئيس ترامب الذي لم يغلف مواقفه بتعابير الاعتذار بل ذهب بعيداً في التحذير من خطر الإرهاب والتطرف الإسلامي المتشّدد بعدما كان محظراً ذكر هذه التعابير في عهد أوباما، وها هو ترامب ذهب مباشرة عبر البوابة السعودية العريضة في توضيح مفهومه للتطرف وفي دعوته العالم الإسلامي إلى الوقوف بوجه الإرهاب المزدوج الذي يجسده تنظيم “داعش” وقبله “القاعدة” وغيره من التنظيمات الإرهابية، وبوجه إرهاب وعنف النظام الإيراني و”حزب الله”.
ترامب في قمة الرياض حمَّل الدول المشاركة مسؤولية المواجهة لأن الذي يقتل بإسم الدين يسيء قبل أي شيء إلى دين الإسلام وشعبه قبل أي شعوب أخرى. وعليه توقف مراقبون في واشنطن عند المنعطف التاريخي للزيارة الأميركية إلى السعودية وما حملته من دلالات:
أولاً: أظهرت الزيارة الأولى الخارجية للرئيس الأميركي إلى الرياض تنسيقاً عالي المستوى بين البلدين أفضى إلى هذا الكم من المشهدية في الشكل والمضمون بدءا بالتنظيم العالي المستوى لحفل استقبال الرئيس دونالد ترامب والوفد الكبير المرافق له، إضافة إلى تنظيم عقد قمتين كبيرتين مع الشريك أو الصديق الأميركي بحضور العدد الكبير من الأمراء والرؤساء والقادة الخليجيين والعرب والمسلمين.
أما في المضمون فقد بدا التناغم واضحاً في الموقف بين الولايات المتحدة والسعودية تحديداً في رسم خطوط المواجهة والتحديات التي تواجه المنطقة، إضافة إلى إعادة تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين على عكس المرحلة السابقة، مما أدّى إلى توقيع العقود بمئات المليارات من الدولارات، لدرجة أن إدراج هذه العقود ضمن اتفاقيات استراتيجية يجعلها صفقات ثابتة لا تتغير مع تغير الإدارة في الولايات المتحدة.
ثانياً: شكل توحيد اللهجة ضدّ الجهات والدول الراعية للإرهاب ووضع تنظيمي “داعش” و”القاعدة” و”حزب الله” وحركة “حماس” وغيرها في تصنيف واحد كتنظيمات إرهابية، وتسمية إيران بالاسم كدولة راعية للإرهاب وتسعى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة مؤشراً مهماً على خطط التعاون المستقبلية بين الولايات المتحدة والدول العربية والخليجية، وهذا التلاقي يجمع بين رؤية الإدارة الأميركية الجديدة لجهة التركيز على خطر التطرف المزدوج الذي تمثله التنظيمات السنية المتشددة، والتطرف الشيعي بما يؤدي إلى خلق توازن في الرؤية تجاه هذا الخطر على عكس الإدارة الأميركية السابقة، وبين توجهات دول الخليج والدول العربية التي تسعى منذ زمن لكبح جماح إيران على صعيد تحقيق وقف حقيقي لبرنامجها الصاروخي والنووي الذي يهدد فعلياً دول الجوار، والوقوف في وجه دور إيران الإقليمي ووضع حد له.
وهكذا تكون صفقة السلاح الضخمة للسعودية وضعت تحذيراً وإنذاراً كبيرين لإيران عن الاستعداد لمواجهة سياستها التسلحية والتوسعية في آن، من هنا يأتي إتفاق الرئيسترامب والملك سلمان على ضرورة القيام بعمل لضمان ألا تواصل إيران السياسات العدوانية في المنطقة.
ثالثاً: توقف مراقبون في واشنطن عند ذكر الرئيس الأميركي لموضوع لبنان مرات كثيرة في كلمته، وهذا يعني أنه للمرة الأولى يحظى لبنان بهذا القدر من الاهتمام الأميركي في حدث مهم يتناول معالجة تحديات المنطقة، وفي أول رحلة خارجية لرئيس الولايات المتحدة، حيث كانت إشارة لافتة من قبل الرئيس ترامب للجهود التي يبذلها الجيش اللبناني في مواجهة التنظيمات الأرهابية، إضافة إلى تحمل لبنان العبء الأكبر من وجود النازحين السوريين في أرضه، وكذلك تناول مسألة لبنان من زواية الدور السلبي الذي تقوم به إيران وحزب الله على الصعد كافة، وهذه الإشارة وإن أزعجت البعض في لبنان، إلا أنها تدل على إهتمام أميركي بضرورة تعزيز سيادته وإستقلاله وقراره الحر وإبعاده عن تأثير الأوضاع والحروب في المنطقة على أرضه، نظراً لما يجسده دور حزب الله على الساحة الداخلية وفي الشأن الإقليمي من أثر يتعارض تماماً مع منطق الدول وسيادتها الشرعية على أراضيها.
رابعاً: شكل القرار الأميركي برفع مستوى التنسيق والاتصال مع المملكة العربية السعودية ومعظم الدول العربية والخليجية دلالة على السياسة الإستراتيجية المتخذة في واشنطن لجهة تعزيز دور دول المنطقة في مواجهة التطرف والإرهاب ونشر السلام، حيث أن هذا التوجه يتضمن أيضاً السعي إلى وضع أسس جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد فشل كل المحاولات التي بذلت خلال أعوام الصراع، وهكذا تكون الإدارة الأميركية الجديدة وضعت هذه الدول أمام مسؤولياتها المشتركة في لعب دور قيادي بالتفاهم والتنسيق مع الولايات المتحدة ضمن شراكة طويلة الأمد، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى ولادة شرق أوسط جديد.
الاتفاقية العسكرية
الى جانب التفاهمات السياسية الاستراتيجية تندرج الاتفاقية العسكرية بين واشنطن والرياض. فقد أبرم الرئيس الأميركي صفقة أسلحة مع السعودية قيمتها 110 مليارات دولار وشكلت صفقة السلاح بالإضافة إلى استثمارات أخرى وصلت في مجملها إلى 350 مليار دولار الإنجاز الأساسي لليوم الأول من زيارة ترامب للسعودية.
وبحسب النسخة الرسمية لشروحات الصفقة العسكرية والتي وزعتها مصادر أميركية رسمية وحصلت “المسيرة” على نصها الحرفي، فإن صفقة التسلح هذه ستتيح الفرصة لتعزيز قدرات المملكة العربية السعودية بشكل كبير للمساعدة على ردع التهديدات الإقليمية وتعزيز قدرتها على حماية حدودها والمساهمة في عمليات التحالف لمكافحة الإرهاب وفق المحاور التالية:
*أمن الحدود ومكافحة الإرهاب: قدرات مثل الدبابات والمدفعية والرادارات المضادة للهاون وناقلات الجنود المدرعة والطائرات العمودية والتدريب المرتبط بها والتي من شأنها تمكين المملكة العربية السعودية من تأمين حدودها ضد التهديدات الإرهابية وغيرها من التهديدات.
*الأمن البحري والساحل: القدرات التي تمكن المملكة العربية السعودية من الدفاع عن حرية الملاحة وردع الهجمات البحرية أو الغارات والدفاع عنها. وتشمل النظم سفن قتالية سطحية متعددة المهام، وطائرات هليكوبتر، وزوارق دورية، وأنظمة أسلحة مرتبطة بها.
*تحديث القوات الجوية: الأنظمة، والاستدامة، والتدريب الذي سيمكن المملكة العربية السعودية من الحفاظ على المراقبة المحمولة جوا، وتأمين المجال الجوي، وتقديم الدعم الجوي الوثيق مع تحسين قدرات الاستهداف الدقيق والعمليات. ويشمل ذلك انظمة النقل، والدعم الجوي الخفيف، وطائرات جمع المعلومات الاستخبارية، والدعم المستمر لمنصاتها القائمة.
*الدفاع الجوي والصاروخي: أنظمة مثل باتريوت وثاد من شأنها أن تساعد المملكة العربية السعودية على حماية نفسها والمنطقة من الصواريخ أو غيرها من الهجمات المحمولة جوا.
*الأمن الإلكتروني Cyber Security والاتصالات: توفير المعدات التي من شأنها تحديث شبكات القيادة والسيطرة في المملكة العربية السعودية عبر جيشها لتحسين تماسكها العام وفعاليتها التشغيلية.
وقد أعلنت شركة بوينغ أنها وقعت عددا من الصفقات الدفاعية والتجارية مع السعودية تشمل بيع طائرات عسكرية وتجارية، وبموجب هذه الصفقات ستشتريالسعودية طائرات هليكوبتر من طراز شينوك وتعتزم شراء طائرات بي-8 للاستطلاع.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية أعلنت في وقت سابق خططا لبيع شحنة من طائرات هليكوبتر من طراز شينوك-47 إف والعتاد المتعلق بها إضافة للتدريب والدعم في صفقة تصل قيمتها إلى 3.51 مليار دولار. وتم إخطار الكونغرس بأن صفقة المبيعات للسعودية ستشمل 48 طائرة هليكوبتر.
عقود بالمليارات
إضافة إلى صفقة التسلح، وقعت الشركات الأميركية والسعودية صفقات بعشرات المليارات من الدولارات يوم السبت مع سعي الرياض لتطوير اقتصادها المعتمد على النفط.
تمويل مشروعات في أميركا
وقعت مجموعة بلاكستون الأميركية العملاقة في مجال ادارة الاصول مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرة تفاهم لاطلاق آلية استثمار جديدة بقيمة 40 مليار دولار لتمويل مشاريع تحديث البنية التحتية في الولايات المتحدة.
ظل بوش وأوباما
ترامب المرشح هو غير ترامب الرئيس، فبعد عام ونيف على تصريحاته الواضحة حول الإرهاب الإسلامي المتطرفاعتمد الرئيس الأميركي لهجة اكثر اعتدالا قربته من التصريحات التي اعتمدها سلفاه، باراك أوباما وجورج بوش الابن.
وكان جورج بوش الابن زار بعد أيام قليلة من هجمات 11 ايلول 2001 التي تبناها تنظيم القاعدة مسجدا في واشنطن القى فيه خطابا لا تزال كلماته محفورة في ذاكرة الكثيرين.وقال يومها الرئيس الجمهوري “الاسلام هو السلام”، مشددا على ان “وجه الارهاب” لا يمت بصلة الى هذه الديانة التي يؤمن بها مئات الملايين حول العالم.
اما باراك اوباما فاختار في حزيران 2009 في مطلع عهده جامعة القاهرة ليلقي منها خطابا تناول فيه نظرته الى الاسلام.
ويومها استهل الرئيس الديموقراطي خطابه قائلا بالعربية “السلام عليكم”، متوجها الى مليار ونصف مليار مسلم حول العالم، قبل ان يدعو الى وضع حد “لحلقة الارتياب والشقاق”، مضيفا “جئت أبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين حول العالم”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]