بلياردو الإنتخابات… قصة القانون


كتب نجم الهاشم في مجلة المسيرة – العدد 1613:

منذ العام 2005 بدأ البحث عن قانون جديد للإنتخابات. العنوان الرئيسي الذي أعطي للبحث عنه هو تأمين صحة التمثيل المسيحي من خلال اعتراف عام بأن القوانين الإنتخابية السابقة ظلمت المسيحيين ومن غير الجائز أن يستمر هذا الظلم بعد انتهاء عهد الوصاية السورية. اليوم بعد 11 عاما ومخاضات عسيرة ثمة قانون جديد يولد يمكن أن يصحح التمثيل النيابي بنسبة كبيرة ويكون مدخلا إلى مرحلة سياسية جديدة في لبنان تكتمل معه الخطوات التي مشاها تحالف «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» من تفاهم معراب إلى انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية إلى تشكيل الحكومة واختيار الوزراء، وصولا لاحقا إلى الإنتخابات النيابية على أساس القانون الجديد التي سيعقبها حتما تشكيل حكومة جديدة تعكس صحة التمثيل السياسي والنيابي.

لم تدخل «القوات اللبنانية» معركة الوصول إلى قانون جديد للإنتخابات في الأشهر الأخيرة منذ أخذ نائب رئيس حزب «القوات» النائب جورج عدوان المبادرة ليطرح مشروع الحل الوسط الذي يشكل المخرج المناسب للجميع بعد الوصول إلى المأزق. فقد كانت «القوات» في قلب هذه المعركة منذ العام 1992 ولم تبدل موقفها وبقيت في هذه المعركة بعد العام 2005 ومنذ تشكيل الهيئة الوطنية لقانون الإنتخابات برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس على أيام حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وبعد انتخابات العام 2005 التي أعطت قوى 14 آذار الأكثرية النيابية ولكن على أساس التحالفات التي قامت وإن على قانون العام 2000 الذي سمي قانون غازي كنعان.

لم تكن الأكثرية هي المطلوبة حصرا بل صحة التمثيل لكي تكون المشاركة متوازنة وثابتة. عدة عوامل حالت دون تحقيق هذا الهدف على رغم أن لجنة بطرس توصلت إلى وضع قانون يجمع بين النسبي والأكثري من دون أن يتم الأخذ به. أهم هذه العوامل الإنقسام المسيحي الحاد خصوصا بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية» وبعده الإنقسام العامودي بين 8 و14 آذار. كانت الحسابات التي تتحكم بمسألة الوصول إلى قانون جديد تتركز على من يمكنه أن يحصل على الأكثرية النيابية؟ 8 أو 14 آذار؟ قبل البحث عن تأمين صحة التمثيل المسيحي ولذلك لم يتم الوصول إلى قانون جديد خصوصا بعد اعتماد «حزب الله» خيار الحل العسكري والإنقلاب في عملية 7 أيار 2008 قبل انتخابات العام 2009 التي حصلت على أساس التفاهم الذي حصل في الدوحة وتم في خلاله تصوير العودة إلى أساس قانون الستين مع بعض التعديلات وكأنها انتصار للتمثيل المسيحي، ولكن الواقع لم يكن كذلك. صحيح أن قوى 14 آذار حصلت على الأكثرية النيابية، إلا أنها لم تستطع أن تستعملها لتشكيل حكومة على قاعدة أن الأكثرية تحكم والأقلية تعارض ونتيجة هذا الوضع كان الإنقلاب السياسي على حكومة الرئيس سعد الحريري وخروج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار وتشكيل حكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي من دون 14 آذار.

في العام 2011 بعد انتخاب المطران بشارة الراعي بطريركا للطائفة المارونية حدث تحول لافت على الصعيد المسيحي عندما التقى العماد عون والدكتور سمير جعجع والرئيس أمين الجميل والنائب سليمان فرنجية في بكركي. كانت هناك محاولة لتصحيح الحضور المسيحي على مستوى السلطة والدولة عن طريق الفصل بين الخلافات المسيحية وبين المصالح المشتركة. وعلى هذا الأساس تم البحث في مسألتين: انتخاب رئيس جمهورية يمثل بيئته وتأمين التوازن النيابي داخل مجلس النواب عن طريق الوصول إلى قانون انتخابات يعكس التمثيل المسيحي الصحيح.

في تموز 2012 كانت اللجنة المسيحية المشتركة التي تابعت اجتماعاتها في بكركي تتوصل إلى نتائج عملية في البحث عن قانون جديد للإنتخابات. انطلق البحث عمليا على أساس التدرج في مشاريع القوانين التي تؤمن التمثيل الصحيح على قاعدة المناصفة الحقيقية التي نص عليها الطائف، وبالتالي تدرج البحث من مشروع القانون الأرثوذكسي إلى مشروع الدوائر الصغرى وصولا إلى النسبية على أساس 15 دائرة مع الصوت التفضيلي الواحد.

في 7 آب 2012 أقرت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مشروع قانون جديد للإنتخابات يقوم على النسبية في 13 دائرة. عارضت «القوات اللبنانية» هذا المشروع مباشرة لأنه لا يتماشى مع ما تم الإتفاق عليه في بكركي. في الأساس انطلقت «القوات» من مسألة احتمال طرح قانون الدوائر الصغرى. هي طرحت 61 دائرة ولكن بنتيجة المفاوضات تم الإتفاق على أن تكون الدوائر خمسين بحيث يكون عدد النواب في كل دائرة اثنين أو ثلاثة وكاد هذا المشروع أن يكون مشروع 14 آذار بعد موافقة الكتائب والنائب بطرس حرب عليه وبعد زيارة الرئيس فؤاد السنيورة إلى بكركي ليعلن باسم «تيار المستقبل» أنهم مع هذا القانون لأنه يريح المسيحيين «وسنسير به».

لأن اللعبة كانت بين 8 و14 آذار كان يكفي أن يرفض أي طرف منهما المشروع الذي يستشف منه أنه يمكن أن يؤمن الأكثرية للطرف الآخر. عندما جوبه مشروع القانون الأرثوذكسي بالرفض ذهبت «القوات» نحو القانون المختلط واتفقت عليه مع «تيار المستقبل» والحزب التقدمي الإشتراكي وكان الرئيس نبيه بري بدوره تقدم بمشروع مختلط يجمع مناصفة بين النسبي والأكثري، ولكن كل هذه المشاريع بقيت على رفوف الإنتظار.

كان المطلوب التوصل إلى قانون جديد قبل أن يستحق موعد الإنتخابات النيابية في العام 2013. في تشرين الأول 2012 تشكلت اللجنة النيابية المصغرة بحثا عن قانون جديد وعقدت اجتماعاتها في أحد الفنادق قرب مجلس النواب وأعطيت مهلة ثلاثة أسابيع. كان مشروع القانون المختلط هو الأساس على طاولة البحث ودائما تحت عنوان كيفية تصحيح التمثيل المسيحي ولكن اللجنة استهلكت الوقت المعطى لها على رغم التمديد الذي حظيت به ودائما من دون نتيجة لأن كل الطروحات كانت تنتهي بالتعطيل. وعلى هذا الأساس كان التمديد الأول هو المخرج ثم أتى بعده التمديد الثاني ليصبح مجلس نواب 2009 ممددا له حتى حزيران 2017.

في 18 كانون الثاني 2016 حصل ما لم يكن في حسابات البعض. في معراب أعلن الدكتور سمير جعجع تبني ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية. هذه الخطوة الإستراتيجية كانت لها تأثيراتها على الساحتين المسيحية واللبنانية. كانت رئاسة الجمهورية المحطة الأولى فيها وقد تحققت بوصول العماد عون إلى قصر بعبدا في 31 تشرين الأول 2016. الخطوة الثانية كانت تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري واختيار الوزراء الذين يمثلون المسيحيين وبالتالي تحقيق التوازن السياسي في داخل السلطة. الخطوة الثالثة التي بقيت ناقصة كانت قانون جديد للإنتخابات.

عندما أعلن الرئيس ميشال عون أنه لن يوافق على التمديد وأنه بين انتخابات على أساس قانون الستين وبين الفراغ يفضل الفراغ وجد الجميع أنفسهم أمام المأزق أو السقوط في الهاوية وفق التعبير الذي استخدمه الأمين العام لـ«حزب الله» اليسد حسن نصرالله.

أمام إسقاط المشاريع الكثيرة التي قدمها رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل والوصول إلى حائط مسدود كان لا بد من مبادرة تكمل البحث عن القانون. في هذه اللحظة الحرجة دخلت «القوات اللبنانية» على الخط من خلال نائب رئيسها النائب جورج عدوان لتطرح ما يمكن اعتباره القانون الذي يشكل حاجة للجميع ومخرجا للجميع ودائما بالتنسيق مع «التيار الوطني الحر» ورئيسه الوزير باسيل. المبادرة التي أطلق عليها البعض مبادرة عدوان حققت الإختراق المطلوب. قبل بها النائب وليد جنبلاط والرئيس بري و«حزب الله» و«تيار المستقبل» ولم تعد تحتاج إلا إلى الإخراج الأخير في ساحة النجمة وتحديد موعد للجلسة التي سيتم فيها التصويت على القانون الجديد القائم على النسبية في 15 دائرة مع الصوت التفضيلي وعلى التمديد التقني لمجلس النواب. وإن كان حصل لغط دستوري وسياسي حول الطريقة التي تتم فيها الدعوة إلى الجلسة فإن القانون محكوم بالتوافق عليه وبإقراره لأن سقوطه في الأمتار الأخيرة يعني سقوط الجميع في الهاوية مع عدم وجود الآلية الدستورية للخروج منها. هذه الخطوة بعد إنجازها ستكون ممهدة لإجراء انتخابات نيابية يتأمن فيها التمثيل المناسب لجميع الأطراف في ظل عدم إمكانية الجزم بتكوين أكثرية واضحة ذات هوية سياسية واحدة محددة. وهذه الإنتخابات بعد حصولها ستمهد الطريق لتشكيل حكومة العهد الأولى كما سماها الرئيس عون وستؤمن بالتالي انتقالا سياسيا نحو حالة جديدة لا تتكرر معها عملية تعطيل الإنتخابات بحثا عن قانون جديد لأن هذا القانون سيكون مشوبا بحسنة الإستمرارية لدورات نيابية متعددة بحيث يكفل تأمين الإستقرار السياسي والتوازن الوطني لمرحلة طويلة تحمي لبنان من التوترات الحاصلة في المنطقة. وبالتالي سيكون التحدي الأساسي أمام جميع القوى السياسية من خلال إجادة اللعب على طاولة الإنتخابات وعلى قاعدة ال15 دائرة التي تشكل في الأساس طابات لعبة البلياردو التي تجتمع أولا داخل مثلث قبل أن تتفرق ليبدأ اللعب ليربح من يستطيع أن يضمن لنفسه إصابة أكثر من دائرة في حجر واحد.
للإشتراك في “المسيرة” Online: 

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل