
أظهرت دراسة برازيلية حديثة أُجريت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2017 على عيّنة من 500 امرأة، أن العامل الأساسي لخسارتهنّ الوزن هو الكذب. فقد خلُص العلماء الى أنّ هذا الأخير يُفرز إحدى الأنزيمات(enzyme) المساعدة على حرق السعرات الحرارية، ليتفوّق بفعاليته على رقص السامبا الذي تشتهر به البلاد.
قد يبدو هذا الخبر صحيحاً. لمَ لا طالما عناصر المعلومة مكتملة ومنطقية وطالما ينشره موقع إلكتروني “مرموق” تتابعه الآلاف؟
لكن… وتداركاً لانتشار الشائعات وحرصاً على صدقيّة موقعنا، يهمّنا أن نوضح أن هذه الدراسة لا تمتّ الى الواقع بصلة وهي من نسيج خيال كاتبتها. أفلا يحقّ لها أن تملأ الخانات بأخبار ترفع نسبة القرّاء بينما ترفع هي رجليها مرتاحة؟ أليست هذه “الموضة” اليوم في بعض المواقع الإلكترونية؟
هناك، بين أروقة مطابخ “التحرير”، أسرى جهل و”قلّة مروّة” يتسابقون على الثانية لنشر كل جديد… فيحرقون الطبخة! وما همّهم من مصدره، دقّته، صحّته… طالما “بجيب clicks”.
رئيس دولة يحتضر في المستشفى! تفتّش في المواقع الأجنبية فتجده “مشلّشاً” على كرسيّه يعيش بأفضل أحواله. حزب خطف طائرة! يتبلبل البلد لساعات… يقوم ويقعد قبل أن يتبيّن أنّ “موريس خبّر اللي بحبّن”. أطباق عالمية تحتوي دودة… يخترب بيت المطاعم التي تقدّمها طوال شهر، لأن حضرة جناب الكاتب المطّلع لم يتطلّع أبعد من أنف “بينوكيو” ليتقصّى حقيقة الموضوع ومصدره. طبعاً! فهو أفهم من الإختصاصيين جميعهم ولا حاجة للعودة إليهم في خبر لا يعدو كونه متفرّقات. متفرّقات تقصف المدماك شبه الوحيد الذي يتّكئ عليه البلد: السياحة.
ولعلّ التحفة الإبداعية الأسمى هي “همس” المصادر في الآذان الطرشاء! ويا ويلاه من هذه المصادر التي تغزو المواقع لتكشف عن… لا شيء سوى تأويلات كاتبها وتمنّياته.
غريبٌ أمر صحافيّي بعض المواقع الإلكترونية. متعدّدو المواهب والمعارف. يقفزون بين المجالات كمن تفوق خبرته فيها سنين عمره.
هذا الذي كانت أمه تفشّخ على جاراتها “يقبرني رح يطلع حكيم” فبدّد آمالها بعد أوّل دورة في تقديم البريفيه… تراه “مصدّق كذبة إمّو ومتخايل حالو طبيب”، ينشر عن الصحة “شو بيطلع قدّامو من خرافات التّيتا”.
وتلك التي تظن نفسها جاحظ العصر، تعصر أفكارها الشحيحة وتصبّها على الطبخة نفسها… فتجمّر. ناهيك عن العناوين الدسمة والمضامين الـ”لايت”، الأخطاء اللغوية الشائعة والقواعد الفاقعة… وما الهمّ من رفع النصب طالما الكتابة رفع عتب أو إظهار الضمير طالما حقيقةً غائب؟!
لن أكون ظالمة. فالمسؤولية المطلقة لا تقع على كاهل المواقع وكتّابها فقط، وأنا واحدة منهم، إذ لدى المتصفّح ملء الحرية لتصديق الخبر أم لا. لكن علينا كوسائل إعلام متّهمة بإلغاء سلفها العريق، أن نحترم مهنيّتنا أولاً وذكاء القارئ ثانياً وثقته ثالثاً، حتى لا نُتّهم أيضاً بتعميم الجهل. فالكذب يفقد الوزن. وهنا المعلومة صريحة.
إذاً يا أيها الصحافيون، إكذبوا قدر ما شئتم وافقدوا وزنكم الاجتماعي، احرقوا الإسم المقترن بقيمة كتاباتكم وانضمّوا الى صفوف المنسيّين. وأنت أيتها الصحافة الإلكترونية ألفي ما شئت، بدّدي صدقيّتك وتألّقك المستعار واخسري ولاء جمهورك “اللي مش عايز كده”، فالثقة يا عزيزتي، مقياس النجاح… لا الأرقام.
