#adsense

الأمهات العازبات و”جماعة مريم ومرتا”: قصة رانيا الأم وداليا البنت

حجم الخط

كتبت لينا غانم في “المسيرة” – العدد 1612:

“يا بنت الحرام، يا بنت الزنى، بدي إقتلك، بدي موّتك”… هو صدى موجع لكلمات مشينة لا تزال تتردد في ذاكرة داليا (55 سنة) عن طفولة معذبة قضتها في “حي الحرامية” في الأشرفية، حيث سُرقت منها أحلامها الوردية. قصة داليا (إسم مستعار) المجهولة النسب، والأم العزباء لفتاة في عامها العشرين تصلح مادة مشوقة لمسلسل درامي لا يحتاج كاتبه الى تحفيز المخيلة كثيرًا، إذ يكفي أن يسرد وقائع مريرة في حياة إمرأة شاءت الظروف أن تختبر أسمى المشاعر الإنسانية، الأمومة، في الوقت غير المناسب ومع الرجل غير المناسب.

ولدت داليا في دير راهبات الراعي الصالح في الدكوانة، تركتها أمها بين أيدي الراهبات بعد الولادة مباشرة، الراهبات لم يخبرنها شيئا عن والدتها، كل ما تعرفه أنها من زحلة لكنها لا تعرف إذا كانت هي ثمرة زواج فاشل، أم اغتصاب أم علاقة غير شرعية.

في سنواتها الأولى غادرت داليا الدير الى كنف عائلة تبنتها مع فتاة أخرى، فحملت كنية العائلة. مات الوالد بالتبني عندما كانت في الرابعة من عمرها فبقيت مع والدتها وأختها بالتبني.

في المنزل الوالدي تحولت داليا الى خادمة منذ نعومة أظافرها، فيما أدخلت أختها الى مدرسة داخلية لتلقي العلم، في الوقت الذي كانت تتلقى هي فيه الشتائم والإهانات وضربات العصا والركلات التي كانت تنهال عليها من كل حدب وصوب، حتى أن إحدى يديها لا تزال تحمل ندوبًا وحروقاً من تلك المرحلة.

عانت داليا الإذلال والجوع، وعندما كان أحد سكان الحي يحاول الدفاع عنها كان جواب الأم بالتبني “هيدي صانعتي”. كانت تمر أيام قبل أن يسمح لها بالأكل أو كانت تقتات من بقايا الطعام في المنزل أو من طعام يمنحه إياها شاب يسكن في جوارها عندما كانت ترمي مساء القمامة في زاوية الشارع، كان يعزف على الكمان التي ترسخت نغماته في ذاكرتها، باتت تعشق هذه الآلة التي تشعرها بلحظات الأمان والحنان وهي تحتفظ بقطعة منها في منزلها.

في العاشرة من عمرها هربت داليا من منزل ذويها بالتبني عائدة الى دير الراهبات اللواتي حاولن التوسط مع الأم لتتلقى الفتاة معاملة أفضل. عادت من جديد الى المنزل لتغادره نهائيًا بعد ثلاثة أعوام وتلجأ مجددًا الى الراهبات اللواتي نقلن مقر إقامتهن من الدكوانة الى سهيلة بسبب الأوضاع الأمنية التي كانت سائدة.

من سهيلة الى الكسليك، الى حضن عائلة عملت عندها كمدبرة منزل وتلقت أفضل معاملة. “كانوا يعتبروني متل بنتهم”، تقول داليا التي أرادت أن تعيش حياة مستقلة فغادرت منزل العائلة واستأجرت “فواييه” حيث كانت تعمل في خدمة المنازل نهارًا لتلتحق بمدرسة للغات مساء.

خلال ترددها على إحدى كنائس المنطقة، تعرفت داليا على مساعدة رجل دين أسس تجمعًا لمعالجة المدمنين على المخدرات ومن خلالها انتقلت للعمل في مركز التجمع، وهناك تعرفت على نديم (إسم مستعار) الذي كان يتردد الى المركز لزيارة رفاقه بعد أن كان مدمناً وخضع لدورات تأهيل وشفي من هذه الآفة.

أغرم نديم بداليا وأقاما علاقة حب استمرت خمسة أعوام كان قد وعدها خلالها بالزواج وتأسيس عائلة معًا. هذا الحب جوبه بالرفض من قبل أهل نديم، لكن داليا استمرت بالعلاقة الى حد أنها سلمته نفسها وأقامت معه علاقة جنسية “كانت علاقة حب وليس جنس”، هكذا تصف الأمر. لكن المفاجأة المدوية كانت يوم أخبرته بأنها حامل، ظنت أنه سيفرح وسيعجل في اتخاذ القرار بالارتباط. “عندما أخبرته بأنني حامل لم يقم بأي رد فعل إنما اكتفى بالقول: أمامك خياران: إما الإجهاض أو الإبقاء على الجنين الى أن يولد فنبيعه ونشتري بثمنه شقة”…

هذا الجواب الصادم دفع بداليا الى الهرب واللجوء الى أصدقائها في التجمع، إداريين ورجال دين، الذين حضنوها وساعدوها على تخطي الصراع الذي كانت تعاني منه، بين الاحتفاظ بالجنين أو التخلص منه. ومع هذا العذاب أحست بأنها وصلت الى نقطة اللاإيمان والإلحاد. “أنا زعلانة منك يا ربنا. أنت بي والبي حنون، كيف بتسمح بكل هالعذاب؟”.

نبضات الحياة في أحشائها جعلتها تتمسك “بهيدي الروح”، فقررت الاحتفاظ بالجنين. وبعد تسعة أشهر ولدت رانية “التي كانت خلاصي”، على ما تقول أمها التي ربتها “بدموع العين” برعاية من أعضاء التجمع وأحد الأساقفة والأصدقاء.

في السابعة من عمرها سألت رانية عن والدها الذي لم يسعَ يومًا الى رؤيتها، فأجابت داليا بأنه مسافر للعمل. وخلال احتفال القربانة الأولى أعادت السؤال، فكان جواب داليا هذه المرة “هو لا يريدنا ولا يحبنا”. ومنذ ذلك الوقت لم تعد رانية تسأل عن والدها، حتى عندما قرأت على إخراج القيد الفردي الخاص بها، خلسة عن والدتها، وعند خانة الأب “إسم مستعار” غير شرعي.

اليوم رانية في سنتها الجامعية الأخيرة تتعلم وتعمل لتعيل نفسها ولترعى والدتها المريضة وفي حقيبتها إخراج قيد يصفها بأنها “غير شرعية”، لكنها في الواقع تكمل حياتها من دون أن تتوقف عند “هذا التفصيل التافه”، على ما تقول، “إذا أحببت يومًا ما شخصًا توقف عند هذه العبارة، فأنا لن أكمل مشواري معه. فهو حتمًا لا يستحق أن أثق به وأبني معه عائلة”.

لم تسعَ رانية للتعرف الى والدها لكنها حاولت التواصل مع أحد أشقائها بعد أن تزوج والدها وأنجب ثلاثة أولاد وتطلق من زوجته. عبر الفايسبوك تعرفت الى شقيقها الكبير، تواصلت معه لمدة من الزمن من دون أن تكشف له عن هويتها الحقيقة، لكنها ما لبثت أن عدلت عن هذا التواصل الافتراضي مع شقيق حقيقي.

الأم العزباء باتت ظاهرة لافتة في بلد يعتبر الأمومة خارج إطار الزواج” وصمة عار” على جبين المرأة وعائلتها. ووسط التابوهات التي تكتنف المجتمع، قليلة هي الجمعيات التي تعنى بحالة الأمهات العازبات في لبنان، وقد لا يتعدى عددها الثلاث.

“جماعة مريم ومرتا” في عجلتون هي واحدة من هذه الجمعيات التي أخذت على عاتقها مساعدة وإعادة تأهيل الأم العزباء الى جانب ظواهر اجتماعية أخرى مثل المرأة المعنفة جسديًا ومعنويًا والمرأة المنبوذة، المكتومة القيد، الفتيات في طريق الدعارة الظرفية والتعدي الجنسي وسفاح القربى والسجينات السابقات والمعرضات للانحراف. هذا المركز يشكل البيت الثاني لكل امرأة اضطرت لمغادرة منزلها لهذه الأسباب. “المركز مجهز وقادر على استيعاب نحو خمسين امرأة، وهو يضم حاليًا أربعين امرأة من دون الأولاد من بينهم سبع أمهات عازبات” على ما تقول المعالجة النفسية في المركز سينتيا جبور. “نحن نستقبل الفتاة التي جاءت بكامل إرادتها الى الجمعية بحثاً عمن يؤويها ويصغي إليها، بصرف النظر عن دينها وعرقها”. فالجمعية تشكل سقفاً دافئاً للأمهات العازبات ولا سيما المنبوذات من المجتمع، ونعمل على إعادة ترميم ثقتها بنفسها، أي تمكينها مهنيًا وتحصينها للاندماج في المجتمع”.

الجمعية تعمل تحت رعاية النيابة البطريركية المارونية ـ أبرشية صربا، وهي معترف بها من وزارة الداخلية بموجب علم وخبر رقم 152/أ.د، وقد أسسها الأب عبدو أبو خليل في العام 2000، تحت رعاية المطران غي بولس نجيم، في منزل صغير في منطقة عين الريحانة بناء على حاجة اجتماعية لمسها بنفسه مع ثمانية أسرّة، ثم انتقلت الى النقاش مع أربعة عشر سريرًا، ومن بعدها افتتحت مركزها الحالي في العام 2009 في عجلتون.

“نحن نستقبل كل امرأة يرواح عمرها بين 18 و 50 سنة وتواجه مشكلة اجتماعية ولا تجد من يدعمها”، تقول جبور. “نهتم بالأم العزباء، بفترة علاجها وبمصاريف الولادة، ونسعى الى المتابعة الاجتماعية مع الأهل لإيجاد صلة وصل وللإبقاء على هذه الصلة حتى لا تزداد الأمور سوءًا، كما أننا نقدم الدعم اللازم للأم العزباء في وحدتها ونعمل على تهيئتها لكي لا تتخذ أي قرار متسرّع يتعلق باحتفاظها بالطفل أو بالتخلي عنه”.

تتابع المقيمات في المركز دورة تأهيل كاملة قد تصل الى سنتين تحصل في نهايتها المشاركات على شهادة “اكتمال مسيرة التأهيل” التي تتألف من أربع مراحل تساعد على الاستقلالية وإيجاد فرص عمل حسب مؤهلات كل مشاركة. “إذا قررت الأم الاحتفاظ بالطفل سوف يحمل عند التسجيل اسم الأم واسم عائلتها، أي أن الطفل يمنح التعريف القانوني نفسه كبقية الأطفال بعد أن قرر وزير الداخلية الأسبق زياد بارود إلغاء عبارة “غير شرعي” من إخراجات قيد الأطفال الإفرادية”، علما بأن الأم العزباء هي الوصية القانونية على طفلها أمام الدوائر والمؤسسات اللبنانية، مع الإشارة الى أن إجراءات التسجيل صعبة للغاية وتحتاج الى متابعة قانونية.

“لا تتخلى الجمعية عن المقيمة بعد مغادرتها المركز”، على ما تقول سينتيا، “بل يبقى الاتصال مستمرًا مع قدامى المركز لمساعدتهن على تخطي أي ضغط نفسي أو اجتماعي قد يواجههن”.

تدعم وزارة الشؤون الاجتماعية عمل الجمعية التي تتواصل مع جمعيات أخرى تعمل في الحقل نفسه، كما تعتمد على المساعدات والهبات، ويعمل فيها فريق متعدد الاختصاصات لما فيه منفعة النساء على المستوى النفسي والاجتماعي والطبي والتعليمي والمهني، ويتألف من أخصائيات في العمل الاجتماعي، مستشارين على المستويات الاجتماعية والقانونية والصحية والروحية، مرافقات تربويات، معالجين نفسيين ومساعدين متطوعين في ميادين عدة.

تحت مرتا الخادمة ومريم المتأملة بالحب، يشكل مركز “جماعة مريم ومرتا” في عجلتون واحة “خدمة وإصغاء”، تحتضن نساء مهمشات يتأرجحن بين ظلم المجتمع ووزر الخطيئة، واحة ترفع على مداخلها “المحبة الكاملة تطرد الخوف من القلوب”، وتلبي دعوة الكنيسة في المشاركة في تحرير الإنسان من كل ما يعيق النمو الأخلاقي والاجتماعي وتلتزم بجعل كلمات يسوع “مرئية”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل