
القضية واحدة. الهدف واحد. العقيدة واحدة. الوسائل متعدّدة. النضال المُسلّح أو النضال السلمي أو النضال المؤسساتي، ثلاثُ طرق خاضَتها ومشَتها “القوات اللبنانية” قيادةً وقاعدةً للوصول إلى لبنان الوطن لجميع أبنائه والدولة الحرّة السيّدة المستقلّة. بالدم والدموع، بالحِبر والصمود، بالساعد والإيمان ناضَل الآلاف للوصول إلى دولة لا تحتضن الدويلات ولا تتبع ولايات. دولة المساواة والحقّ والعدالة. دولة الانفتاح والتحرّر والحضارة. “أرض خضرا… حدودها من ميلِة ماي زرقا ومن ميلِة تياب بلون ترابا وأرزا”.حكاية 4114 يوماً من النضال المستمر لحزب “القوات اللبنانية”، وَثَّقها الكاتب والصحافي جورج حايك في كتاب “القوات اللبنانية في ميادين النضال السرّي”. حكاية النضال بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، من العام 1990 لغاية العام 2005 صاغها حايك بخيوط متنوّعة، كوَّنت حقيقة تلك المرحلة بعذاباتها ومتاعبها ورُعبها. المخاض الإرادي، الذي رغم كلّ ما بَذلته خرجت منه “القوات” بقائدها ومناضليها، صلبةً ثابتةً، لتنتقل إلى مرحلة نضال من نوع آخر.
مقابلات وشهادات
ما قبل حلِّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقال قائدها سمير جعجع في 21 نيسان 1994 طريق مُعبّدة ببثّ الشائعات وتركيب الملفّات وتوزيع المغريات والتهديدات. وما بعد الاعتقال، اعتداءات واعتقالات عشوائية وتعذيب وترهيب كلّ مَن تشي وطنيته بأنه “قوَّتجي”، لتأكيد الشائعات وإثبات الملفّات وإنجاح المغريات أو التهديدات.
النتيجة: شبّان وشابّات ومحاربون سابقون وطلّاب وقائد رفضوا تعبيد الطريق إلّا بالصمود والتحمّل وحملِ الصليب إلى أن تحينَ القيامة، مهما سُقيَت الأرض دماءً ودموعاً وعرقاً. النتيجة: قائد مُعتقل لـ11 عاماً، شهداء سلم، مُعتقلون، منفيّون ومُضطهدون.
تتدرّج فصول الكتاب في 300 صفحة من الحجم الوسط، من الانقلاب على الطائف إلى زلزال تفجير كنيسة سيّدة النجاة وجلجلة التحقيق، إلى مواجهة محاكمات كرتونية… وصولاً إلى الخروج من النفَق إلى الحرّية.
قابلَ المؤلف جورج حايك، العضو في المجلس المركزي لـ”القوات اللبنانية” 25 شخصاً ممّن خاضوا النضالَ السرّي في تلك المرحلة، منهم محاربون سابقون ومقرّبون من “الحكيم”، ومنهم مسؤولون في الحركة الطالبية القواتية، المناضل الأبرز خلال تلك المرحلة والفاعل الرئيسي في انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005. النضال تدرّجَ وتفاوَت، ولكن وكأنّ خوف نظام الوصاية لا بل رُعبه من المناضلين كان واحداً.
فلم يوفّر النظام الأمني صاحبَ كلمةٍ في شارع، أو خطاباً في تحرّكٍ أو بيانٍ في جامعة من الملاحقة والتهديد والاعتقال وصولاً إلى الاغتيال، كما حصَل مع رمزي عيراني، رئيس مصلحة طلّاب الجامعة اللبنانية في “القوات اللبنانية”.
التعذيب الموحّد
قبل 11 يوماً من اعتقال جعجع نُقلت له رسالة مصدرُها السلطة، تتضمّن الوعيد بأفظع الأمور. جواب جعجع الثابت كان: “أنا مِش رح إسمح بتسجيل سابقة بتاريخ المسيحيين إنّو قائد “القوات اللبنانية” الزعيم المسيحي يتخلّى عن شعبو وعن قاعدتو ويَهرب وقت اللي الموس بتوصَل لرَقبتو…”
اعتُقل جعجع وكرَّت بعده سبحة الاعتقالات. وفي مقدّمة الكتاب وبعد أن استمع إلى عدة شهادات ووثّقها، أورَد حايك وسائلَ التعذيب المُشتركة.
“مسرح الأحداث المشترك هو وزارة الدفاع حيث يتمّ إنزال الشاب من الآلية العسكرية وتنهال عليه الضربات والركلات من كلّ حدبٍ وصوب… ويقف ووجهُه إلى الحائط مكبَّلَ اليدين إلى الخلف والرأسُ مغَطّى بقطعة نتِنة من القماش… وما يلبث أن يأتي كلّ برهة عسكري… يسأله عن رتبته في “القوات”، فيجيب، وتأتي قوّة الضربات بحسب الرتبة مع تعليقات هازئة…
الضغوط لم تكن تنفع، ويعود المعتقل إلى إنكار التهَم، فتُوجَّه الضربات على الرأس ويأمرونه بالوقوف إلى الحائط ويُطلب منه فتحُ رِجليه تماماً، ويوكل إلى “عطيّة”… يدوم وقوفه ساعات… ويصير كلّما أحس باقتراب سقوطه من الألم يختار في كلّ سقطة رجلاً مختلفة، فتتورّم ركبتاه، وأحياناً يتعمّد السقوطَ لكي يريحَ ظهرَه، ولو أدّى ذلك إلى ركلات عدّة من “عطيّة”.
… بعد ساعات من التحقيق معه، يتمّ سحبُه إلى الأعلى بواسطة البلانكو حتى ترتفع رِجلاه عن الأرض، فيقع ثقلُ جسمه على يديه من الخلف ويشعر بألم مبرّح لا يُحتمل، وكأنّ سكاكين من نار تمزّق كتفَيه وظهرَه، فيتردّد صدى وجعِه في تلك الأقبية، حتى يَهمد أنينُه من ثقلِ الألم، فيظنّ “عطية” بأنّ الألم قد زال عنه، فيقترب ممسِكاً برِجليه شادّاً بهما إلى الأسفل بحركةٍ قوية تَجعله يصرخ بأعلى صوته متمنّياً الموتَ أو فقدانَ الوعي”…
ويقول حايك: “عند جمعِ قصصِ هؤلاء المناضلين مع شهادة سمير جعجع تكتمل صورة تلك المرحلة”. وبعد استماعه إلى 25 شهادة، يعبّر عن دهشته بـ”صلابة هؤلاء الشباب الذين كانوا عند خروجهم من الاعتقال ورغم كلّ التعذيب الذي تعرّضوا له، يستمرّون بالنضال ولا يستسلمون”.
ويشير إلى أنّ المشهد المؤلم الذي تكرَّر مع جميع الشباب هو أن “يجعلوهم يرَون قائدَهم مُعتقلاً”.
“القوات اللبنانية في ميادين النضال السرّي” يأتي بعد كتاب “على دروب المقاومة”، الذي تناوَل فيه حايك المرحلة العسكرية للقوات اللبنانية من العام 1975 لغاية نهاية الحرب عام 1990.
يتناول الكتاب أيضاً نضالَ سمير جعجع الذي قبَع 11 عاماً في الاعتقال، في ظروفٍ لا إنسانية. ويؤكّد حايك أنه ليس مع تمجيد الأشخاص، ولكن “لا يمكن عدم تقدير شخص سمير جعجع، الذي لديه تجربة نضال كبيرة بسَجنِه، ولو لم يَصمد وبقيَ ملتزماً ومؤمناً بقضيته، لم نكن لنحقّق النجاح، فصمودُه كان من العوامل الإيجابية، ومِن سِجنه وبه أعطى الانطباعات للشباب لمعرفة أيّ طريق يجب أن يسلكوا”.