
رياح التغيير التي لفحت فرنسا مع الانتخابات الرئاسية، فأطاحت الاحزاب والتيارات الرئيسية التقليدية، لا تبدو ستنحرف عن مسارها، بل تستكمله برلمانيا استنادا الى ما افرزته نتائج الجولة الانتخابية الاولى، حيث حقق تيار “الجمهورية الى الامام” بقيادة الرئيس ايمانويل ماكرون فوزا يجوز وصفه بالساحق، اذ حصد اكثر من نصف اصوات المقترعين بنيله 32,32 في المئة ، متصدرا النتائج مع حلفائه الوسطيين في “الحركة الديموقراطية” ، يليه حزب اليمين بـ 21,56 في المئة متقدما بفارق كبير على حزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف الذي نال 13,20 في المئة. اما الحزب الاشتراكي فمُنيَ بخسارة فادحة، اذ تشير التوقعات إلى أن حصة حزبه في الجمعية الوطنية المقبلة ستتراوح بين 15 و40 مقعداً، كحد اقصى وهي نتيجة كارثية مقابل الغالبية المطلقة التي كان يتمتع بها في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند، حتى ان امينه العام جان-كريستوف كامباديليس خسر مقعده النيابي عن الدائرة 16 في باريس الذي شغله من دون انقطاع منذ العام 1997 إثر فشله في التأهل إلى الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية.
وتبعا للخريطة التي رسمتها نتائج الجولة الاولى، تذهب التوقعات الى اعتبار ان حزب الرئيس ماكرون اليافع، الذي لا يزيد عمره عن عام واحد، يمكن أن يحصل بعد الدورة الثانية التي تجري الاحد المقبل، على ما يزيد عن 400 مقعد في الجمعية الوطنية من اصل 577 ، أي بفارق كبير عن الـ289 المطلوبة للأغلبية المطلقة، بحيث يشكل “تسونامي” سياسيا يطيح التيارات التقليدية التي سئمها الفرنسيون التواقون الى التغيير عن طريق العنصر الشاب الخلاّق الطامح الى نهج جديد في التعاطي السياسي الفرنسي في الداخل والخارج.
وتعتبر اوساط دبلوماسية عربية في باريس ان الشعب قرر منح الفرصة للرئيس الجديد الذي يعكس برنامجه في بعض اهدافه مدى توقهم الى “الانتفاضة” على النهج الروتيني الممجوج الذي لم يعد بحجم طموحاتهم السياسية ونظرتهم الى الدور المفترض ان تلعبه فرنسا على المسرح الدولي. وتعتبر ان الاكثرية المريحة التي قد يحصل عليها حزب ماكرون والدم الجديد الذي سيضخه في عروق الدولة من شأنه ان يحدث القفزة النوعية المراد تحقيقها اذا ما احسن الاداء ونفذّ الاصلاحات الموعودة على المستويات كافة.
اما وصول الجيل الشاب الى الحكم الذي يمثل ماكرون واجهته، فعبّدت طريقه، وفق الاوساط، اجراءات عدة اعتمدت اخيرا في مقدمها فصل النيابة عن اي وظيفة او مسؤولية رسمية اخرى، بحيث بات متعذراً على النائب ان يكون عضوا في الجمعية الوطنية ورئيس بلدية في آن، كما على الوزراء الذين يترشحون للانتخابات ولا يحالفهم الحظ الاستقالة من الحكومة ، وهي خطوات حملت الكثير من الوزراء والسياسيين ورؤساء البلديات على الاحجام عن الترشح، مفسحين المجال امام الجيل الجديد، وتبين استنادا الى المعطيات المشار اليها ان الكثير من المرشحين غير معروفين على المستوى الوطني كونهم آتين من قطاع الاقتصاد والاعمال.
الا ان الاوساط تعتبر ان كل هذه التسهيلات امام الرئيس الفرنسي لا تلغي العقبات الكبيرة والمطبات التي قد تعترض طريق تنفيذ برنامج اصلاحاته خلال ولايته الرئاسية، ذلك ان تياره الفتيّ يضم مزيجاً من الاشتراكيين واليمينيين واليساريين والوسطيين والمستقلين بما يشكل خلطة سياسية معقّدة الى حدّ ما، يفترض ان يعمل على تأطيرها وانصهارها ودمجها في بوتقة واحدة لتأمين الحد الادنى من الانسجام في ما بينها.