#adsense

بين التفاؤل والتشاؤم … التشاؤل

حجم الخط

لقد بدا واضحاً منذ البداية أن إرتفاع حدة الخلاف بين القوى السياسية حول قانون الإنتخاب كان مرده أولاً وأخيراً خشية هذه القوى من خسارة بعضاً من نفوذها السياسي في هذه المعركة  التي تعتبرها وجودية إلى أبعد الحدود، حيث بدا أن كل فريق يحاول من خلال ما يطرحه تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية أو الحفاظ على الحد الأدنى في هذا الإطار، في الوقت الذي كان ولا يزال عدد من القيادات السياسية وفي مقدمهم رئيس الجمهورية وحتى اللحظات الأخيرة متمسكاً بمواقفه الرافضة إجراء هذا الإستحقاق الدستوري إلا وفقاً لقانون جديد يؤمن عدالة وصحة التمثيل لمختلف شرائح المجتمع اللبناني.

وعليه فقد تبدى وحتى الربع ساعة الأخيرة من خلال المعطيات السياسية المتوافرة أن خطر الدخول في فراغ على مستوى السلطة التشريعية أو الذهاب نحو الستين أو إلى تمديد ثالث لولاية المجلس النيابي بمعزل عن أي قانون إنتخابي قد يتحول من كلام سياسي إعلامي تسويقي إلى واقع قد يفرض نفسه على الساحة اللبنانية في غياب أي خيارات أخرى، وهو ما قد ينذر بأشد العواقب سوءاً على مستوى الحياة السياسية اللبنانية وهذا ما لا يمكن تحمل أعباءه أو تداعياته في المرحلة الراهنة خصوصاً أنه قد يتزامن مع أزمات أخرى قد تطال الساحة اللبنانية في المرحلة المقبلة في ظل النيران المستعرة من حولنا.

ومن هنا أصبح لزاماً على الأفرقاء السياسيين في ظل ما نحن عليه عدم تضييع فرصة توافق اللحظات الأخيرة ومقاربة الأمور من وجهة نظر واقعية وإتخاذ كل ما يلزم من إجراءات عملية وسريعة لتخطي الأزمة الحالية وإنعكاساتها وتداعياتها المستقبلية والتي يمكن أن تتعاظم ككرة الثلج في حال بقيت الأمور سائرة على مغاربها وبالإتجاه التي هي عليه اليوم، وهذا ما إستلزم معه بطبيعة الحال وكمبادرة دستورية توقيع مرسوم فتح العقد الإستثنائي لمجلس النواب لتمكينه دستورياً من الإنعقاد في دورة إستثنائية لمناقشة مشروع قانون الإنتخاب كبند وحيد على جدول الأعمال وإقراره في جلسة عامة.

ومن هنا يقتضي طرح الأمور كما هي، وبواقعيتها، والإسراع في تلقّف البدائل القانونية والدستورية المقترحة والتي قد تكون على الأرجح الفرصة الأخيرة المتبقية وذلك لتخطي النتائج السيئة للأزمة الراهنة بكل تداعياتها وإنعكاساتها إن على الصعيد الداخلي وإن أمام الرأي العام الدولي، تجنباً للدخول في حقل ألغام والذي لن يكون في مصلحة أحد أو أياً كان سلوكه … وهذا ما يقتضي بنا مقاربة الأمور بطريقة واقعية ومنطقية، بعيداً عن الحسابات السياسية والفئويّة الضيقة ذلك أن واقع المجتمع اللبناني يفرض أولاً وأخيراً التوافق والإلتقاء حول رؤية سياسية موحدة في مضامينها وعناوينها العريضة للخروج من حالة اللاوعي السياسي الذي فرضته أزمة قانون الإنتخاب والتي تبدو وعلى أبعد تقدير أنها لا تشكل في الواقع أي مشكلة بالمعنى الحقيقي فيما لو اعتمدت معايير موضوعية صرفة لحلها إنطلاقاً من مرتكزات وطنية تجمع ولا تفرّق حتى ولو اقتضى الأمر أن تخسر بعضاً من القوى مقعداً من هنا أو إثنين من هناك.

فكفانا جدالاً في صنف الملائكة وكفانا دوراناً في حالة العبثية والفراغ، ذلك ان حقوق هذه الطائفة أو تلك لا تتحقق بأسلوب أو كيفية إنتخاب نوابها أو عدد المقاعد التي يمكن أن تحصده في الإنتخابات النيابية إنما قد تتحقق على قاعدة المواطنة الحقة التي تضمن حقوق جميع الطوائف حاضراً ومستقبلاً، وما الإنتخابات من هذا المنظار إلا إعادة تكوين للسلطة على قاعدتي الميثاقية والمناصفة وعدالة التمثيل لجميع الفئات والتيارات السياسية ضمن معادلة ثابتة تحترم مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

فالمطلوب إذن إرادة واعية مدركة للخروج من حالة اللاوعي السياسي لندرك حقيقة مدى خطورة اللعب على حافة الهاوية أو المراهنة على لعبة الـ Roulette الروسي لاسيما في ظل ما نحن عليه من تأزم وتشرذم وضياع، ألم يحن الوقت بعد أن نتعلم أن واقع المجتمع اللبناني محكوم بالتوافق قبل الدساتير والأعراف، كما ألم نتعلم من الماضي والحاضر أنه لا أحد في لبنان يلغي أحداً، ألم نتعلم أن لبنان بلد الميثاقية والشراكة والعيش الواحد، ألم نتعلم أن لبنان بلد التنوع الفريد في صيغته، الم نتعلم أن لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة… فهذا هو واقع وحال المجتمع اللبناني والذي يقتضي التعامل معه إنطلاقاً من هذه القاعدة وعلى هذا الأساس وليس العكس.

ومن هنا نقول إنه لم يعد هناك من وقت متبقي لفرض الشروط أو الشروط المضادة، أو لتقديم المزيد من الإقتراحات أو تسجيل مواقف أو تحسين شروط التفاوض، أو رفع سقف المطالب أو السعي لتحقيق مكاسب وإنتصارات…

فالوقت داهم الجميع، والأمر قد قُضي، وساعة الحقيقة قد دقت، والوقت شارف على الإنتهاء وانتهت اللعبة…

كلنا على مركب واحد ومصيرنا واحد، فإما أن نربح وطناً أو نخسره، وإما أن يغرق المركب بمن فيه وإما أن ينجوا الجميع.

وما بين التفاؤل والتشاؤم هناك التشاؤل…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل