فرنسا تدخل عصر «الماكرونية» السياسية

كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة” – العدد 1615:

فرنسا تدخل عصر «الماكرونية» السياسية. الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية يوم الاحد في الحادي عشر من الجاري اكّدت هذا الواقع. وستثبته الدورة الثانية يوم الاحد التالي. في الدورة الاولى تقدّمت المشهد الانتخابي حركة “الجمهورية الى الامام” التي اسّسها الرئيس ايمانويل ماكرون في نيسان 2016 ومعها “الحركة الديموقراطية” الوسطية. حصلت الحركتان على 32.32 في المئة من الاصوات. وعشية اليوم الانتخابي الطويل أكدت كل التحليلات حصول الحزب الجديد للرئيس الجديد على غالبية مريحة في طالجمعية الوطنية” (البالغ عدد اعضائها 577 نائباً) تراوح ما بين 400 و 455. اي بفارق كبير عن الغالبية المطلقة المطلوبة (289 مقعداً).

في مقابل المفاجأة التي حقّقها حزب الرئيس ايمانويل ماكرون، سجّلت نتيجة الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية مفاجآت على مستوى الاحزاب التقليدية. اليمين المتمثّل، بحزب “الجمهوريين”، تعرّض لنكسة كبيرة على رغم حلوله ثانياً بنسبة 21.56 في المئة من الاصوات (بالتحالف مع “اتحاد الديموقراطيين والمستقلين”). حزب اليسار الاشتراكي بدا وكأنه يحتضر، اذ حلّ خامساً بـ 7.44 في المئة من الاصوات، في حين كانت له نصف المقاعد في طالجمعية الوطنية” السابقة. حزب “الجبهة الوطنية” لم يحصل على النتائج التي ارادها. زعيمته مارين لوبان التي خاضت الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ضد ماكرون وعدَت بأن تتزعّم المعارضة ضده. ولكن نسبة الاصوات التي حصلت عليها في الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية (13.2 في المئة) لا تخوّلها لعب هذا الدور.

نجاح حركة ماكرون في الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية كان متوقّعاً من قبل المراقبين وشركات الاحصاء، وإن لم يكن بهذه النسبة الكبيرة، وذلك لعدّة اسباب:

اولاً، نجاح ماكرون في اختراق الاحزاب التقليدية من خلال توزير اعضاء بارزين فيها. فحكومة ادوار فيليب (اليميني) تضم وزيرين من «حزب الجمهوريين» ووزيرين من الحزب الاشتراكي، ووزير من حزب الخضر اليساري…

ثانياً، برز الرئيس الشاب رئيساً قوياً فرض حضوره بين زعماء الدول الكبرى. فقد سجّلت الصحافة الفرنسية والعالمية مصافحته “القوية” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما سجّلت موقفه الحازم من دونالد ترامب بعد قرار الاخير الخروج من “اتفاق باريس للتغيير المناخي” وكلامه عن “خطة ب” واقتراحه إعادة المفاوضات في شأن الاتفاق. فقد ظهر الرئيس الفرنسي على الشاشة ليقول لنظيره الاميركي بحزم “لا تخطئ. ليس هناك من “خطة ب” في موضوع المناخ لأنه ليس هناك كرة ارضية ب”. وأضاف بأن لا مفاوضات جديدة بشأن الاتفاق. وختم بدعوة رجال العلم الاميركيين والمهندسين العاملين في تطوير الطاقات المتجددة وكل الاميركيين المحبطين من قرار رئيسهم، دعاهم الى العمل في فرنسا من أجل مكافحة التغيّر المناخي في العالم. واكّد لهم بأنها ستكون بلدهم الثاني.

السبب الثالث لنجاح حركة “الجمهورية الى الامام”، ان الفرنسيين، الذين قرروا التغيير بانتخاب ماكرون، يريدون ان يعطوه فرصة لتحقيق ما وعد به وانتشال البلاد من الازمات التي تتخبّط فيها، خصوصًا وان الاحزاب التقليدية فشلت خلال ولايتين في إخراجهم منها. اليمين فشل مع نيكولا ساركوزي بين عامي 2007 و 2012. وفرنسوا هولاند اليساري فشل فشلاً ذريعاً بين عامي 2012 و 2017. تجدر الاشارة هنا الى ان الفرنسيين غالباً ما يعطون الرئيس الجديد غالبية نيابية ليستطيع الحكم. واذا ما فشل يحاكمونه في الانتخابات الاخرى على مستوى المناطق او البلديات.

مسألة أخرى لا تقلّ أهمية وتعبيراً عن تقدّم حزب ماكرون في الدورة الاولى للانتخابات التشريعية، هي نسبة المقاطعة «التاريخية» التي بلغت 51.29 في المئة. إنها الاعلى في تاريخ الجمهورية الخامسة. وهذا يعود الى اسباب رئيسية ثلاثة:

الأول، تعب الناخبين الفرنسيين بعد دورتين للانتخابات الرئاسية قبل حوالي الشهر. فقد اتت الانتخابات التشريعية وكأنها دورة ثالثة للرئاسة!

