
تتصارع الانسانية فيما بينها، تدخل في متاهات الاسئلة الكبيرة، تخاطب نفسها حائرة “أنا مع عقوبة الاعدام ام ضدها؟”، الجواب البدهي الطبيعي “انا ضد على الاكيد”، لكن واقع الأرض في لبنان تحديداً، يأخذ الإنسانية الى ابعاد خطيرة، ابعد بكثير أحياناً من خط الرحمة والمحبة والتسامح، واقع الأمن في لبنان يأخذنا الى نكران انسانيتنا المطلقة أحياناً لفرط الخوف والغضب، وبعد ان نكون من اشد المعارضين للإعدام نصبح من اول المطالبين به!
ماذا يحصل؟ كيف تتداعى الانسانية في وطن الارز والحرف والقديسين والشهداء؟ لماذا يتآكل وطن هو بالاساس موطن الحضارة الانسانية بوجوهها كافة؟ كيف يمكن أن يتحوّل البشر في لبنان الى وحوش، وان تغرق انسانيتنا في مستنقع اللاانسانية؟!
يموت الناس على طرقات بلادي، كالكلاب الشاردة، عذراً عذراً الف مرة على التعبير القاسي، لكنه قاس لفرط واقعيته، يموت الشباب في بلادي على قارعة الفوضى والتفلّت والاستكبار بالسلاح والزعماء المفترضين وفرط القوة المفترضة تلك، يموت أحلا شباب بلادي، كما حصل مع روي حاموش منذ ايام، ببرودة اعصاب ودم بارد قارص، برصاص من يعتبرون انهم هم الدولة، وهم النظام، وهم اسياد الطرق والساحات، وهم القانون والعدالة، وهم رب الحياة والموت، وحتى اللحظة، حتى اللحظة لم تشهد بلادي عقاباً صارماً حقيقياً لهؤلاء، فهؤلاء محميون تحت الف حجة وحجة، هؤلاء لهم “قديس” قوي جبار يحميهم، قديس اقوى من مار شربل والحريديني ورفقا وكل قوافل القديسين مجتمعة، فهؤلاء المساكين سلاحهم الصلاة والتسامح والرحمة والغفران، سلاح غير شرعي وغير معترف به، كي لا نقول سلاح “الساذجين” في جمهورية صار قطاع الطرق فيها اكثر من الناس الشرفاء الامنين المؤمنين بالقانون!!! طبعاً علامات تعجّب اذ ورغم كل شيء ما زال في لبنان من يؤمن بسطوة القانون، بحكم العدالة، لكن، وفي المقابل، صار في لبنان من يريد عدالة لا تقتصر على السجن المؤبد لهؤلاء، فالسجن راحة واسترخاء واختصار من السنة السجنية ومن بعدها اطلاق سراح واعطاء المجرمين فرصة حياة ثانية، وفرصا اخرى لاقتناص شبابنا على طرقات التفلّت، صار في لبنان اناسا تريد العودة الى قانون الاعدام، الى عصور الظلام والجاهلية، صار الخوف في لبنان أقوى من الانسانية، صار الغضب في لبنان وقوداً نشعل به ثورتنا ونذهب بالاحساس الى آخر المشاعر الخطيرة المدمرة، الانتقام، صحيح انه عبر القانون لكنه انتقام عابر لخط الانسانية تلك ولسنا بمذنبين، عندما نرى شاباً مضرّجاً بالموت من دون رحمة تحت اقدام مجرم يبتسم لانتصاره تطلب له الاعدام، عندما ترى دموعاً حارقة تحرق قلب ام تتلوى كمن يُشوى حياً فوق نار ملتهبة وهي تتلوى الما فوق جسد ابنها الميت، تطلب الاعدام، عندما تسمع انين اب يرجو ابنه في النعش الابيض ان يعود للحياة وهو يعلم انه لن يفعل، تطلب عقوبة الاعدام، عندما ترى وطنا ذليلا مذعورا مجرّدا من كرامته، واقفا على قارعة طريق يرجو مسلحا تافها بائسا جبانا كريها، يشهر السلاح تكبرا وتجبّرا على مفهوم الدولة كلها وباستخفاف لا يقارب، تطلب له الاعدام الف مرة ولتذهب مشاعر الانسانية تلك الى جحيمها…
هو الصراع الكبير بين ما نريده في غريزة البقاء تلك والصراع لاجل هذا البقاء، وبين ما تفرضه الانسانية الحقيقية علينا من ترفّع في المشاعر والالتجاء الى الصلاة حين تغلبنا مشاعر الكراهية، والى القانون العادل المتوّج بالعدالة والرحمة حين تسيطر علينا قوانين الغاب حيث نعيش.
انا شخصياً ماذا اريد؟! اذا اجبت بحرية ستزعل مني الانسانية، واذا اجبت بما يجب سأربح انسانيتي وانا انحو الى الاتجاه الثاني كي لا اخسر نفسي…
