
هرب من قساوة الحياة ليجد نفسه وحيداً في متاهة المخدرات. ظن أنه تنفس الصعداء والحرية ليجد نفسه أسيراً لمادة كيميائية، فبالقوة التي تنشقها للحظات إنهار أمام مادة ضئيلة وأصبح عبداً لها. راح يجوب بعقله شوارع الحلول للتخلص من مشاكله اليومية، لكن قلبه البريء “جره” لأزمة قد تكون الأصعب في حياته، لأزمة قد تدمره… وبعد وعيه أنه في حالة إدمان لجأ إلى “أم النور” ليبدأ التحدي الأكبر في الحياة مع نفسه ثم مع المجتمع. أم النور في مركزيها سهيلة (للشباب) وفتقة (للنساء) تحتضن حوالي 90 شاب وصبية وفي أعين كل شخص منهم قصة ترويها دموع القلب، إختلفت في ما بينهم أسباب الإدمان، إجتماعية – عائلية – مادية – حياتية…، لكن جمعتهم نتيجة واحدة مؤلمة أبعدتهم عن لذة الحياة ونبذتهم إلى هامشها فأضحت نفوسهم (ميتة) متعطشة للقيامة.
لا يوجد إحصاءات واضحة تبين الأعداد الهائلة للمدمنين في لبنان، فإحصاءات قوى الأمن مثلا تتضمن فقط الموقوفين ومن هم على علم بهم، بينما يتقدم أسبوعيا حوالي 70 مدمن أو متعاطي إلى أم النور طالبين المساعدة، ومن هنا تشرح المديرة العامة لتجمع أم النور السيدة ميراي خوري عن الخطوة الأولى وهي مكتب الإستقبال حيث يتم دراسة الطلب، وعلى المدمن أن يكون مقتنعا وفعلا طالباً للعلاج وجاهزاً للتخلي وعدم التعرض لكل أنواع المواد المخدرة، وبسبب الحاجة الكبيرة وقدرة الإستيعاب القليلة تم خلق أقسام موازية لمساعدة المتعاطي، فتوضح السيدة خوري أن المتعاطي هو من يتناول المخدر أو حشيشة الكيف خلال سهراته والتجمعات مع الأصدقاء أما المدمن فهو من وصلت حاله إلى الحضيض ولا يستطيع العيش بدون المخدرات. وتلك الأقسام هي من خلال المتابعة الخارجية، أي تتم معالجة المتعاطي من قبل كل فريق العمل كالطبيب النفسي والمساعدة الإجتماعية… دون أن يدخل المركز.
وتزيد خوري: بعد أن يكمل المدمن فترة التأهيل في المركز، تتم متابعته خارجياً وطبعا تختلف المتابعة عن العلاج الخارجي فلكل حالة طريقة مساعدة، وخلال المتابعة يتم إنشاء فريق صغير يجتمع كل شهر ليبقى الرابط بين المريض وأم النور قوياً حفاظا على عدم الإنجرار مجدداً وراء المخدرات، فكل مريض معرض للإنتكاسة. وخلال فترة العلاج يتعلم المدمن مواجهة مشاكله وإكتشاف ذاته ويعيد تنظيم حياته ويكتسب الثقة بنفسه وقدراته.
وأكملت خوري أن التوعية الأساسية للحد من هذه الآفة الإجتماعية تبدأ من المدارس، فتتم توعية الطلاب بطريقة علمية تربوية ويشرح لهم المرشد آفات المخدرات ويعلمهم أن يقولوا “كلا” بقناعة تامة! وتوضح: نرى دائما إعلانات “لا للمخدرات” ولكن عندما نقول “لا” للمراهقين والشباب يصبح الأمر تحدياً لهم وتزيد عندهم الرغبة بالتجربة، أما أن نعلمهم المواجهة ونقوي ثقتهم بنفسهم ونرشدهم ونريهم قدراتهم ونغزيهم بالمعلومات والقناعة التامة تصبح ال”لا” معززة وقوية وينجحون بتخطي “التجربة”.
وتقول السيدة خوري أن المشكلة الكبرى هي عدم إنتشار أم النور في كافة المناطق اللبنانية بسبب تكلفة العلاج المرتفعة، 2700$ للمريض شهرياً، فدعم الوزارة يبقى غير كافٍ بالرغم من إنجازاتها العديدة، و”أم النور” بحاجة دائمة للمساعدات الفردية من ذوي القلوب الطيبة والأيادي البيضاء والمؤسسات التجارية، كما المساعدات الخارجية كالإتحاد الأوروبي…
ولفتت السيدة خوري أن “أم النور” بدأت بمشروع تعاون مع البلديات، وأولها بلدية الحدث، حيث سيتم إنشاء مركز صغير داخل البلدية يهدف لدراسة المنطقة وتوعية أبنائها على صحة التصرف عند حالات الشك بان أحدهم مدمن أو يتعاطى، كذلك تدريب شرطيي البلدية على الطريقة الصحيحة للتصرف مع المدمنين أو مع شباب المنطقة، وغيرها من أساليب التوعية. والملفت أن العديد من البلديات بدأت بالتجاوب مع أم النور.
الإتحاد الأوروبي وخطة العمل
يعمل تجمع أم النور بالتنسيق مع Omsar (وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية) وجمعية “شريك” على مشروع التدريب المهني، أي يتم تدريب الشباب داخل المراكز وخلال فترة السنة ونصف على مهن معينة كل حسب قدراته وشغفه كي يكونوا جاهزين بعد العلاج للإنخراط في المجتمع والعمل وتأسيس مستقبلهم وتحقيق أحلامهم.
أما المشروع الثاني، توضح السيدة ميراي خوري، أنه وبالتنسيق مع جمعية الصفدي، ستتشكل لجان في منطقة طرابلس عبر عدة جمعيات موجودة في المنطقة لدرس نسبة الإشكالية وإيجاد حلول، كما أطلق الخط الساخن لتلقي كل طلبات المساعدة. وتزيد خوري أن سجن القبة سيكون دراسة صغيرة وجزءاً من المشروع حيث ستتدخل أم النور إلى السجن لمتابعة المدمن ومعالجته من خلال جلسات مع أطباء نفسيين ومرشدين إجتماعيين، كما إصقال قدراته المهنية.
وطالبت خوري قوى الأمن بالتشديد الرقابي على الأغراض التي تدخل السجون ومحاولة فصل التجار عن المتعاطين لضمان نجاح التوعية والمساعدة مُقدرة العمل الذي تقوم به الدولة، مطالبة عدم إلقاء اللوم على أحد بل العمل يدا بيد للحد من هذه الموجة الخطيرة التي تضرب لبنان.
تشريع الحشيشة
تقول خوري: إن كان للحشيشة 20 منفعة طبية فلها ألف علّة وإن كانت تستعمل في الأدوية المخدرة كالمورفين والبنج فهذا لا يعني أن تعاطيها بطريقة مباشرة له الآثار نفسها! وتفيد بأن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط بالحشيشة والكوكايين والهيرويين بل بالإدمان على أنواعه بحيث يجعل الإنسان عبدا لمادة كيميائية تحرك فيه أحاسيس لا يعلم مصدرها أو حقيقتها، وعندما يتعود الجسم على مادة معينة يطلب عندها مادة أقوى فيعيش على هامش المجتمع وهنا تسأل خوري لماذا نريد أن يعيش الشعب في تلك الحالة بدلا من أن يكون في كامل وعيه ويتعلم أن يدخل إلى أحاسيسه الحقيقية والأساسية، يفرح عند الفرح ويحزن عند الحزن…، وإن كنا قدمنا له إقتصاداً أفضل بنسبة ضئيلة وقتلنا حياته وسعادته ماذا نكون قد فعلنا؟ وتزيد السيدة ميراي، إن شرعناها ستصبح في متناول المراهقين ويصبح الخطأ صح، عندها كل الممنوعات تصبح مسموحة بدون أي تردد.
وعندها ستتم صناعة مواد أقوى وأخطر، فمثلا بدؤوا في البلدان الأجنبية صناعة عقاقير تدعى الكروكودايل حيث يصبح شكل المتعاطي كالتمساح وتقشر جلدته… إلى أين سنصل بعد؟
طبعا، أكدت السيدة ميراي أن الموضوع مرفوض وسيتم تشكيل معارضة على مستوى اللجان النيابية وستتوحد الجمعيات ضد هذا القانون الذي يطال صحة وحياة شباب ومستقبل لبنان!
إن جبت شوارع وأزقة لبنان ترى بوضوح وجع شبابه ومعاناتهم اليومية، فتلك الفتاة المعنفة أو المغتصبة، وذاك الشاب الذي لم يجد عملا بشهادته ويحاول شراء الشقة، أوتلك الطموحة التي تتحداها عائلتها ومجتمعنا الذكوري، وذاك الذي عاش مع والده القاسي، وهنالك من نسوهم أهلهم الذين يعيشون بترف تاركين أطفالهم للمربية، أوذاك المعنف في المدرسة، أو تلك “المليانة” التي تلاحقها الكلمات الجارحة…
إن جبت شوارع الأثرياء أو الأزقة الفقيرة، سترى نقمة وحزن، سترى شاباً أو صبية يحاولان إيجاد السعادة والراحة حيث أن هموم الحياة كسرتهما…
غني كان أم فقير، رجل أو إمرأة الجميع معرض للإنجرار وراء تلك الآفة على أنواعها، كإدمان المواد الكيميائية أو الأدوية أو الكحول أو حتى شراء الملابس…، لذلك على التوعية أن تبدأ من خلال إيجاد حلول للمشاكل الإجتماعية ومن خلال خلق إدمان إيجابي وتوجيه شبابنا نحوه كإدمان الرياضة أو المطالعة أو الكشافة…
ويبقى السؤال: هل سيأتي يوم ويُفصل المدمن عن المجرمين في السجون ويصبح له مراكز خاصة لإعادة تأهيله؟ متى سيتم ضبط الحدود البرية والبحرية كلياً؟ إلى متى سيعيش اللبناني في دوامة المشاكل؟ إلى متى ستظل الأم تدخل مواداً لإبنها في السجن ظنا منها أنها تحميه من الوجع بدلاً من مساعدته ليتحرر من عبوديته؟