إبني عريس بالسما بس أنا بدي العدالة…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1615:

قتلوا روي… ماذا ستفعل الدولة؟

إبني عريس بالسما بس أنا بدي العدالة…

تجتاح صور روي المكان، ما باله ذاك الشاب ألا يعرف أن الشباب لا يموت في عز الربيع، وان الربيع هو عمر الزهر، وأن عبق تلك الورود إعلان الحياة؟ فماذا فعل روي؟ كيف يذهب ولم يقطف بعد كل باقاته؟! بأي حق يترك سهوله العابقة من سنابله ليسرح هناك فوق في سنابل قمح يسوع وليترك لناس الأرض حصيدة الشجن؟ لا، لم يقرر روي حاموش بنفسه أن يغيّر حقوله، إنما شريعة الغاب المتفشية على طرقات لبنان قررت عنه مصيره وعمره، قطفت كل باقاته الملونة التي أمضت عائلته ثلاثة وعشرين عاما وهي تزرعها بالحب والكرامة والإنسانية، وإذ بالزعران يخطفون في ليلة داهمة كل تلك القيم…

هنا شريعة الغاب، ميّل عزيزي المواطن ولنرتشف معا فنجان القهوة المرّة، إذ ما عاد لنا إلا أن نشربها مرّة، فمواسم الدفن عندنا عامرة، ومواكب النعوش البيض تتوالى على طرقاتنا، وطرقاتنا صارت مقابر جماعية لشبابنا حيث يسرح وبحرية لامتناهية سلاطين الموت وأسياده ولا من يردع أو يحاسب أو يراقب! ميّل عزيزي المواطن لنقوم معا بجولة سياحية، ولكن أرجوك انتبه، اياك أن ترمق سيارة «مفيّمة» FUMEE بنظرة ارتباك ما أو اشتباه أو استفسار، فقد «يأخذ» على خاطر صاحبها، وينهال عليك بالرصاص، ويختم بالدم عمرك على قارعة الفوضى ولا تجد من يلمّك أو يبلسم جراحك!!

هنا شريعة الغاب يا روي، هكذا وصفتنا الصحافة العالمية بعد الحادثة المفجعة وما سبقها وما تبعها بأيام قليلة، روي حاموش ذاك الحلو، ابن البيت الذي ربي على القيم الانسانية الكبيرة، الذي يبدو انه لم يعش أعوامه القليلة تلك، المبللة بتعب الأهل وعرق حنانهم وخوفهم وحبهم له، وما تخرّج مهندسا وجهّز شباب شهادته وتعب الليالي الطويلة، وسهر الأم والأب الا حتى يقدم كل ما لديه، هدية مجانية حلوة جاهزة ممتلئة حياة وفرحا، لزعران الطريقالمتفلّتين الذين طاردوه مع صديقه جوني نصار من جونيه حتى الطريق البحرية في الكرنتينا،وليخطفوا عمره بدم بارد وقلب متحجّر، لماذا؟!!!

قد لا يحق لنا أن نسأل الرب أسئلتنا الكبيرة النابعة من عمق أعماق الحزن، لكن نسأل أهل الأرض أسئلة مماثلة من عمق أعماق الغضب، كيف ليد أن تمتد الى عمر روي حاموش وسواه من الشباب، وتقطف جنى العمر وهو في الثالثة والعشرين؟ بأي حق أو قانون أو دين أو شريعة، تتجرؤون على اطلاق حكم الاعدام على شباب لبنان؟ من أنتم؟ ما أنجزتم لهذه الأرض سوى الخراب والفوضى وعنجهية السلاح والاستقواء بزعماء مفترضين وهم ليسوا بزعماء؟ أأنتم بشر ولكم أمهات وآباء يخافون عليكم أم لعلكم أبناء الشيطان؟ بأي قلب امتدت أياديكم الى روي لتخطفوا من العيون البريئة تلك كل دفق الحياة نعمة الاله علينا؟!

7 حزيران 2017، بالدم انطبع التاريخ في تاريخ العائلة. هنا المنصورية، يعربش روي على عواميد الكهرباء، يلتصق الى واجهات المحال التجارية، يضحك وجهه عند حائط الكنيسة، لاجله تزيّنت الطرقات بالشرطان البيض، يكتبون على صوره «عريس السماء»، بينما الأرض كانت تخطط له غير عرس، كانت تريده عريسا متأبطا حب قلبه أمام مذبح الرب، وليس عريسا في نعش أبيض أمام ذات المذبح.

ما زالت ورقة النعوة عند مدخل البيت تشير الى ان الحزن سكن المكان ما أن غادره روي،»ليش قتلوا ابني؟» تردد والدته السؤال وهي تعلم أن ما من مجيب، «كبّرناه وعلّمناه تـ يموت هيك بكبسة رصاص ع الطريق ومن دون سبب؟ يموت لأنو مش أزعر؟»

من يجيب على أسئلة أم مفجوعة؟ صارت الأم ثكلى، لم يمت روي على جبهة الشرف، ولا هو شهيد دفاعا عن الوطن، ام الشهيد على الاقل تعيش فخر الشهادة حتى لو فقدت ابنها، لكن أم روي كيف ستعيش هذا الموت المروّع؟ أبو روي كيف يتعايش مع جريمة خطفت بعضا من قلبه وروحه وكيانه؟ «راح روي بس بقي عنا ولاد، ابني جو وولاد خيي وولاد العالم مين رح يسأل عنن ويحميهن من غدر الطرقات»؟ يسأل أبو روي بحرقة تكاد تتحول الى شهب نار يطلع من قلب قلبه. «بتعرفي إنو أنا بلاحق ولادي من لحظة لـ بيضهروا من البيت لحد ما يرجعوا؟» تقول أم روي التي أنزلت تطبيقا خاصا على هاتفها الآيفون بإمكانه تحديد مكان سيارتي إبنيها، ليس لتراقبهما إنما لتطمئن إليهما.

ليلة الحادثة وكان روي عائدا بسيارة صديقه جوني كي لا يكون وحيدا، وبعدما أنهيا العشاءَ في منطقة الكسليك، وعندما أصبحا في منطقة نهر الكلب طاردتهما سيارة من نوع «بي أم» سوداء ذات زجاجٍ داكن بداخلها ثلاثة شبّان، فصدمت سيارتَهما من الخلف في منطقة جل الديب، وعندها ترجّل روي وجوني لمعاينة السيارة، نزل الشبان من سيارتهم وحصل تلاسن في ما بينهم، ثم فرّ جوني وروي بسيارتهما كي لا يتفاقم الإشكال وبدأت المطاردة على الأوتوستراد، فدخلا في منطقة الكرنتينا علهما يضللان السيارة المطارِدة ودخلا في طريق مقطوعة، ولما ترجلا حاول أحد الشبان إطلاق النار على جوني فتبيّن أن مسدسه فارغ ما أتاح له الهرب، فعاد الى سيارته ولقم مسدسه ثم توجه نحو روي وأطلق النار عليه بدم بارد. هكذا دوّنت القوى الأمنية الحادثة، لكن في المقابل وفي الوقت الذي كان روي يسبح بدمائه كانت أمه تحاول الاتصال به بعدما تبيّن عبر هاتفها أنه توقف في منطقة الدورة، لوهلة ظنت انه يتسلى في أحد أماكن ألعاب الإنترنيت وهو لا يسمع هاتفها وسط الضجيج «بس يا دللي طلع إنو كل الوقت وأنا عم اطلبو كان هوي عم يسبح بدمو»، تقول بصوتها المبحوح بالحسرة.

انشغل بال الأهل فأرسل الأب الابن الأصغر جو ليسأل عنه «اتصلت بشب رفيقن كان معن بالسهرة خبرني بالأول إنو روي عامل حادث سيارة، ورحت تـ أعرف شو صاير وعرفت الحقيقة بس ما عرفت كيف بدي خبّر أهلي».

أوهم جو والديه ان روي في المستشفى يعالج من حادث سير، وذهبوا جميعا لانتظار روي، وهناك في المستشفى «الشهير» لم يسمح لذويه بالدخول، فبقوا  جالسين الى الرصيف في الشارع حتى الرابعة فجرا وهما يظنان أن روي يخضع لعملية جراحية، قبل أن تدوي فيهما تلك اللحظة المفجعة المميتة «راح ابننا بس شو منعمل بخيو وبولاد خيي؟» يسأل الأب. «شو عمل ابني حتى يقتلوه، ابني كان يعمل خير وكان من خيرة الشباب، آدمي مهذب معلّم بيحب العالم كلها، كنت فاتحة البيت لكل أصحابو تـ يضل هو وخيّو تحت نظري، ليش قتلوه؟ طيب هلأ راح روي وصار عريس بالسما شو منعمل بأبني وولاد العالم كلها؟ هيك رح يبقوا بلا حماية ع هالطرقات، مين رح يحمي لـ بقيوا؟ شو رح تعمل الدولة؟» تصرخ السيدة المضرّجة بألمها، والسؤال الكبير الذي يخرج من رحم الألم هو ماذا ستفعل الدولة بأبنائها وكل لحظة ممكن ان يكون للزعران روي جديد ضحية لتفلّتهم ولإجرامهم؟

«بصراحة أنا رح هاجر مع عيلتي إذا ما تحققت العدالة لابني» يقول والده، أي عدالة تطلب؟ الإعدام للقاتل؟ لا يحدد نوع العدالة تلك، ولا أسلوب الحكم «أريد العدالة، منطق القانون، أريد أن يرتاح ابني حيث هو، حين يعلم أني لم أترك دمه يذهب هدرا، لأجله ولأجل كثر سبقوه بالأسلوب ذاته سأناضل لأجل هذه العدالة»، يقول وهو يبتلع تلك الغصات الحارقة المخنوقة في أحشاء قلب أب كسره فراق الابن لكن لم يحطم كرامته ولا عزّته ولا عزيمته «أنا من زمان كنت ناوي آخد عيلتي وهاجر من هون بس رجعنا قررنا نبقى بالبلد أنا وخيي وولادو، هلأ رح إرجع هاجر إذا ما تحققت العدالة لابني». قرار الاب توافق عليه العائلة بأكملها «أنا كمان بدي فل مع أهلي إذا ما تحققت العدالة لخيي، لشو بدنا نبقى حتى نصير كلنا ضحايا زعران الطرقات» يقول جو.

لا شيء يبرّد قلب أهل مفجوعين بموت ابنهم، لا شيء على الاطلاق، صحيح أن عائلة روي تلقت دعما هائلا من الناس والطبقة السياسية بأكملها، وهم يصرون على توجيه الشكر للجميع وخصوصا للقوى الأمنية التي ألقت القبض بسرعة غير متوقعة على المجرمين، لكن وحدها الصلاة والإيمان هما العزاء الوحيد، وحده الرب حين يتسلل حبا وبلسما الى القلوب الجريحة، يرطب ذاك الألم العميق اللامتناهي، ومع ذلك لا يمكن إلا أن يُسأل ذاك السؤال، لماذا روي يا ربي؟ لماذا مارسلينو قبل سنة يا يسوع؟ لماذا ذاك وتلك وذلك وأولئك الشباب والصبايا الذين سبقوا روي وآخرون لحقوا به، يموتون على طرقات لبنان بسلاح زعران لهم «قديسوهم» الذين يحمونهم من القانون والعدالة، وما زالوا يسرحون بأسلحتهم وبكل ذاك التكبّر والتحدي الوقح لمنطق الدولة ولهيبتها؟ ولماذا، لماذا يا دولة ترضين أن يموت أحلا شبابك على قارعة الفوضى وأنت في العراء، في الذل، في الخضوع، في اللا تصدي تراقبين موتهم وموتك معهم؟ لماذا لا تتصرفين كدولة وتضربين بيد من حديد كل من يتطاول على كرامتك وكرامة أجيالك وشبابك؟! لماذا علينا أن نقبل بأن يكون كل يوم ثمة روي جديد مضرّج على قارعة الفوضى ولا من يردع فعلا أو يعاقب؟!

مات روي، صار عريس السماء ونحن تعبنا تعبنا من كثرة العرسان فوق، نريدهم هنا ترقص فيهم الحياة ويضج بجنونهم الوطن، نريدهم زينة طرقاتنا وليس ضحاياها، ونريد لمن يحوّل أعمارهم الى تراب الأرض ان تصبح أعمارهم وراء القضبان في قبضة العدالة، في قبضة القانون، وان تعود الدولة دولة وان تقفل أبواب الغاب على تلك الوحوش الكاسرة، كي يرتاح روي وأبو روي وأمه وليذهب «قديسو» المجرمين وحماتهم الى سابع جحيم. العدالة لروي العدالة ثم العدالة…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل