نداء إلى الشباب المسلم… تجربة “تنظيم الدولة” تسقط فلا تسقطوا معها (احمد الأيوبي)

 

في ضوء التطورات المتسارعة في سوريا والعراق ولبنان والمنطقة العربية عموماً ، ومع إنكشاف دور المنظمات المتطرفة وتحالفها الموضوعي مع النظام السوري والمحور الإيراني ، وإستخدام سيطرة “تنظيم الدولة” على الحواضر السنيـّة الكبرى لتدميرها واحتلالها..

ومع سقوط أسطورة القوة التي بنى عليها “تنظيم الدولة” صورته ، وتفكّك منظومته ، وصولاً إلى لبنان حيث لا يمكن القبول بأي مسعى لضرب الأمن والإستقرار… هذا نداءُ ودعوة للشباب المسلم من أجل التبصّر ومراجعة المرحلة الماضية بما حملته من ثغرات وتداعيات هائلة ، من الواجب العمل على معالجتها والتخفيف من أضرارها.

وقبل بدء سطور النداء ، أودّ أن أوضح أن موقفنا من “تنظيم الدولة” و”القاعدة” وغيرها، لا ينطلق من رفض مسبق، بل يأتي بعد دراسة معمـّقة ومقاربات واقعية دقيقة، ناجمة عن حوارات ونقاشات وإطلاع على الوقائع، وصولاً إلى الخلاصات التي سيتضمنها هذا النداء.

“تنظيم الدولة”: أضرار دعوية وسياسية بالغة

لقد أثبتت الأحداث والوقائع أن ظهور “تنظيم الدولة” وإنتشاره وتوسعه لم يأتِ بخير للمسلمين، لا دعوياً ولا سياسياً ولا ميدانيا.

ساهمت أعمال هذا التنظيم في ضرب صورة الإسلام والمسلمين من أهل السنة تحديداً، ووصمهم من قبل أعدائهم بالإرهاب، وإحراج حلفائهم في الدفاع عنهم.. فضلاً عن أن أعمال التنظيم لم توقع أضراراً إستراتيجية بمن هاجمهم، سواء في أوروبا أو في سواها من البلدان، بل إن الواقع يؤكد قدرة هذه الدول على امتصاص هذه الهجمات، وتحويلها إلى عنصر دعاية مضاد، وإلى وسيلة إبتزاز للمسلمين في الكثير من دول العالم.

  • “تنظيم الدولة” أداة لتدمير الحواضر السنية

تحوّل “تنظيم الدولة” إلى أداة لتدمير الحواضر السنية الكبرى في سوريا والعراق، فكل مدينة سيطر عليها أصبحت أثراً بعد عين، وكان هذا جزءاً من الإسراتيجية الإيرانية. فقد  كشف أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله في كلمة له بتاريخ 12 أيار الماضي، أن إيران وأحزابها تتبع إستراتيجية واضحة تتمثل في السماح لتنظيم “داعش” بالدخول إلى المدن والبلدات (السنية) ثم يدخلون إليها ويدمرونها.. وهذا ما حصل من عين العرب وصولاً إلى الموصل التي تسقط وتباد وتـُصاف إلى سلسلة المدن المحتلة من إيران وميليشياتها.

والحقيقة أن “تنظيم الدولة” كان سبباً في نكبة عظيمة حلّت بالمسلمين وستبقى آثارها ممتدة لسنوات طوال، ولأجيال كثيرة، لأنها أوقعت خسائر من الصعوبة بمكان حصرها وإدراكها حالياً.

  • ما الجدوى؟

منذ إنشاء تنظيم “القاعدة” وهذا الفكر يتناسل تنظيمات، كل واحد منها ينافس سلفه في التشدّد وفي الوقوع في براثن القوى المتربصة بالمسلمين من أهل السنة.. وقعود قادة “القاعدة” في الرحاب الإيرانية معروف… وما حملته الأحداث لاحقا من تحوّل “تنظيم الدولة” إلى أداة لبطش الهيمنة الإيرانية في سوريا والعراق يجعلنا نطرح السؤال:

ما الجدوى من كلّ هذا؟

إن هذه التجارب الدامية تجعلنا نتساءل: “إلى متى تسمين شبابنا للتضحية بهم على مذابح السياسات الإقليمية والدولية؟!

وإلى متى يبقى هناك من يقع في فخ رأى سواه يسقط فيه وهو مصرّ على المضيّ في الطريق نفسه وإلى الفخّ نفسه”؟!

ستسقط تجربة “تنظيم الدولة” تاركة وراءها آلاف الضحايا من الشباب المسلم ومن أبناء المدن الإسلامية، قبل أي فئة أخرى..

ستسقط هذه التجربة بعد أن ظن الكثيرون أنها أصبحت “دولة” وكياناً، لكنها لم تكن أكثر من مغامرة دموية وصلت إلى الحائط المسدود..

  • إلى شبابنا المسلم في لبنان

لقد إنخرطتم بدافع الحمية في نصرة الشعب السوري المظلوم ، فساند بعضكم بالإغاثة وساعد آخرون بالمال، واندفع البعض للقتال في الداخل السوري ، وتورط نفر محدود في أعمال أمنية في الداخل اللبناني ظناً منهم أنها تخدم القضية السورية.

ولكن التحولات اليوم تدفعنا إلى مراجعة هذه التوجهات ، وخاصة ما يتعلق بالمشاركة في الحرب السورية والتورط في الشبكات الناشطة بهدف القيام بأعمال أمنية ضد أهداف أمنية أو ضد مناطق سيطرة “حزب الله”.

ــ في موضوع المشاركة في الحرب السورية:

من الواضح أن مسار الحرب في سوريا إنحرف عن هدف إسقاط النظام المجرم، وبات خاضعاً لحسابات دولية تجعل مشاركة اللبنانيين فيها دون جدوى فعلية..

ــ في مقاربة الواقع اللبناني:

أصبح من المؤكد أن كل المساعي لهزّ الأمن في لبنان لا مصلحة للمسلمين فيها ، وهي قبل ذلك لن تؤتي نتيجة تؤثر في توازنات المعادلة القائمة ، لا سياسياً ولا أمنياً..

ومن الواضح أن الأجهزة الأمنية اللبنانية باتت متقدمة بأشواط على كل محاولات ضرب الإستقرار.. لذلك يصبح الإستمرار في هذه المحاولات ضرباً من العبث والإنتحار وليس من الشرع ولا المنطق البقاء في هذه الدائرة المدمّرة..

  • توصية وبيان

إن طموحات الشباب المتحمّس، المتحرّق لنصرة دينه وأمته، هي طموحاتنا جميعاً، ولكننا عايشنا سلسلة تجارب متعاقبة من أحداث الضنية مروراً بمعركة نهر البارد وليس إنتهاءاً بالمواجهات الدائرة في سوريا، ووصلنا إلى خلاصة لا يمكن إسقاطها، ويمكن إختصارها بأن نمط عمل المنظمات “الجهادية” مبني على منطلقات يسهل إختراقها وإعادة استخدامها في مسارات تختلف عن المنطلقات التي يراها الشباب مجسدة لطموحاتهم في القوة والإنتصار على الظلم والقهر..

  • نداء من القلب

أتوجه بندائي هذا، بعدما أصبحت آلام أمهاتكم وآبائكم، وإخوتكم وأخواتكم أكبر من الإحتمال، وهم يخضعون لشتى أنواع الإبتزاز والإهمال..

اتوجه إليكم بأسف الأخ المشفِق المحب.. لأناشدكم أن تختصروا طريقاً بات معروف النهاية، فلا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..

ومن موقع المحب والمسؤول أقول وبكل صراحة:

لم يعد هناك مجال للتعامي عن الواقع، والمسؤولية تقتضي المصارحة:

إن “تنظيم الدولة” مصنّف في لبنان على أنه منظمة إرهابية، وكل تواصل مع أيٍ من أفراده أو مسؤوليه، يعرّض القائم بالتواصل إلى وضعه على قائمة الإشتباه التي من شأنها تدمير حياته وتحويلها إلى كابوس لا ينتهي..

نحن نعلم أن بعض الأجهزة الأمنية تمارس سياسة تمييز، وفي مراحل معينة كان أداؤها منتجاً للكثير من عوامل العنف المضاد، ونعلم أن العدالة في لبنان تعاني الكثير من العلل.. ولكن هذا يجب أن يدفعنا إلى المزيد من الوعي واليقظة، حتى لا نقع في تداعيات الصراع السياسي المحلي والإقليمي المرتبط بملفات ما يسمى الإرهاب..

بناء على كل ما تقدم..

أدعو الشباب المتأثرين بفكر “تنظيم الدولة” إلى تأمل ما يجري حولهم وإلى إستخلاص العبر، ومن لم يظهر منهم ما يكشف إنتماءهم هذا أن يخرجوا منه مخرجا هادئاً كريما ، فلا يشعر بهم أحد، ولا يضعوا أنفسهم قيد تجربة مريرة نريد لهم أن يتجنبوها..

وندعو الشباب الذين غادروا خارج لبنان إلى العودة لأهلهم وذويهم وإلى حياتهم الطبيعية، التي يسودها حسن الإلتزام بالدين والإبتعاد عن منزلقات الإندفاع نحو مشروع ليس لكم دور في بنائه ولا تأسيسه، بل يُراد لكم أن تكونوا مجرد وقود في حرب ليست حربكم..

وندعو الشباب المتواجدين تحديداً في جرود عرسال إلى المبادرة للخروج من تلك المنطقة بالوسائل المتاحة والإستعداد للإفادة من أي فرصة أو ثغرة للمغادرة..

وأما الشباب الذين تورطوا في أعمال أمنية أو هم في صدد التفكير بارتكاب تفجيرات أو اعتداءات، فأتوجه إليهم بصراحة ووضوح لأؤكد لهم بأن التراجع واجب، والتخلي عن ما أنتم فيه أولى وأنفع من الإستمرار في الإندفاع نحو الهاوية ، والرجوع عن الخطأ فضيلة..

  • واجب الدولة اللبنانية

في المقابل، أدعو البعض في الدولة اللبنانية والقوى السياسية إلى الكف عن المتاجرة بقضايا الإرهاب، والتوجه لإيجاد حل يسمح لكل الشباب الراغب بالعودة إلى لبنان ، وخصوصا أولئك المتواجدين في جرود عرسال.. بأن يتمكنوا من عودة كريمة آمنة، تأخذ إنسحابهم من صفوف المسلحين بعين الإعتبار، وفق آليات تضمن الأمن وتستعيد مواطنين وقعوا ضحايا أداء أمني وإجتماعي غير منصف، ودعاية استقطاب سوداء حوّلتهم مطاردين عبر الحدود.. وبأن تشجع من يرغب في التخلي عن دوره في ضرب الأمن للخروج نحو تسوية يرعاها قضاء يجب أن يتمتع بالقدرة على مواكبة حاجات المجتمع في مواجهة تحديات إستثنائية.

احمد الأيوبي: أمين عام التحالف المدني الإسلامي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل