جعجع “إرتكب” الخطأ الإستراتيجي الكبير … والآتي أعظم

وأخيراً.. وبعد أكثر من 25 سنة من قوانين الإنتخاب المعتورة، المشوهة والمزورة لإرادة الشعب اللبناني، والتي صُنعت في أقبية الإحتلال السوري، بات للبنانيين قانون إنتخاب جديد صنع في لبنان .

لا شك أننا سنشهد في الأيام المقبلة، إرتفاع أصوات المتضررين اللاهثين خلف مصالحهم الشخصية الأنانية من قانون الإنتخاب الجديد، فهؤلاء لا هم لهم سوى المحافظة على مواقع نيابية إحتلوها عبر قوانين ملتوية لا تمثل إرادة اللبنانيين، بل هي وُضعت أصلاً لمصادرة أصواتهم وقرارهم الحر. هؤلاء “لن يبدّلوا تبديلاً” اليوم بعدما اعتادوا الزحف إلى أعتاب المحتل ليتكرم عليهم بمقعد نيابي.

ولكن هنا، سلسلة أسئلة تطرح نفسها في محاولة فهم حقيقة ما حصل: لماذا نجحت “القوات اللبنانية” حيث فشل الآخرون؟ وكيف نجحت “القوات” في كسب ثقة أشد خصومها قبل أصدق أصدقائها لتمضي في هندسة قانون الإنتخاب الجديد بمباركة من الجميع؟ ولماذا بارك الجميع مسعاها وسلّموا بوضع شؤون وشجون القانون بين يديها لتجد الحل المناسب فيبصر قانون الإنتخاب الذي طال إنتظاره النور؟

على صعوبة الأسئلة وأحقيتها، قد يكون الجواب بسيطاً: لأن “القوات” ورئيسها سمير جعجع ، تنطلق في مقاربتها لأي شأن وطني من مرتكزات أساسية مبدئية وطنية ثابتة وبنظرة استراتيجية عميقة للأمور، أساسها مصلحة لبنان واللبنانيين على اختلاف مشاربهم، وبما يؤمّن “الخير العام” للجميع.

من هذه الزاوية دخلت “القوات” على خط المفاوضات التي كانت تجري، وبعدما بدا أنها تعثرت، بل توقفت كلياً واصطدمت بحيطان العراقيل المتبادلة. وحين استسلم الجميع وتأكد أننا ذاهبون إما إلى الفراغ القاتل أو عائدون إلى “الستين” اللعين، والأمران عنوانان للخراب ولمزيد من الفساد والشلل والإنحلال في مؤسسات الدولة، بادر سمير جعجع والتقط اللحظة المناسبة للتدخل وكلف نائبه جورج عدوان، صاحب الخبرة الممتدة والباع الطويل في إدارة المفاوضات الصعبة، بالمهمة، وحازت مبادرته على قبول ورضى من الجميع بعدما استهولوا الفراغ الزاحف، وللمصداقية التي يدركونها لدى “القوات” بغض النظر عن الإصطفافات السياسية التقليدية.

الثقة بـ”القوات” وجعجع لم تكن آنية، إنما هي نتيجة لمسار ونهج طويلين ممتدين. نستذكر توجيهات جعجع لنواب ووزراء “القوات” قبل أيام في حمأة المفاوضات: “جنبلاط خط أحمر”.

والعلاقة بين جعجع ورئيس مجلس النواب نبيه بري قديمة ويعرفان بعضهما جيداً، وفيها تبادل “قفشات” ومزاح من العيار “الحرّيف”.. يقول بري ممازحاً: “جعجع يجلس فوق في معراب ويتسلى بنا”، ليرد جعجع بدوره ممازحاً: “صديقي الرئيس بري، معاذ الله أن أكون أتسلى بكم، أنا فقط أتسلى معكم”.

والجميع يذكر حين سئل أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله عن تقييمه للقاء الوحيد الذي جمعه بجعجع على طاولة الحوار، فقال: “هو رجل منطقي يدرس ملفاته ويحضرها بشكل جيد، ويطرح آراءه وقناعاته بصدق وصراحة وشفافية”.

ولا ضرورة لشرح ما بين جعجع ورئيس الحكومة سعد الحريري والعلاقة الوطيدة الراسخة بين الرجلين، ومعادلة الـ”س – س” المعمدة بالدماء والتضحيات.

أما العلاقة التي تربط بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون و”التيار الوطني الحر” وجعجع و”إتفاق معراب” المبارك، فهي ثابتة الثوابت، وقد أفضنا في الإضاءة عليها، وقد نعود للمزيد في مناسبة أخرى.

نجحت مبادرة “القوات” وجعجع وجهود عدوان في إنقاذ الموقف. ولا يمكن في السياق إغفال الجهود الكبيرة التي بذلتها الأمينة العامة لحزب “القوات” د. شانتال سركيس، صاحبة الخبرة الطويلة المتميزة في الشؤون الإنتخابية والإدارية على مستوى عالمي، والتي كلفها جعجع بتولي شق آخر من ملف الإنتخاب فأدت المهمة بحرفية عالية. وبدا لافتاً لكافة المراقبين، إستدعاؤها على عجل إلى السراي الحكومي حين ظهرت عراقيل وعقبات في اللحظات الأخيرة من الإعداد لقانون الإنتخاب، قبل أن يبصر النور بعد وضع امرأة من “القوات” لمساتها على الصياغة النهائية للقانون.

ولا بد هنا من التأكيد للأمانة والموضوعية، أن مبادرة “القوات” وجعجع الإنتخابية الإنقاذية، لم تكن لتنجح لولا ملاقاتها من الطرف الآخر بكل جدية، وفي المقدمة، من قبل الرئيس  بري والسيد نصرالله، ولكنّا جميعنا دخلنا في نفق مظلم لا يعرف أحد كيف السبيل للخروج منه.

يحضرني في المناسبة، ما قاله غازي كنعان في الإتصال الأخير مع الزميلة وردة الزامل، قبل ساعات من “إنتحاره” بست رصاصات في الصدر والقلب بمكتبه في وزارة الداخلية في دمشق، والتي كنت قد تناولتها في مقالة سابقة.

كان كنعان محجماً عن الإدلاء بأي تصاريح إعلامية منذ إعفائه من “منصبه” في لبنان زمن الإحتلال السوري، و”ترفيعه” بمنحه موقع وزير الداخلية السورية. لكنه بادر إلى الإتصال قبل “إنتحاره” بساعات قليلة بالزميلة وردة ليقول بضع كلمات فقط، ممتنعاً عن الإجابة على أي سؤال.

قال كنعان بإختصار: “ما كان يجب أن يخرج سمير جعجع من السجن. وانا كنت قد طلبت من حلفائنا، وفي مقدمتهم الرئيس لحود، بألا يسمحوا بهذا الأمر بأي شكل من الأشكال. إن السماح بخروج سمير جعجع من السجن هو أكبر خطأ إستراتيجي ارتكبناه “وسندفع ثمنه غاليا”..  وأقفل الخط.

إلى أعداء لبنان، في الداخل والخارج، دولاً وأنظمة ونفعيين زبائنيين.. إن “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع يعدونكم بإرتكاب المزيد من “الأخطاء الإستراتيجية”، في سبيل لبنان السيد الحر المستقل والدولة الديموقراطية العصرية الحديثة. قانون الإنتخاب ليس البداية ولن يكون نهاية “الإرتكابات” الحميدة، هو خطوة متقدمة عما سبقه لكنه ليس أقصى طموحاتنا، بل أفضل الممكن في اللحظة الراهنة، والمسيرة مستمرة للتطوير والتحسين أكثر في المراحل اللاحقة.

“القوات” وجعجع يعدونكم بالمزيد. أبشروا، الآتي أعظم… والسلام

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل