#adsense

بسام طربيه مزق هويته حمل دفتر المذكرات وانطلق مع تلاميذه إلى الولادة الثانية ـ 1 ـ

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1614

هي ليست سيرة من مسيرة نضال عسكري لمقاوم على إحدى الجبهات، ولا فصلا من رواية عن تاريخ الحرب اللبنانية، ولا حتى مقطع من فيلم سينمائي يروي حكاية أستاذ وتسعة تلاميذ في مدرسة مار شربل – الجية عشية الهجوم على الجية والدامور في كانون الثاني 1976.

هي كل هذه الفصول مجتمعة، لأنه منذ اللحظة التي عاد فيها الأستاذ بسام طربيه إبن بلدة تنورين إلى أقبية ذاك الدير ليروي ذكريات عاشها مع 9 تلاميذ كانوا معه في القسم الداخلي لحظة سقوط أول قذيفة على جرس كنيسة السيدة الواقعة بين دير مار شربل ومدرسة الراهبات بدأت بكرة الفيلم تدور.

يومها كان يفترض أن يكون إبن تنورين في كنف عائلته في منزله في الأشرفية مع والديه وإخوته،لكنه كان هناك، في دير مار شربل– الجية  التابع للرهبنة اللبنانية المارونية.

هو القدر الذي شاء أن يكون هناك عشية بدء الهجوم على الدامور؟ ربما. هي الصدفة التي لم تحمله صباح ذاك الأحد لأن يخرج من الدير في عطلة نهاية الأسبوع كما كان يفترض أن يحصل؟ هي مشيئة الله التي حثّته على القبول بوظيفة الناظر في تلك المدرسة ليبقى إلى جانب تلاميذه فكان ما كان عشية ذاك اليوم الأسود في تاريخ بلدتي الجية والدامور وإقليم الخروب والشوف؟ وماذا لو لم يكن الناظر بسام طربيه في ذاك الدير ولم يتخذ ذاك القرار المصيري بعدم الصعود مع التلاميذ الذين كانوا مكبلين به إلى الباخرة التي كانت تقل الناجين من الموت على شاطئ السعديات؟

ذاك اليوم مزق بسام طربيه هويته وحمل دفتر المذكرات الذي وقع عليه تلاميذ وأساتذة الدير اصدق مشاعرهم ومشى مع الأمانات التسع نحو الولادة الثانية.

لماذا ولادة ثانية؟ لأنها كانت مسيرة حياة في ظل زمن الحرب والتهجير.

في خريف العام 1975 بعد أشهر على بداية الحرب، وعلى رغم أن تلك الحرب عصفت أيضا بمنطقتي الجية والدامور تجرأت إدارة مدرسة دير مار شربل على أن تستأنف العام الدراسي. هناك في الدير كان عدد من التلاميذ في القسم الداخلي من كل الطوائف والمذاهب. وبعد سقوط الجية والدامور وفرار الأهالي إلى السعديات غادر الأستاذ بسام طربيه مع تسعة تلامذة ايضا نحو السعديات. هناك وقف بسام مع تلاميذه أمام الخيار الصعب. هل يغادر وحيدا؟ هل يأخذهم معه في اتجاه الوطن الآخر في جونيه؟ أم يعود معهم ليسلمهم إلى أهاليهم خصوصا أنهم كانوا من كل الطوائف متحديا الموت الذي ينتظره على الطريق المعاكسة للحرب؟ لم يتردد. قرر أن يخاطر بنفسه وأن ينقذ التلاميذ وأن يعيدهم إلى أهاليهم ويذهب في الإتجاه المعاكس .

إنها قصة بسام طربيه وتلاميذه التسعة. قصة تضيء على ساحة بيضاء في زمن الحرب السوداء. قصة يرويها بسام بعد 41 عاما على حصولها وننشرها حتى لا تبقى مدفونة في دفاتر الذكريات والمذكرات. قصة لم تروَ من قبل. قصة أستاذ غامر ونجح. قصة أم ركعت أمام الأستاذ بسام قبل أن تحتضن إبنها العائد من جحيم الحرب لتقول له شكرا أعدت لي ولدي إلى الحياة من جديد.

إلى منزله الشتوي في بلدة مستيتا توجهنا حيث كان الأستاذ بسام طربيه ينتظرنا وزوجته بعدما قطع إجازته الصيفية التي يمضيها وأفراد عائلته بين اللقلوق ومسقط رأسه تنورين. فكرة استعادة احداث تلك المحطة التاريخية في حياته استفزته عندما طرحناها عليه خلال حفل أقامته رابطة قدامى طلاب مدرسة مار شربل – الجية لتكريم الأستاذ الناظر الياس فريد طنوس الذي قضى غرقا عام 1970 خلال عملية إنقاذ تلاميذ في المدرسة كانوا يسبحون في بحر الجية. وتم تكريم الأستاذ طربيه وخمسة من أساتذة المدرسة.

على الطاولة علبة سجائر ودفتر المذكرات (Orthographe) الذي حمله معه يوم خرج من المدرسة مع التلاميذ إلى… المجهول. «مزقت هويتي لأنني أدركت أنني سأعبر الحدود نحو الضفة المعاكسة لمنطق الحرب آنذاك. ولم أحمل معي إلا هذا الدفتر الذي يشكل عصارة عمر مفعم بالشفافية والصدق. وفي كل مرة أعود إلى أوراقه إلى الكلمات الصادقة الموقعة بأسماء تلاميذ وأساتذة أحسد نفسي لأنني ولدت في ذاك الزمن النظيف».

عام 1948 ولد بسام طربيه إبن بلدة تنورين في قضاء البترون في بيروت وتحديدا في منطقة الأشرفية في عائلة مؤلفة من ثلاثة أشقاء، جورج وبسام وجهاد وشقيقتين سلمى والممثلة القديرة وفاء. في قلعة الصمود والمقاومة عاش طفولته ومراهقته وتلقى علومه في مدرسة مار يوسف – الحكمة ثم أكمل دراسته في مدرسة مار يوحنا. وبعد نيله الشهادة التكميلية انتقل إلى معهد القرطباوي حيث تخصص في مجال الكهرباء العامة لمدة 3 سنوات وأكمل تخصصه في معهد الصنائع في بيروت ونال الإجازة بعد أربعة أعوام. وعلى رغم التصاقه جغرافيا بتلك البقعة البيروتية إلا أنه كان يصر على قضاء عطلة الصيف في مسقط رأسه تنورين.

لكن كيف وصل بسام طربيه إلى مدرسة دير مار شربل في الجية؟

«ثمة أقدار تُكتب سلفا في عمر الإنسان وأنا من أبناء هذا القدر الذي رسم طريقي» يجيب بسام طربيه قبل أن يشعل سيجارة ويعود إلى الوراء إلى ساحات الدير ويروي حكاية عمرها 41 عاما.

قصة وصول بسام طربيه إلى مدرسة مار شربل -الجية  بدأت مع شقيقه الأصغر جهاد الذي كان متفوقا في دروسه «وما كان في مادة بتكعى علي» على ما يقول بسام. يومها قرر الإعلامي الراحل وزوج شقيقته الممثلة وفاء طربيه أن ينقل جهاد إلى مدرسة مجدل المعوش التابعة للرهبنة اللبنانية حيث كان يدرس مادة اللغة العربية. وهذا القرار استند إلى طلب مدير المدرسة آنذاك من الراعي بأن يختار تلميذا متفوقا ليتعلم على نفقة الرهبنة في المدرسة، فاختار جهاد كونه كان تلميذا متفوقا، ولم يخِب ظنه.

عندما صدر قرار بنقل مدير مدرسة مجدل المعوش إلى مدرسة مار شربل – الجية قرر جهاد أن يدعوه إلى منزله ليشكره على مبادرته ويكرّمه، فكان اللقاء الصدفة بين مدير المدرسة وبسام. وخلال الجلسة سأل مدير المدرسة بسام عن اختصاصه ومجال عمله. فأخبره بأنه حائز على إجازة في مجال الكهرباء العامة لكنه عاطل من العمل. فعرض عليه المدير وظيفة ناظر في مدرسة مار شربل – الجية التي سينتقل إليها بعد شغور المركز إثر استشهاد الناظر الياس فريد طنوس غرقا خلال عملية إنقاذ تلاميذ كانوا يسبحون في بحر الجية.

وافق بسام من دون تردد خصوصا أنه سيكون في القسم الداخلي مع شقيقه جهاد الذي قرر المدير أن ينقله معه من مدرسة مجدل المعوش إلى مدرسة مار شربل – الجية. ومن حينه بدأت القصة التي حفرت حكاية وجع من ذاك الزمن الجميل، حكاية مغمسة بذكريات وصور لا يزال بسام الناظر وتلاميذه التسعة الذين أنقذهم من آتون المعركة ذاك اليوم يعيشون تفاصيلها. ولولا جرأة وبطولة الأستاذ بسام  لكانوا جميعا صورا مؤطرة بالأبيض والأسود أو ربما كاد أن يكون رقما مسجلا في ملف المفقودين او المخطوفين خصوصا أن زمن الخطف على الهوية كان بدأ ينشط على يد التنظيمات المسلحة.

عندما دخل بسام طربيه مدرسة مار شربل –الجية كان في الرابعة والعشرين من عمره. وكان راتبه لا يتعدى ال275 ليرة لبنانية. لكن عندما لاحظ مدير المدرسة أن القيمة لم تحمّس الأستاذ طربيه عرض عليه الإنخراط في سلك التعليم وتدريس مادتي التاريخ والجغرافيا مقابل 8 ليرات على كل ساعة تدريس. فوافق بسام. ويستطرد: «كانت مدرسة مار شربل – الجية من أهم المدارس في لبنان وكانت بمثابة صورة مصغرة عن الوحدة التي تجمع أطياف هذا الوطن. هناك عشنا مفهوم التعايش والمواطنة عن حق. وكانت تنقسم المدرسة إلى فرعين خارجي وداخلي وكان عدد طلاب الفرع الداخلي يقارب ال 180 تلميذا منهم من كان يغادر في نهاية الأسبوع ومنهم من يبقى لأسباب تتعلق بجغرافية مكان السكن. جهاد وأنا كنا من هذه الفئة، لكننا لم نشعر يوما بالغربة لأننا كنا محاطين بالرهبان ولا أزال أذكر الراهب الراحل باسيل ناصيف الذي عزز في نفوسنا مفهوم العلاقات الإنسانية وحب الوطن والإنتماء إلى هذه الأرض. كان همه أن يربي ويصنع أجيالا. أما أنا فكنت بمثابة الأخ والصديق للتلاميذ أكثر من كوني أستاذا فكنا نعيش أجواء العائلة داخل الدير ونتقاسم افراحنا واحزاننا ونتشاطر الأعياد من دون اي تمييز طائفي. هذا الأمر وعّى في داخلي حس المطالعة فكنت أنكب على القراءة. ووصل عدد الكتب التي قرأتها في الدير حوالى 2000 كتاب وغالبيتها في الفكر السياسي والتاريخ».

عام 1976 بدأت شظايا شرارات الحرب اللبنانية تطال بلدة الدامور لا سيمابعد سقوط مخيم المسلخ والكرنتينا في 18 كانون الثاني من العام نفسه. ويروي بسام: «منذ بداية السنة الدراسية بدأنا نشعر بالخطر نتيجة المناوشات التي كانت تحصل في البلدة ومحيطها من قبل مسلحين تابعين لتنظيمات فلسطينية ومرتزقة مما استوجب توقيف الدروس لمدة أيام وأحيانا كنا نضطر إلى إقفالها اسبوعا كاملا حفاظا على سلامة التلاميذ والأساتذة». إلى أن دقت ساعة الصفر أو قل ساعة الموت غير الرحيم.

كانت الساعة تقارب السادسة من صباح الأحد 20 كانون الثاني 1976. مدرسة مارشربل-الجية شبه خالية. صدى أصوات التلاميذ التسعة الذين بقوا في الدير مع الريس والمدير والرهبان والأستاذ بسام طربيه تصدح. فجأة صوت قذيفة يخرق جدار الصمت. «كانت أول قذيفة تسقط وقد أصابت قبة جرس كنيسة السيدة الواقعة بين مدرسة الدير ومدرسة الراهبات، وبدأت الأخبار تنهال: حواجز طيارة، خطف على الهوية، إنتشار مسلح في محيط البلدة… سيناريو الهجوم على البلدة كان مكشوفا تماما كما المنازل والأهالي الذين كانوا يتلطون في المباني التي لا تتعدى الطابقين كأقصى حد.وهذا طبيعي لأن غالبية الأهالي من طبقة الفلاحين. ما هي إلا لحظات حتى بدأنا نسمع أصوات طلقات نارية من أسلحة رشاشة من مكان قريب. وعرفنا لاحقا أن مجموعة من 5 شباب ينتمون إلى حزب الكتائب اللبنانية كانوا يقيمون مخيما تدريبيا. وعند اندلاع المعركة خرجوا لإحضار أسلحتهم الرشاشة واتخذوا موقعا دفاعيا لهم في محاذاة الدير لإيهام المسلحين بأن هناك قوة من المقاومين مستعدة لمواجهتهم. لكن الكذبة تحولت حقيقة والمجموعة المؤلفة من خمسة شبان تمكنت من صد بعض الهجومات المسلحة.

«بقينا في الدير لأن الخروج منه يعني مواجهة الموت حتما كوننا كنا مكشوفين. وبدأت طلائع تلاميذ الدير القسم الخارجي تصل إلى المدرسة وهي مجهزة بالبواريد واتخذت من المباني المواجهة للدير خط الدفاع الأول أي عند حدود الدير ومدرسة الراهبات وكلما وصلت مجموعة جديدة كان يصار إلى تحصين الخط الدفاعي صعودا ونزولا».

قبل أيام من بدء الهجوم وتحديدا نهار الخميس 17 كانون الثاني تلقى بسام طربيه اتصالا من إبن بلدته تنورين العميد الراحل فايز حرب يطلب فيه من طربيه مغادرة المنطقة والإلتحاق بعناصر الجيش اللبناني عند نقطة الدامور لكنه رفض مغادرة الدير والبلدة. «كنت أشعر أنني جزء منها والتلاميذ باتوا أمانة في عنقي خصوصا أنهم باتوا أشد التصاقا بي».

مع اشتداد المعركة أدرك بسام كما القيمون على الدير أن المطلوب القيام بخطوات إحترازية لحماية التلاميذ داخل الدير فبدأت أعمال التحصينات بأكياس الرمل «أقفلنا كل النوافذ والطاقات بأكياس الرمل وحصنّا الأبواب لمنع اقتحام المسلحين الدير. عدا ذلك ما كان بينقصنا شي. فالطعام متوافر في أقبية المونة وحجارة الدير وصلواتنا وطبقاته كفيلة بحمايتنا». ويضيف طربيه: «على رغم كل الأجواء المطمئنة التي حاولنا ان نعمممها في الدير لمنع تسلل الخوف والإحباط إلى التلاميذ لكننني كنت ألمس الخوف في عيونهم وحتى في ردات فعلهم. كانوا يلاحقونني في كل خطوة وأينما يكون بسام طربيه يكون التلاميذ التسعة معه. ومن حينه أدركت أن مصيرنا واحد. أو منستشهد سوا او منخلص سوا وبيرجعوا عند أهلن سالمين».

هي الأمانة التي كسرت كل القرارات وابطلت مفاعيل الخيارات التي اعتمدها اهالي الجية والدامور لإنقاذ حياتهم وحياة أولادهم. أمانة تسعة تلاميذ استيقظوا ذاك الصباح وهم يرتجفون من الخوف والبرد وهرعوا نحو الأستاذ بسام .من لحظتها أدرك أن حياتهم أمانة بين يديه. «أو منموت سوا أو منعيش… كانوا مثل ظله، كيفما مشى يمشون، وحيثما جلس يجلسون وإذا مشى يسيرون خلفه خطا واحدا، وكأن حبل الصرة انعقد من جديد… ويتذكر بسام»في ليلة اشتد فيا القصف واضطرينا ننزل ع الملجأ. ما بنسى الخوف اللي شفتو بعيون التلاميذ. كنت إسمع صوت صرخاتن حتى هني وساكتين وإقرا الأسئلة بعيونن هني وعم بيطلعوا فيي. كنت عارف إنو كل تلميذ كان مشتاق لحضن إمو لغمرة بيو ليلعب ويتشيطن مع إخوتو.. ويمكن كان بدو يموت حد أهلو… لهيك صرت البي والإم والخي وحضن الدفا والأمان للتلاميذ وأيا قرار بدي آخدو ما بيكون بمعزل عنن».

أكثر من مرة استفاق حس الأنانية عند بسام وتمنى لو استمع إلى كلام العميد فايز حرب وخرج من المنطقة قبل ان تتحول إلى بؤرة حرب وقتل ودمار.أكثر من مرة خطرفي باله مشهد الرهبان المسنين الذين تهجروا من دير الناعمة إثر الهجوم الذي شنه المسلحون على المنطقة قبل أشهر من تاريخ الهجوم على الجية والدامور ونكلوا بالبعض وهجروا البعض الآخر إلى منطقة الجية. أكثر من مرة ردد في سره: « شو كان بدي لإبقى. لو سمعت من العميد حرب كنت هلق قاعد ببيتنا ب تنورين وعم بتدفا على نار الصوبيا وما ع بالي شر».

مسألة واحدة كلما مرت في بال الأستاذ بسام يتمنى لو دفنها في ارضها هناك تحت حجارة الدير. هي مسألة انكسار نموذج الثقة والتعايش داخل أطياف الدير «صحيح إنو أكبر واحد بين التلاميذ ما كان بيتعدى عمرو ال13 سنة بس كنت إقرا بعيونن أحيانا أسئلة كتيرة. أسئلة أيقظت مفاهيم العيش الجديد في مساحة هذا الوطن. لكن الوقت لم يكن يسمح بتحليل الأمور»كان بيهمنا نخلص بأرواحنا وهمي الأكبر إنو يرجعوا التلاميذ عند أهلن بخير وسلامة».

بعد مرور 3 أيام على المعركة بدأت ملامح الخطر تشتد مع تدفق الأخبار عن احتمال حصول هجوم كبير على القرى: «3 أيام أمضيتها جالسا في الرواق. أتمشى مع الأولاد نأكل نشرب وعندما ينامون أجلس بقربهم على حرام من الصوف واتكئ على الحائط في وضعية التأهب. كنا دائما في حال تأهب للدفاع عن أنفسنا لأن خطر الهجوم كان واردا في كل لحظة. صرنا حراس الدير. هنا كنت أعود إلى طفولتي واشتاق إلى أهلي. لكن نظرة خوف من تلميذ كانت تعيدني إلى الواقع إلى الرغبة في التحدي والمقاومة حتى الإستشراس».

عسكريا يمكن القول أن مدرسة دير مار شربل كانت مكشوفة على منطقة برجا التي كانت تتمركز فيها التنظيمات المسلحة «ما كان بيفصلنا عنا إلا سهل الخس» يقول بسام أما داخل حجارة الدير فكل شيء مؤمن: «يعني وضعيتي أفضل من وضعية العدو. هيك كنت فكر». إلا أن الهجوم الذي شنّه المسلحون في اليوم الخامس أسقط كل المعادلات: «فجأة سمعنا أصواتهم في الخارج. وكانوا ينادون بالأسماء جورج إيلي مارون… سلّم سلاحك بتسلم». لكن شباب المقاومة الذين اتخذوا من مدرسة الراهبات والدير خط دفاع أولي رفضوا الإستسلام . وصرنا نساعدن تا ردينا الهجوم».

خبر سقوط الدامور ونزوح الأهالي وتجمعهم أمام قصرالرئيس كميل شمعون في منطقة السعديات أثارت بلبلة في أرجاء الدير وسكانه ال12. فأخبار المجازر التي ارتكبها المسلحون في حق الأهالي لم تعد مجرد شائعات، وتدمير الكنائس ونبش القبور واستباحة حرمة الموتى والتنكيل بالهياكل العظمية ما عادت مجرد حكايات للتهويل بهدف حث السكان على التهجير. كلها حصلت في مجزرة الدامور. ومن بقي حيا روى عن هول المجازر والفظائع التي ارتكبت في حق أهالي البلدة على يد التنظيمات المسلحة.

إزاء هذا المشهد كان لا بد من اتخاذ قرار مصيري «هنا كنا، ريس الدير ومدير المدرسة والرهبان، أمام خيارين ثالثهما الإنتحار: إما مغادرة الدير وإنقاذ التلاميذ أو البقاء فيه حتى يصل المسلحون إلى عتبة الدير. فارتأينا مغادرة الدير قبل سقوط منطقة الجية.

عندما وصلنا إلى منطقة السعديات كان الأهالي والشيوخ والأطفال يقفون بالآلاف في العراء. لا شيء يكسو أجسادهم التي ترتعد فرائصها من البرد والصقيع إلا أكياس النايلون وحرامات الصوف. «بس اتذكر المشهد بيتجمد الدم بعروقي». ويضيف بسام طربيه: «كانت الأخبار التي تصل متضاربة عن كيفية تأمين نقل الأهالي من هذه البقعة الجغرافية. في هذه الأثناء كنا نسمع عن إنزال طائرات من نوع الهيليكوبتر تابعة للجيش اللبناني على شاطئ السعديات وتبيّن لاحقا أن الجنود الذين نزلوا إلى الشاطئ توجهوا  إلى مركز الرادار التابع للجيش اللبناني في منطقة الدبية لتأمين حمايته والحؤول دون محاصرته أو الإستيلاء عليه من قبل التنظيمات المسلحة. وبعد مرور 3 أيام على النوم في العراء وصلت الباخرة التي كانت ستقل الأهالي الهاربين من الموت إلى مرفأ جونيه كما أُشيع».

مشهد حفر في ذاكرة بسام. الأهالي والأطفال في العراء كل ينتظر دوره للصعود إلى المركب الذي كان يقترب من شاطئ السعديات ومنه إلى مرفأ جونيه وربما إلى المجهول. 11 يوما لم يخلعوا عنهم ثيابهم التي اختزنت قصصا عن الموت والذل والقهر والجوع. 11 يوما كل من اجتازها ولد من جديد. لكن حتى بعد وصول الباخرة بقي الخوف من ان لا تعود بسبب الطقس العاصف أو في حال تعرضها للقصف. «كنا معلقين بحبال الهواء تماما كما ذاك الراهب الذي تمسك بسلم إحدى طائرات الهيلوكبتر التابعة للجيش اللبناني التي كانت تنقل الجرحى والمصابين جوا إلى مستشفيات العاصمة بعد ثوانٍ معدودة على إقلاعها. كان مشهدا سورياليا بامتياز. هناك تشعر أن كل المعايير تسقط. وحدها نزعة حب البقاء و»الأنا» تتملك بالنفس البشرية  في تلك اللحظات التي تقف فيها بين ضفتي الموت والحياة».

مع وصول الباخرة إلى شاطئ السعديات وقف بسام يراقب المشهد. فكّر مليا. إذا قرر مغادرة البلدة لوحده فهذا يعني أنه سيفرط بالأمانة التي حافظ عليها طيلة مدة الحصار. وإذا غادر شاطئ السعديات مع التلاميذ فهذا يعني سلخهم عن عائلاتهم وحرمانهم ربما من رؤية أهلهم لاحقا خصوصا انهم كانوا جميعا موزعين بين الدروز والسنة والشيعة. فكان القرار المصيري: «قررت روح نحو الشرق يعني نحو الدبية بهدف الوصول إلى دير مشموشي بجزين. هونيك على الأقل بترك لولاد أمانة بإيد الرهبان تا يسلمون لأهاليهم» .

خيار الدبية لم يأخذه بسام جذافا. «قبل مغادرة الجية وصلتنا أخبار بأن شخصا من آل البستاني دفع مبالغ مالية باهظة للمسلحين بهدف تحييد البلدة. لذلك قررت أن اتوجه إلى هناك مع التلاميذ الذين كانوا يتمسكون بي من الجهات الأربع. وعندما أعود إلى تلك اللحظات إلى ذاك الشعور الذي عشته وأنا أتحسس الخوف في عيون التلاميذ الذين كانوا يتنازعون على أطراف ملابسي لإمساكي خوفا من أن يضيعوا أغص… أختنق».

يشعل بسام سيجارة. ينفخ ويغرق في دخانها السارح مع نظراته. تراه عاد إلى هناك؟ إلى أقبية الدير؟ إلى شاطئ السعديات؟ فجأة يعود إلى الواقع ويكمل: «بس بلشوا الأهالي يطلعوا ع الباخرة كنت عم بمشي أنا وتلاميذي نحو الدبية».

لكن ليس قرار السير بعكس منطق الحرب كان الوحيد الذي اتخذه بسام. فالوصول إلى الدبية يعني اجتياز حدود والوقوف عند حواجز التنظيمات الفلسطينية وحواجز «طيارة» أخرى لمسلحين ومرتزقة جاؤوا ليقتلوا ويذبحوا على الهوية.. الهوية نعم الهوية.

على تلك الهوية سجل الإسم: بسام طربيه مسيحي ماروني من تنورين قضاء البترون… يعود أو لا يعود؟ يمر على الحواجز أم يكون مشروع شهيد، مشروع مفقود؟ مخطوف؟… كل هذه الأسئلة عبرت في رأسه والتلاميذ يمسكون به ويشدون أكثر فأكثر. انتزع الهوية التي حملها معه من مدرسة مار شربل – الجية. مزقها. أسقط عنه كل المعايير. تحرر من ذاك الوطن المشلع على رصيف حروب واحتلالات امتدت لأكثر من 30 عاما، لبس قناعاته وإيمانه ومشى مع «التلاميذ الأمانة» إلى حيث الولادة الثانية.

وحده دفتر المذكرات الذي حمله معه ايضا من ذاك الدير احتفظ به. فصفحاته تحمل الكثير من ذكريات ذاك الزمن الجميل، وكلمات خالية من أقنعة التزلف بتوقيع تلاميذ وأساتذة مدرسة دير مار شربل. تأمل في غلافه الخارجي للحظات شد عليه بقوة ووضعه في جيبه ليفتحه اليوم بعد 41 عاما على مجزرة الدامور ويعلن وهو يتأمل كلماته: «شكرا لأنني ولدت في ذاك الزمن النظيف».

وبدأت رحلة الألف ميل نحو الحياة لكن بخط معاكس.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل