التمويل الأميركي سيتوقف وحرارة الأرض الى ارتفاع

كتب د. فادي الأحمر في المسيرة – العدد 1614: 

لماذا خرج ترامب من اتفاق باريس للمناخ؟

يستمر الرئيس الاميركي دونالد ترامب الآتي من عالم الاعمال الى عالم السياسة بمفاجأة العالم. بعد «العراضة» السياسية و«الاقتصادية العسكرية» في المملكة العربية السعودية، ها هو يفاجئ العالم باعلانه انسحاب الولايات المتحدة الاميركية من «اتفاق باريس للتغيير المناخي». حتى الذين تابعوا حملته الانتخابية. فهؤلاء اعتقدوا انها وعود انتخابية سيتراجع عن القسم الذي يؤثّر سلباً على المصلحة الوطنية الاميركية العليا وعلى مستقبل العالم الذي تتربّع الولايات المتحدة الاميركية على «عرش» قيادته منذ عقود.

إعلان ترامب عن نيته الانسحاب من الاتفاق المناخي أتى بعد ايام قليلة على مفاوضات باريس التي كان سلفه باراك اوباما «يتزعّمها» والتي ادّت الى اتفاق وقّعته 196 دولة وابرمته برلمانات 146 منها. دولتان فقط لم توقّعا: سوريا الغارقة في الحروب. ونيكاراغوا التي رأت ان الاتفاق لن يبلغ اهدافه لشكوكها بعدم التزام الدول الموقّعة عليه. أما روسيا، احدى الدول الصناعية الكبرى، لم تبرمه حتى اليوم. ما هو «اتفاق باريس للتغيير المناخي»؟ وما هي اهميته؟

إنه اول اتفاق دولي عالمي من أجل المناخ. تم انجازه في الرابع من تشرين الثاني العام 2016، اي قبل اربعة ايام من انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الاميركية. تلتزم بموجبه الدول التخفيف من انبعاث الغازات السامة التي تؤدي الى ارتفاع حرارة الارض. كما تلتزم العمل من اجل ان لا تزيد هذه الحرارة عن 2 درجة مئوية بالنسبة الى العام 1880، تاريخ اول قياس لحرارة الارض. وحتى الى تخفيض هذه الزيادة الى 1.5 درجة مئوية. لبنان من جهته وقّع الاتفاق في شهر نيسان 2016. وتعهّد بتخفيض نسبة انبعاث غاز الكاربون 15 في المئة حتى العام 2030، و30 في المئة اذا حصل على دعم دولي لهذا الغرض. ونشير إلى ان لبنان يحتل المرتبة رقم 80 بين الدول في هذا المجال. ويصدر انبعاثات تبلغ 1 في المئة من الكمية العالمية.

التهديد المناخي الذي اصبح ملحّاً في العقود الاخيرة كان السبب في «اتفاق باريس للتغيير المناخي». وابرز اسباب هذا التهديد هي:

اولاً، زيادة انبعاث غاز الكاربون (CO2) منذ تسعينات القرن الماضي بشكل كبير. فقد بلغت في العام 2015 أكثر من 36 مليار طن. تصدرت الصين المركز الاول. اذ بلغت كمية الانبعاثات منها حوالى 10.6 مليار طن. تبعتها الولايات المتحدة الاميركية بحوالى 5.1 مليار طن.

ثانياً، الزيادة السنوية المطردة لانبعاث غاز الكاربون مع بداية القرن الواحد والعشرين. بخاصة في الدول ذات الاقتصادات الناشئة وفي مقدّمها الصين والهند. ففي الصين بلغت هذه الزيادة 120 في المئة بين عامي 2005 و 2015. السبب الاساسي في هذه الانبعاثات هو استمرار الصين في الاعتماد على الفحم الحجري في العديد من صناعاتها. حيث بلغت نسبة الانبعاثات من استهلاك هذه الطاقة 7.2 مليار طن من غاز الكاربون، او ما نسبته 72.7 في المئة من حجم الانبعاثات الصينية. في الهند ايضاً بلغت كمية انبعاث غاز الكاربون في العام 2015 حوالى 2.4 مليار طن.

السبب الثالث لاتفاق باريس في هذا الوقت بالذات هو بلوغ ارتفاع درجة حرارة الارض 1.1 درجة مئوية في العام 2016 بالنسبة لحرارة الارض ما قبل الثورة الصناعية. وتسجيل حالات جفاف في العديد من بقاع الارض ادّت الى التهديد بالمجاعة للملايين من البشر. ففي الصومال كان هذا الجفاف السبب في تعرّض ثلاثة ملايين نسمة الى المجاعة. ما دفع رئيس البلاد الى الاعلان عن «كارثة وطنية» والى طلب مساعدة المجتمع الدولي. وفي البرازيل، احدى اكثر الدول غنى بالمياه والأنهار، تعرّضت المناطق الشمالية – الشرقية الى جفاف لم تعرفه البلاد منذ اكثر من قرن.

السبب الرابع لـ «اتفاق باريس من اجل التغيير المناخي» هو تسجيل اعلى نسبة ذوبان للجليد في القطبين الشمالي والجنوبي وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات الى 20 سنتمراً في نهاية العام 2016.

الضجة التي احدثها قرار ترامب انسحاب بلاده من «اتفاق باريس للتغيير المناخي» لم تكن فقط بسبب نقضه التزاماً كان سلفه قد ابرمه. إنما لأهمية الدور الاميركي في الوصول الى الاهداف التي وضعها الاتفاق عالمياً. وأهمية هذا الدور تتجلّى في عدّة نقاط ابرزها:

1-ان الولايات المتحدة تحتل المركز الثاني عالمياً في انبعاثات غاز الكاربون. فهي اول اقتصاد صناعي في العالم. وتستهلك حوالى 20 في المئة من كمية النفط المستهلك عالمياً. واستهلاك النفط (في الصناعة والنقل) هو احد الاسباب الرئيسية للتلوّث في العالم.

2-ان واشنطن تعهدّت بتمويل حوالى 20 في المئة من كلفة تطبيق هذا الاتفاق. وكان باراك اوباما قد تعهّد مساهمة بلاده بـ 3 مليار دولار اميركي لتمويل «الصندوق الاخضر» التابع للامم المتحدة. وقرّر تسديد نصف مليار دولار منها قبل تسليمه السلطة بثلاثة ايام.

3-تعهّد واشنطن بتخفيض انبعاثات غاز الكاربون ما بين 26 و 28 في المئة، حتى العام 2025، نسبة لما كانت عليه في العام 2005.

لا شك ان لقرار الرئيس الاميركي تبعات سلبية على الاتفاق بحد ذاته وعلى الولايات المتحدة الاميركية. لذلك استدعى ردود فعل عالمية وداخلية. فقد استنكر غالبية زعماء الدول قرار انسحاب اول دولة في العالم. كما انتقدت الصحافة الاميركية القرار. فما هي هذه التبعات:

1-ان انسحاب الولايات المتحدة الاميركية من الاتفاق سيؤخّر بلوغ الهدف منه كونها تملك اكبر اقتصاد يمكنه الاستثمار في تطوير تقنيات الانتقال الى الطاقات المتجدّدة.

2-انسحاب الولايات المتحدة ربما سيشجّع دولاً اخرى على الانسحاب من الاتفاق. وهي دول صناعية تصدر كميات لا يستهان بها من غاز الكاربون. واقتصاداتها عاجزة عن تمويل مشاريع الانتقال الى الطاقات المتجدّدة.

3-خسارة دعم الولايات المتحدة المالي لهذا المشروع العالمي.

ولكن لهذا القرار نتائج سلبية على الولايات المتحدة نفسها بحسب ما يتوقّع المراقبون. وابرز هذه النتائج:

1-فقدان الولايات المتحدة موقع القيادة في واحدة من اهم المسائل التي تشغل البشرية اليوم، كما صرّح الدبلوماسي الأميركي السابق نيكولاس برنز لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

2-فقدان الثقة بالولايات المتحدة من قبل دول العالم وشعوبها. وهذا ما يمكن ان يؤثر على المدى البعيد على علاقات اميركا الاقتصادية مع الدول والاتفاقات التي توقّعها.

3-فقدان الولايات المتحدة موقع القيادة في مجال تطوير الطاقات البديلة. فالصين والاتحاد الاوروبي سيتصدّران القيادة في مجال تطوير تقنيات استعمال الطاقات المتجدّدة. وقد اعلنت الوكالة الوطنية للطاقة في الصين عن حجم استثمار في هذا المجال بلغ حوالى 350 مليار دولار حتى العام 2020. وهي استثمارات ستخلق حوالى 13 مليون فرصة عمل.

صحيح ان قرار دونالد ترامب أتى مفاجئاً. فالرجل استفزازي بطبعه. ولكن الاختصاصيين في مجال البيئة وجيوسياسة الطاقة يعلمون جيداً أنه لا يمكن التعويل كثيراً على الشعب الاميركي للحد من انبعاثات غاز الكاربون التي اصبحت تشكّل تهديداً كبيراً لكوكبنا، ويلاحظها كل انسان في حياته اليومية. والسبب ان الشعب الاميركي ليس لديه هذه الثقافة. فكل مواطن اميركي كان السبب في انبعاث 16.4 طن من غاز الكاربون في العام 2013. بينما بلغت هذه النسبة 12.7 طن في روسيا، و9.2 في ألمانيا، و7.2 في الصين، و5.3 في فرنسا.

ان اتفاقات الدول مهمّة للحد من تلوّث كوكبنا. ولكن الأهم هو ثقافة الشعوب في هذا المجال للحفاظ على البيئة من أجل الاجيال القادمة. هذه هي احدى اهم المقاييس لتقدّم الشعوب في عصرنا. فأين نحن من هذه الثقافة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل