من يدعم «حشيشة» دير الأحمر الأصيلة؟

«أمّنوا لنا البديل». إجابة واحدة مُوحّدة على سؤال «لماذا تزرعون الحشيشة (نبتة القنب الهندي)؟» لجميع مزارعي البقاع، وخصوصاً مزارعي منطقة دير الأحمر. عجزت السلطة اللبنانية عن إيجاد حلّ لزراعة «الحشيشة» أو إيجاد زراعات بديلة ودعمها بشكل منتج وفعّال. في السنوات الأخيرة خرجت نبتة من أرض دير الأحمر الصلبة، مزروعة بعرق جبين كبارها، تنقل تراث لبنان بدعسات شيبها وشبابها إلى تراب الوطن بألوانه المختلفة، وإلى العالم الواسع.منذ العام 1986 تبنّى أهل «الدير» «دبكة دير الأحمر» ودعموها في الحرب والمرض والتعب… والحفاظ على «الدبكة» أمانة مُتناقلة من جيل إلى جيل ومن أرض إلى أرض في دير الأحمر. فهل من يدعم استمرارية تناقل صورة هوية ضِيَع تغرق في بحر المدن المُتمدِّد؟ الصورة اللبنانية المُوحّدة لجميع هوياته؟

 

عندما ينادي الواجب «نحن جاهزون». الواجب الوطني ليس فقط بحَمل السيوف لردّ العدوّ والدفاع عن الأرض، بل بحمل السيف وشبك الأيدي من أجل الفرح والوطن والدفاع عن هويّة تراث. في العام 1986 جمع سامي الجميّل «دبيكة» دير الأحمر وأسّس فرقة للمشاركة في برنامج «نادي النوادي».

 

من حينها بدأت الحكاية، توقّفت عام 2000 بسبب مرض المؤسس المُدرّب. وعادت عام 2013 عندما نادى الواجب من جديد. وطالما القلب لم يتوقّف، تظلّ «دبكة دير الأحمر» تنبض حياة.

 

إستقبال قداسة البابا

 

تُعتبر «الدبكة» من تراث بلاد الشام، وتتنوّع من بلد إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى داخل البلد الواحد. ويُعتبر البقاع اللبناني «أرض الدبكة».

فرقة «دبكة دير الأحمر» لم تَنل الدعم إلّا من أهالي الدير، على رغم أنها شاركت بعدد كبير ومُهمّ من المناسبات الوطنية، مجاناً، وذلك بدعوة مباشرة من المعنيين بهذه المناسبات، لأنها تنقل صورة نظيفة عن لبنان ولأنها مُنتج وطني ومفخرة وطنية.

 

ومن أبرز هذه المناسبات، استقبال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في القصر الجمهوري، بطلب من رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي. وبعد توقّف دام لأكثر من 10 سنوات، دخلت دبكة دير الأحمر عالم الأضواء مُجدداً، لتُشكّل مفخرة للجيل الجديد كما القديم، فشاركت في الدورة الأولى لمهرجانات الأرز الدولية عام 2015 بعد إعادة إحيائها، كما طُلبت للمشاركة في عدد من البرامج التلفزيونية، منها: «ستار أكاديمي»، «ديو المشاهير» وآخرها arabs gots talent 2017، حيث أبهرت لجنة التحكيم والمشاهدين، على رغم أنها لم تتأهّل إلى المرحلة نصف النهائية.

 

طلب الدبكة لإحياء الأعراس

 

تتبع «فرقة دير الأحمر» إلى النادي الثقافي الرياضي-دير الأحمر، وهو المعنيّ مباشرة بمشاركة الفرقة في أي مناسبة، وهو المسؤول عن الشق الإداري اللوجستي. ويوضح رئيس النادي المهندس رولان جريش، في حديث لـ»الجمهورية»، أنّ «عدداً من مشاركات «الدبكة» يكون مجانياً وعدداً آخر غير مجاني، وذلك بحسب نوع المناسبة أو الإطلالة».

 

الوضع الصحي للمدرب سامي الجميّل الذي رافق الدبكة منذ تأسيسها، وعدم متابعة شؤون النادي أدّيا إلى توقف الدبكة لعدد من السنوات. في العام 2013، وبعد تجديد رخصة النادي وإعادة الاهتمام بالشؤون الثقافية والرياضية والاجتماعية في دير الأحمر من قبل مجموعة من الشباب، تمّ التواصل مع الجميّل لإعادة إحياء فرقة الدبكة. حماسة الشباب انتقلت إلى الرجل السبعيني، ما أدّى إلى قبوله إعادة استلام قيادة الدبكة وتدريب الفرقة.

 

ويشير جريش إلى أنّ «طلب الدبكة للمشاركة في الأعراس يتزايد وأصبح هناك عدد من الناس الذين يفضّلون الدبكة على الزفة، خصوصاً فرقة «دبكة الكبار».

 

التراث والفولوكلور

 

منذ تأسيسها، تتألّف «دبكة دير الأحمر» من فرقتين، «فرقة التراث» التي تضمّ الكبار في السن، و»فرقة الفولكلور» التي تضمّ الشباب. والذي كانوا شباباً وضمن فرقة الفولكلور في العام 1986 أصبحوا اليوم كباراً في السن وضمن فرقة التراث، وأولادهم أو أحفادهم يرقصون إلى جانبهم في فرقة الفولكلور. وتتألّف كلّ فرقة من 24 شخصاً.

 

منذ العام 1986 فقدت الفرقة عدداً من «الدبّيكة»، وتتراوح أعمار «الدبّيكة الكبار» اليوم بين الخمسين والثمانين سنة، من بينهم امرأة ترقص بالإبريق عمرها 75 سنة، ورجل يعزف على المجوز مع الفرقة منذ العام 1986.

 

وما يميّز دبكة دير الأحمر، أنها لا تكتفي بـ»الدبكة» البسيطة، بل يقوم مؤسسها بتصميم اللوحات الراقصة التراثية، وتركيب المشهديات.

 

من دعائم فرقة «الأنوار»

 

مؤسس فرقة دير الأحمر سامي الجميّل، كان من دعائم فرقة «الأنوار» التي انطلقت في مهرجانات بعلبك في الستينات وأطلقتها، وجالت العالم لتُمثّل لبنان. كما شارك في فرقة كركلا، وأنشأ فرقة «دبكة دير الأحمر» عام 1986 للمشاركة في «نادي النوادي»، وعند مرضه ترك الفرقة عام 2000 ولم يعد يستطيع تدريب أعضائها.

 

ويُعلن الجميّل عبر «الجمهورية» عن استقبال الفرقة المغتربين اللبنانيين الآتين من عدد من الدول الغربية خلال مهرجان المروج في 8 تمور المقبل».

وعن أبرز الذكريات مع فرقة دبكة دير الأحمر، يُخبر عن المشهد الوطني الكبير، الذي تُخلّده صُور تملأ جدران منزله في دير الأحمر، وهو «استقبال فرقة دير الأحمر، المُكوّنة من 64 شخصاً، قداسة البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني عام 1997 في القصر الجمهوري».

 

ويتذكّر حادثاً أليماً، بسخرية، ويقول: «في العام 2004 حين كانت الفرقة متوقفة، طلبت منّا محطة تيلي لوميار المشاركة في سهرة في جونيه، فجمعتُ عدداً من «الدبيكة» ونزلنا من دير الأحمر، وكانوا جميعهم كباراً في السن ومصابون بأمراض، فأخذت أتأمّلهم في طريقنا إلى جونيه وأقول في نفسي «شو كان بَدّك بهالشغلِه ما يقوم يموت حدا مِنُن مَعك». وبعد انتهاء السهرة كنت أنا الذي تعرّض لذبحة قلبية».

 

ما زالت فرقة دير الأحمر معتمدة على مؤسسها ومصمم لوحاتها سامي الجميّل، الذي يقول إنّ ما يميّز دبكة دير الأحمر عن بقية فرق الدبكة: «اننا «نلوّن» ونغيّر الصُور في دبكتنا».

 

وعن دعم الدولة، يقول: «في لبنان لا يمكن طلب شيء، على الانسان أن يفعل كل شيء بمفرده وعلى عاتقه».

 

يبرز الاهتمام المحلي والخارجي بالرقص الشعبي وبالدبكة، التي من المُمكن أن تكون رسالة ومهنة في آن. فهل من يشبك يد المسؤولية بأيدي رجال «دير الأحمر» ونسائها وشبابها وكلّ منطقة تحمي تراث لبنان وتحمله؟ هل من الممكن التأمّل بدعم رسمي؟!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل