
بتنا على قاب قوسين من إقرار قانون انتخاب نسبيّ على أساس 15 دائرة مع صوت تفضيلي في القضاء، أي كما أرادته القوى المسيحيّة، وذلك لتحرير الصّوت المسيحيّ من كلّ القيود، ما سيؤمّن قدرة انتخابيّة لأكثر من 800.000 ناخب كان صوتهم من دون قدرة تأثير. هذا في المرحلة الأولى. أمّا في المرحلة الثانية، فستؤمّن النّسبيّة بعد إستعادة الجنسيّة التّوازن المنشود الذي نسعى إليه منذ أكثر من ربع قرن.
الأجواء السّائدة في هذين اليومين توحي بأنّ القانون المطروح لم يشكّل عدوانًا لأحد، لذلك عدم إقراره في جلسة حزيران المقبلة لم يعد مسموحًا. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ قراءة إقليميّة جديدة بعد الزّيارة الأميركيّة إلى المنطقة، قد ساهمت في حلحلة لبنانيّة لتحرير ما تبقّى من أصوات مسيحيّة. وما كان ذلك ليحصل لولا وجود رئيس جمهوريّة قويّ بتفاهماته وتحالفاته القديمة والجديدة. لذلك يبقى أن يعمل الكلّ، وعن قناعة، على تمتين تحالفاته الإنتخابيّة على أساس القانون الجديد.
ولن ينفع بعد اليوم أيّ تعطيل. لا بحجّة اقتلاع المسيحيّين من جذورهم ولا بأيّ حجّة أخرى. فضمّ الأقضية المسيحيّة إلى محيطها المسيحي لعدم تذويبها في محيط يفوقها ديمغرافيًّا، يؤمّن القدرة التأثيريّة من خلال تحرير هذه الأصوات من ربقة أكثريّة لا تشبهها انتخابيًّا. وهذه المسألة وحدها تثبّت أهالي الأطراف في قراهم وتعطيهم الحافز للبقاء في دساكرهم صامدين وفاعلين مع محيطهم.
من هذا المنطلق، سعي النّائب جورج عدوان ليس للعدوان إنّما لإضافة حبكة جديدة في النّسيج اللبناني الموزاييكي، وذلك لشدّ أواصره اجتماعيًّا وثقافيًّا وصولاً إلى دمج المجموعات الحضاريّة اللبنانيّة في إطار ديمقراطيٍّ نسبيٍّ تحفظ من خلاله المناصفة اللبنانيّة، مهما تعاظمت الضّغوطات الدّيمغرافيّة. فما قام به النّائب عدوان ليس بعجيبة إنّما قدرة وطنيّة جامعة يملكها فكر “القوّات اللبنانيّة” منذ زمن شارل مالك والأباتي شربل قسيس والرّئيس الملك كميل شمعون وصولاً حتّى الرّئيس الشّهيد الشيخ بشير الجميّل وحتّى الرّئيس الحالي لحزب “القوّات اللبنانيّة”، الدّكتور سمير جعجع، الذي تجرّأ كما دائمًا في 18 كانون الثّأني 2016، وجمع ما فرّقه المغرضون ببركة سيّدة لبنان ويسوع الملك. وما جمعه الله لن تفرّقه أيّ قوانين من وضع البشر، أو مجالس للشّيوخ غير واضحة معالمها بعد.
والعمل اليوم على تأمين كلّ التّوافق على هذا القانون من خلال تأمين الضّوابط والضّمانات لكلّ الأفرقاء، للذّهاب بعدها إلى إقرار هذا القانون، أو حتّى التّصويت عليه لإبعاد شبح الفراغ والتّمديد وأيّ عاقبة قد لا تحمد عقباها. وهذا القانون سيكون لحساب الوطن وليس لحساب فئات أو أشخاص، وسيسمح لمجموعة من المستقلّين من خارج المحادل الإنتخابيّة بالوصول إلى النّدوة البرلمانيّة.
فلا يزايدنّ أحد على أحد بعد اليوم ويسارع إلى تبنّي هذا القانون في محاولة منه لتحقيق مكسب تحرير الأصوات. فمن بكركي وحدها انطلق وإليها وحدها يعود. و”القوّات اللبنانيّة” لم تكن يومًا خارج عباءة بكركي، ومن تساوره أيّ شكوك فليقرأ التّاريخ.
من يريد العدوان ليس “العدوان” ولا “القوّات اللبنانيّة”. فمن يضمر للبنان فرض الإنخراط في الصّراعات الإقليميّة بحجج واهية، وحده يضمر العدوان؛ أمّا من يعمل بروحيّة المؤسّسات من حيث التّعاطي بملفّات شائكة كتلفيزيون لبنان، أو ملفّ النّزوح السّوري، أو حتّى في وزارة الصحّة بشهادة الخصوم قبل الحلفاء، فهو من يحارب العدوان وليس “العدوان”.
لكن ماذا لو تمسك أصحاب القدرة التّأثيريّة بواسطة السلاح بقدراتهم وأدخلوا لبنان في مواجهة جديدة، لا سيّما وأنّ شهر تمّوز بات على الأبواب؟ وهل سيعمد الثّنائي الشّيعي على تفجير العدوان بحجّة عدم نقل المقاعد؟