
كتب ربيع زعيمية في مجلة المسيرة – العدد 1612:
تتمتع وسائل الإعلام الحديثة بالقدرة على إيصال رسائلها بسهولة نظرا لتعدد القنوات الإعلامية ووسائط الاتصال التفاعلية، ولكن المشكلة تبقى متعلقة بمضامين تلك الرسائل. وهذا المقال يسعى للتأكيد على الدور المأمول من طرف الإعلام في محاربة العنف والتطرف من خلال تعديل محتوى خطابه وتبني النموذج المعتدل وخلق القدوات الإيجابية.
1-أهمية الوسائط الإعلامية:
إن الوسائط الإعلامية بمختلف أشكالها تلعب دورا مهما في ترسيخ الكثير من المفاهيم والتصورات لدى الأفراد، وتُهيؤهم لتقبل اتجاهات جديدة أو تُنفرهم منها، وتُولد لديهم الحماسة والرغبة لاقتناء خدمات ومنتجات معينة؛ من خلال تقنيات تسويقية وترويجية معروفة، ولهذا فان الإعلام يتسم بالتخطيط والتنظيم لمضامينه، والدقة المتناهية في تحديد رسائله وغاياته، وبمرور الوقت يتحقق الكثير من الأهداف المسطّرة التي تتبع نسقاً معيناً من الأفكار والتوجهات، وبالتالي فمن السذاجة القول بعشوائية الخطاب الإعلامي وخصوصا في الدول المتقدمة التي تهدف من خلال مجموع وسائطها الإعلامية إلى عملية نمذجة وصقل لشخصية الأفراد والدفع بهم نحو اتجاهات معينة، سواء إيديولوجيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو تربويا أوبيئيا أو سياحيا…
2-دور الخـطاب الإعـلامي:
الخطاب الإعلامي كان دوما خطابا واقعياً، لأنه يصف الواقع عن طريق عملية سرد الأحداث، وصياغتها وتحويلها من جديد، والقدرة على الإقناع، والصحافة كمجال ومهنة، تغيّرت وتحولت من حيث دلالتها. فهناك حضور لأشكال جديدة للممارسة الصحافية حاليا، (صحافة الإنترنيت وتكنولوجيات الاتصال الحديثة). وهي تؤسس بدورها لتغيير جديد في مفهوم مهنة الصحافة ودور الصحافي ككل.
للخطاب الإعلامي دور مهم في إبراز وترسيخ الكثير من المفاهيم في المجتمع، والذي نلاحظه في كثير الدول العربية؛ هو أن الإعلام بشكل عام، يتم استغلاله بشكل ضعيف في خدمة المجتمع والفرد والبيئة، والترويج للايجابية والتفاؤل… وأحيانا نجد السلبية تطغى على الإيجابية في هذا التوظيف والاستغلال، مما نتج عنها آثار سلبية نلاحظ مظاهرها بشكل واضح في لغة خطاب وحوار وحتى فكر شباب اليوم؛ الذي يتسم بالتشاؤمية والأنانية وعدم الثقة وضعف روح الوطنية والسطحية… والتركيز خصوصا على السلبيات، مما أدّى إلى نشوء الحراك والحراك المضاد داخلياً والذي ما زالت آثاره حتى اليوم في تصاعد، في ظل غياب العديد من الأدوات الأساسية التي تعمل على تهدئة الوضع والدعوة نحو التكاتف والتكافل والتعاون، وترسيخ أسُس الأمّان المجتمعي وروح المواطنة الحقّة، لأجل خدمة الوطن والمجتمع والمحيط، وهذا ما نفتقد له اليوم من غياب دور رئيسي للإعلام في توظيف خطابه نحو الدعوة للتكاتف والانسجام؛ وعدم إشاعة السلبيات المجهرية بشكل واسع بين الناس، والإغفال عن الإيجابيات الواضحة للعيان، فللأسف فانالخطاب الإعلامي في غالبيته سيئ في التعامل مع مجريات الأحداث من خلال انحصاره وتفضيله للنموذج التسويقي التجاري، خدمة للمصالح الذاتية وأحيانا للأيديولوجية الفكرية من دون التطرق للنظر في النسيج المجتمعي والتحلّي بروح المسؤولية تجاه الوطن بحيث تترتب التزامات ولنا في المقابل حقوق بالموازاة وكتبعية للمواطنة التي نتمتع بها.
فالصحافة اليومية مُشبعة بأخبار الجريمة والاحتيال والنصبّ، ونجد النموذج الخطابي المُعتمد هو ذلك الذي ينحُو نحو التعميم والسلبية، ونشر محتويات إعلامية تضرّ بصورة الوطن داخليا وخارجيا، فالكثير من الوسائل الإعلامية المحلية وخصوصا الخاصة، تنتهج أسلوب البحث عن الإثارة من أجل رفع نسب المشاهدةوزيادة حجم المبيعات، دون مراعاة لآثار ونتائج تلك المحتويات السلبية التي تؤدي إلى تكريس تعميمات مفادها؛ أنه لا توجد في هذه الحياة سوى: أخبار الجريمة والسرقة والاعتداء، والمشاريع المتأخرة والبطالة وأزمة السكن، والإضرابات والرسوب… وغيرها من المفردات التي تشوه صورة الأنا الجمعي عند الفرد، وتجعله يخسر شيئا فشيئا حماسته، ويبدأ في فقد روابط الانتماء لوطنه ومجتمعه، ويتجه نحو سلوكيات تمردية كالهجرة السرية، التطرف، الإرهاب، الإجرام… فاجترار تلك الأخبار السلبية من طرف الفرد بشكل يومي يؤدي به إلى تقبلها كأمر واقع، وبالتالي تصبح لديه توجهات سلبية تضعف مستوى الطموح والتفاؤلية لديه، مما يؤدي به لفقد الثقة في المجتمع من حوله والأمل في المستقبل أمامه؛ وبالتالي اتجاهه نحو التمركز حول الذات وخدمة الأنانية الفردية.
فالقليل من الوسائل الإعلامية يلتزم الخطاب الراشد الذي ينتقد السلبيات، ويشيد بالإيجابيات وُيثمن المنجزات والمكتسبات، ويُسهم في توعية الأفراد، وتغيير نظرتهم ودعم سلوكهم التعايُشي داخل التجمعات الحضرية، وتكريس مبدأ شعاره: “أن الوطن فوق الجميع وللجميع”.
وعلى رغم طغيان الإعلام الإلكتروني الجديد، كشبكات التواصل الاجتماعي مثل:Facebook -Twitter -Youtube .. إلا أنه – أي الإعلام الالكتروني- يستمد الكثير من مصادره وأخباره من الإعلام التقليدي، وعلى رغم أن الإعلام الإلكتروني يشهد أكبر قدر من التفاعلية والتأثير؛ بفعل انجذاب الأفراد إليه وتخليهمبشكل جزئي عن الإعلام التقليدي،إلا لأن الإعلام الالكتروني زاد الطين بلّة، ووفر مناخا أنتج ثقافة صراع ونبذ وكراهية بين مختلف الأفراد المشاركين فيه، بمختلف منصاته الإعلامية كشبكات التواصل الاجتماعية ومواقع المنتديات …
وهذه الأخيرة – وسائل الإعلام الحديثة – لعبت دوراً كبيراً في تغيير توجهات الفرد وتحريك الشارع وتغيير المجتمع، وما ثورات الربيع العربي ببعيد. وللأسف بصفة عامة، هناك استغلال سيئ للإعلام الإلكتروني من قبل بعض الفئات ذات التوجهات الهدامة والمتطرفة.
3-دور الإعلام السلبي في ظهور التطرف:
السبب في انتشار التطرّف يعود في جزئية مهمة لحالة التناقض التي تعيشها كثير من المجتمعات، بين حالة سيادة كاملة لنموذج تقليدي على المجتمع، تقابلها توجهات مغايرة للإعلام بمجموع قنواته ووسائطه المختلفة، فالفرد يصبح في هاته الحالة في مواجهة خطاب متناقض يتسم محتواه الإعلامي – عموما – بالمبالغة في فرض نموذج الشخصية المتحررة التي تخالف الكثير من متطلبات النموذج التقليدي، إن هذا التطرف في الطرح الإعلامي الأحادي–أحيانا- يولّد حالة من النفور والرفض داخل نفوس الكثير من الشباب المحافظ، والذي يطالب بمزيد من المراعاة للنموذج التقليدي… إن حالة الصراع المتولدة داخل نفوس الشباب بفعل خطاب إعلامي يناقض ما نشِّئوا عليه من أخلاق وقيم وأعراف وتقاليد، خصوصا إذا كان هذا الخطاب موسوما بصبغة الرسمية؛ فإنه يولد حالة من الرفض التراكمي الذي لا يلبث وان يتحول لحالة صراع وإنكار فرغبة في التغيير الإيجابي. للأسف كثير ما تقع فريسة سهلة لخطاب تشددي يقع في نفوسهم موقع إشباع غليل وإرواء ظمأ، بكلمات حق أريد بها باطل، وتستمر حالة الجذب والانجذاب لغاية اندماج الشاب بشكل كلي في مدار فكري تشددي، وظهور قابلية لديه لدعم وتأييد توجهه الفكري -الجديد- ولو بالقوة من خلال الاستناد لمنصة شرعية معززة بفتاوى وتفسيرات متشددة اتجاه سبل التغيير، وبرغم ما يُوجّه للإعلام الموازي من نقد وهجوم؛ إلا أن حالة الانسجام الداخلي للفكر التشددي تجعل رسالته أقوى أثرا وأكثر قابلية للقبول من خطاب الإعلام الخاص أو الرسمي الذي يغلب عليه توصيف التذبذب والضعف والرتابة.
4-دور الإعلام السلبي في إضعاف روح المواطنة:
تعدّ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، مصدرًا مهمًا من مصادر التوجيه، وهي تلعب دورا بالغ الأهمية في تشكيل شخصية شباب اليوم والغدّ، ويمكن الزّعم بأنها إحدى العناصر الأساسية في المساهمة في صقل ملامح مجتمعات المستقبل. وإذا كان دور وسائل الإعلام في أي بيئة مُجتمعية يتحدد بالأثر الذي تستطيع أن تحدثه فيها، فمن الممكن أن نقسّم وسائل الإعلام باعتبار تأثيرها في المجتمعات إلى اتجاهين:سلبي وإيجابي، وذلك باعتبار الهدف الذي يسعى إليه القائمون على كل اتجاه بشكل واعٍ أو غير واعٍ.
ووسائل الإعلام ذات التأثير السلبي غير معنية بما تقدمه للمجتمع وأفراده، ولا تقوم بأكثر من التوصيل لكن دون أسس واضحة، ودون معرفة وإلا ما الغاية المرجوة من كل ذلك الزّخم من الأخبار السلبية التي تؤدي لانهيار المعنويات وغلبة الإحساس بعدم الأمان والتوجس، ما الغاية المرجوة من النبش عن أخبار الجرائم والاعتداءات والاغتصاب وغيرها، مما يفضل الإغفال والتستر عليها.
إن الانشغال بالحالات التي تفسد الحياة، ـ وهذا هو حال الإعلام اليوم ـ كان على حساب الاهتمام بدراسة الحالات التي تجعل الحياة ذات معنى جميل، فالناس بحاجة لما هو أكثر من مجرد معرفة ووصف ما لديهم من نقاط ضعف، فهم يريدون حياة ذات معنى، لا يريدون أن تضيع حياتهم وهم يحاربون ضعفهم. فما يؤرقهم ويدعوهم للتفكير أن يتقدموا في حياتهم من تحقيق إيجابيات محدودة إلى تحقيق إيجابيات أكبر… مقابل تفكيرنا في تحسين نقائصنا الكثير حتى تصبح أقل… وبذلك أصبح أقل شعورا بالبؤس يوما بعد يوم..
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]