كتبت “المسيرة” في العدد ـ 1613
يوم الجمعة 26 أيار الماضي كانت الأمينة العامة لـ”القوات اللبنانية” شانتال سركيس ضيفة “المسيرة”. ليست جديدة على العمل السياسي. بحكم خبرتها التي اكتسبتها من خلال عملها كمستشارة لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان، انتقلت الى العمل السياسي والتنظيمي داخل “القوات”. وبحكم خبرتها الطويلة في قضايا الانتخابات النيابية وأنظمتها التي كانت موضوع أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه كانت في صلب الحركة القواتية المواكبة للوصول الى قانون انتخابات يؤمن صحة التمثيل بالشكل الأفضل. عن تجربتها بين الأمم المتحدة و”القوات” وقوانين الانتخاب، كان معها هذا الحوار.
كم من الوقت استلزم اتخاذك القرار للانتقال الى “القوات”؟
يومين ثلاثة. كنت على تواصل مع الدكتور سمير جعجع خلال عملي في الـUN. عندما عرض عليّ الانتقال الى معراب للعمل كمستشارة سياسية له كنت وصلت الى أعلى منصب يمكن أن أكون فيه في الـUN. عُرٍض عليّ الانتقال الى الخارج للعمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك رفضت ولامني كثيرون من الذين يعملون معي في المكتب. ولكن لم أندم على ذلك لأنني كنت أفضّل البقاء في لبنان وما كنت أريد أن أترك كل ما عملت له هنا. العرض كان مغريًا ماديًا ولكن كل ذلك سيؤثر على عائلتي، مع أن عقد عملي كان موقعًا من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون شخصيًا وكان يحق لي بتعويض نهاية الخدمة.
متى بدأت الاهتمام بموضوع الانتخابات؟
منذ العام 2005. اشتغلت مع منظمة IFES الدولية للنظم الانتخابية التي كانت تتعاون مع لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس المكلفة وقتها وضع قانون للانتخابات. كنا نقدم المعلومات التقنية للجنة وكان التمويل من منظمة USAID. تعاونا مع خبراء دوليين قدموا للجنة كل المعلومات المطلوبة حول الأنظمة الانتخابية. بدأت أدخل أكثر في الموضوع الانتخابي، خصوصًا مع طرح المشروع المختلط في لجنة فؤاد بطرس. في العام 2006 كان الدكتور جعجع لا يزال في الأرز، وكانوا يحضّرون لإنشاء جهاز تفعيل دور المرأة. أتصلوا بي للمشاركة. زرته وكنت التقيته سابقاً أكثر من مرة. تطرقنا الى موضوع الانتخابات وكان رأيي عدم القبول بقانون الستين على رغم أنه كانت هناك مطالبة به على أساس أنه يؤمن التمثيل المسيحي. في اليوم التالي دعاني الى اجتماع لمعرفة السبب وطلب مني دراسات حول الموضوع. لم يكن الأمر علنيًا بحكم وظيفتي الرسمية الدولية.
بعد ذلك شاركت في مؤتمر الدوحة في أيار 2006 بصفتي أعمل مع المنظمة وكان الدكتور جعجع يريدني الى جانبه وجانب النائب جورج عدوان خلال البحث في موضوع قانون الانتخابات. أخذت الفيزا على المطار بصفتي IFES. عدنا الى لبنان وشاركت في التحضير لانتخابات العام 2009 مع الوزير زياد بارود. بعد انتهاء الانتخابات قررت ترك IFES وانتقلت الى الـUN كمستشارة سياسية في مكتب ممثل الأمين العام وبقيت حتى آب 2016. كنت مطلعة بحكم عملي على القضايا السياسية المحلية ومن ضمنها قانون الانتخابات. في هذه المرحلة تابعت دراسة الدكتوراه، ولأنني كنت أتابع الانتخابات سياسيًا وتقنيًا بالتفاصيل، اخترت موضوع النظام الانتخابي في لبنان. وكانت المسألة سهلة بالنسبة إليّ لأنني كنت قد أنجزت معظم الدراسات المطلوبة وحصلت في النتيجة في العام 2013 على درجة جيد جدًا. كل القوانين التي تقدمت بها “القوات” منذ قانون الخمسين دائرة أنا حضّرتها، وفي اجتماعات بكركي كنت الى جانب النائب جورج عدوان حتى في اللجنة التي ترأسها خلال الإقامة في فندق “إتوال” في وسط بيروت قرب المجلس النيابي. وكان معنا دانيال سبيرو. كانت تجربة حلوة تعلمت فيها أمورًا كثيرة.
في مرحلة الانتخابات البلدية في العام 2016، كنت صرت على علاقة مع معظم المسؤولين السياسيين نتيجة اللقاءات التي كنت أجريها معهم بحكم عملي في مكتب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في بيروت. وصلت الى وقت اعتبرت فيه أنه صار لازم أترك. كنت أنزل وأشارك في المظاهرات ولكن لم أكن أستطيع أن أعمل ذلك علناً. خلال الانتخابات البلدية في القبيات كنت أتابع مع الدكتور جعجع الانتخابات. في اليوم التالي، بعد انتهاء المعركة، اتصل بي الدكتور جعجع وطلب مني الاجتماع به. عندما أصرّ أدركت أن الموضوع لا يتعلق بالبلدية. عندما التقيته طلب مني تقديم استقالتي من الأمم المتحدة والانتقال الى معراب كمستشارة سياسية له. قبل أسبوع كان عُرِض عليّ وظيفة مديرة مكتب الانتخابات الخاص باليمن في الأردن، وهو يتبع الأمم المتحدة أيضًا. كان العرض مغريًا وكان جديرًا بالدرس. عرضت الأمر على زوجي جان الذي يعمل في مجال حقوق المرأة والديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات. بدأنا البحث عن طريقة للانتقال الى الأردن وعن مدرسة لأولادنا. قلت للدكتور جعجع إن لدينا عرض عمل في الأردن. قال: شو بدّك بالأردن. لم يستغرق اتخاذ القرار وقتاً طويلاً. تشاورت مع زوجي وقررنا الموافقة. قدمت استقالتي من الأمم المتحدة من دون أن أبلّغ عن وجهة عملي الجديدة. أول آب 2016 كان آخر يوم عمل لي هناك. أخذت إجازة لمدة شهر وبدأت العمل في معراب أول أيلول. بدأنا نحضر للانتخابات ونظمنا خلوات للمنسقيات في المناطق حول مواضيع التحالفات والخطاب الانتخابي وإدارة العملية الانتخابية ومعرفة ما تريده القاعدة، بحسب كل منطقة ووضعها وأهمية احتساب الصوت التفضيلي والقدرة التجييرية والفرق بين قوانين الانتخابات.
كان يوم جمعة. قال لي: العمل الذي تقومين به ليس عمل مستشارة. إنه عمل أمينة عامة. عم فكر عيِّنك أمينة عامة. ما كنت مفكرة بهالموضوع. تفاجأت. كنت أعتقد أنه سيكون عمل تنظيمي بحت بينما أنا أهتم بالملفات السياسية التي لها علاقة بالدولة والحكومة والسياسيين. فكرت أكتر شي بالدوام. كمستشارة كان بإمكاني تنظيم أوقاتي. تشاورت مع زوجي لمدة يومين في القبيات. كيف بدي إهتم بالأولاد؟ كيف سأبقى في العمل خلال الليل. كانت المسألة محرجة. كيف سأقول له لا؟ الاثنين طلعت على معراب ووافقت. كان عندي اجتماع. وطلعت المذكرة. وبدأت الاتصالات المهنئة تردني.
الى أين في قانون الانتخابات؟
جرّبنا نحصّل أفضل ما يمكن على مراحل. عملنا معركة على المختلط مع الوزير جبران باسيل. بعد رفض المختلط صرنا أمام خيارات صعبة بين الستين والفراغ والتمديد. ذهبنا الى النسبية مع 15 دائرة، إضافة الى الصوت التفضيلي ونقل المقاعد. لا شك في أنه إنجاز كبير تحقق بعد عشرة أعوام من العمل الحثيث للوصول الى قانون انتخابات يحقق النسبة الأفضل من التمثيل، منذ العام 2007 حتى العام 2017. كنا مع النائب جورج عدوان نعمل بصمت للوصول الى هذا القانون، وهو كان تسلم الملف من الناحية السياسية والتسويقية ولم يتعب. جرَّب كل المحاولات داخل اللجان النيابية والسياسية وفي اجتماعات بكركي للأحزاب والتيارات المسيحية وصولاً الى المساعي التي حصلت في المدة الأخيرة.
هذا القانون مقارنة مع الستين والنسبية في دائرة واحدة أو دوائر كبرى موسعة يشكل تغييرًا كبيرًا من حيث تأمين صحة التمثيل المسيحي ويعطي أملاً للبنانيين جميعًا أن كل الأطراف سيكون لها مساحة تتمثل فيها بحيث لا يعود هذا التمثيل احتكارًا لأكثريات محددة.
لماذا حصل الاختراق؟
أعتقد أننا وصلنا جميعًا الى مأزق وصار الكل بدهم مخرج. حصلت تغييرات في المعطيات السياسية وفي لعبة الأحجام. لذلك لما طرحنا هذا المشروع كان بمثابة الفرصة التي شكلت القاسم المشترك بين الأفرقاء المختلفين. كان العمل يتم بصمت وبعيدًا من الإعلام وبالتنسيق مع “التيار الوطني الحر” والوزير جبران باسيل. هذا المشروع بات يعطي أملاً للناس الذين كانوا يشعرون أن لا قيمة لأصواتهم وأنهم مهمشون، فصار اليوم لكل صوت قيمة.
ماذا عن تحضيرات التنظيم الداخلي في “القوات” وعن عمل الأمانة العامة؟
الأمانة العامة في “القوات اللبنانية” ليست عملاً تنظيميًا إداريًا فقط. “القوات” حزب منظم ويسعى الى الكمالية، ولتحقيق هذا الهدف يتم العمل على مستويين: إداري وسياسي.
على المستوى الإداري هناك ورشة كبيرة في المناطق والأجهزة والمصالح. هدفنا أن تصير “القوات” مثل الحكومة الإلكترونية DLF أي Digital Lebanese forces، وبالتالي تصبح كل المراسلات والمعاملات الداخلية تتم بهذه الطريقة لتصير القيادة أقرب الى القاعدة داخل لبنان وخارجه. وهذا الأمر يسهّل تقييم الأداء الحزبي وكيفية اختيار المسؤولين. هناك ورشة تنظيمية بدأت في أيلول 2015 ومستمرة تحضيرًا للانتخابات النيابية. وبعد الانتخابات ستكون هناك أولوية للمؤتمر الحزبي العام. لأننا نؤمن بالعمل المؤسساتي نطمح لتكون «القوات» مؤسسة للأجيال الآتية قائمة بأنظمتها الداخلية وليس على الشخصانية، لكي تبقى “القوات” حاملة أمانة الشهداء وكل مصابي الحرب.
ماذا عن المستوى السياسي والحكومي؟
دور الأمانة العامة يكون على مستوى إعداد الملفات الحكومية والحياتية والسياسية والمتعلقة بنطاق العمل الوزاري واقتراحات القوانين لتكون هناك قيمة مضافة لما يقوم به وزراء “القوات”. وهذا يحصل بجهود فريق عمل يتابع الملفات ويضم مجموعات متخصصة في عمل كل وزارة، من الموازنة الى الكهرباء والبيئة وغيرها. فـ”القوات” تشارك للمرة الأولى في الحكم بهذا الحجم، وهي تريد أن تقدم نموذجًا للعمل الحكومي المؤسساتي غير القائم على الفردية، والملفات التي يتم درسها وتحضيرها يُقرّها رئيس الحزب والهيئة التنفيذية. إنه عمل دقيق ومتعب يقف وراءه جنود مجهولون في “القوات”. والنموذج الذي تقدمه “القوات” في هذا المجال صعب لأننا نرفض أن نعمل في السياسة من زاوية الزبائنية والخدمات الخاصة. ونحن على ثقة أنه من الواجب أن يتم اختيار الممثلين في المجلس النيابي على أساس القناعة السياسية أولاً لا على تغطية المخالفات مثلاً. دورنا إصلاحي على المستوى السياسي لنرتقي بالقاعدة الشعبية لتنظر الى القضايا السياسية من زاوية القضية التي تحملها لأن من يأخذ أصوات الناس بالخدمة الخاصة يبيعهم من أجل خدمة شخصية خاصة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