الثاني، حال الإحباط التي يعاني منها المحازبون والناشطون في الاحزاب التي خسرت الانتخابات الرئاسية، خصوصًا اولئك المؤيدين للاحزاب الكبرى التي خرج مرشحوها من الدورة الاولى. فهؤلاء لم تسنح لهم فرصة الاربعة اسابيع لاستجماع قواهم وتجديد حماستهم لخوض الانتخابات التشريعية والانتصار فيها. لذلك يطرح بعض السياسيين والمراقبين اليوم ضرورة تغيير موعد الانتخابات التشريعية. فبعد تقصير ولاية الرئاسة من سبع سنوات الى خمس سنوات، في العهد الثاني لجاك شيراك، اصبحت هذه الانتخابات تأتي بعد شهر على انتخاب الرئيس. فرنسوا هولاند وعد بتغيير موعد الانتخابات التشريعية ولكنه لم يفعل.

السبب الثالث للمقاطعة “التاريخية”، يعزوه المراقبون لانشغال الرأي العام الفرنسي بالاحداث التي وقعت خلال الفترة التي سبقت الانتخابات وابرزها، ارتياح الفرنسيين لحكومة العهد الاولى التي بدت وكأنها حكومة وحدة وطنية تحتاج اليها فرنسا في هذه الظروف، وانسحاب دونالد ترامب من “اتفاق باريس للتغيير المناخي” والتفجيرات التي حصلت في لندن. كل هذه الاحداث تقدّمت على حدث الانتخابات التشريعية على المواقع الاخبارية وفي صفحات الجرائد والنشرات الاخبارية.

رداً على مفاجأة تقدّم حركة “الجمهورية الى الامام” التي يتزعمها ايمانويل ماكرون، ردّ ممثلو الاحزاب التقليدية الخاسرة بالتحذير من “ديكتاتورية” الحزب الواحد! لا شك ان هذا التحذير هو استكمال للحملة الانتخابية قبل الدورة الثانية. صحيح ان الديموقراطية الحقيقية تقوم على حكم ومعارضة ولكننا لا نعتقد ان التحذير من ديكتاتورية الحزب الواحد في الجمهورية الفرنسية في محلّه، وذلك لسببين:

الاوّل، ان الديموقراطية العريقة في فرنسا لا تسمح لا لرئيس ولا لحزب التفرّد في الحكم وممارسة الديكتاتورية. فهي ستعارضه وتوقفه عند حدّه. وإذا كانت عجزت من خلال «الجمعية الوطنية» فستلجأ الى الشارع. والفرنسيون هم «ملوك» الشارع منذ العام 1789، تاريخ الثورة الفرنسية الاولى.

السبب الثاني، لأن الرئيس الشاب يطمح لولاية ثانية. وهذا طبيعي وحق له. بالتالي لن يقلّب الناخبين ضده خلال ولايته الاولى. صحيح انه سيكون مضطراً لاتخاذ تدابير اقتصادية واجتماعية غير شعبية. ولكن يبدو ان المجتمع الفرنسي سيقتنع بها بعد مضي اكثر من عقد على الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

الدورة الاولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية اتت بعد ثلاثة أيام على انتخابات تشريعية بريطانية مسبقة ارادتها رئيسة الوزراء تريزا ماي استفتاءً لشعبيتها ولدعم مفاوضاتها مع الاتحاد الاوروبي لتحقيق الـ “بريكست”. صحيح ان النتيجة في بريطانيا لم تأتِ بحسب توقّعات ماي ورغبتها. ولكنها لم تحدث انقلاباً في الواقع السياسي كما حصل في فرنسا. فالحزبان التقليديان (حزب المحافظين وحزب العمال) تصدّرا المشهد الانتخابي. بينما فرنسا تشهد “انقلاباً” سياسيا. وهذا يعود الى طبيعة كل من الشعبين. فالشعب الانكليزي، “البارد” بطبعه، ليس شعب ثورات وانقلابات. ومخطئ من يعتقد ان الـ “بريكست”، على اهمية تأثيره على المشهد الاوروبي والعالمي، كان انقلاباً على الواقع السياسي. فهو في الواقع عودة بريطانيا الى سياستها التقليدية المتوازنة بين اوروبا والاطلسي التي يفرضها واقعها الجيوسياسي كـ”جزيرة اوروبية” في المحيط الاطلسي على من يكون في سلطة القرار. من هنا فإن بريطانيا عادت الى سياستها التقليدية. بينما فرنسا تنتفض على مرحلة التناوب على الحكم بين اليمين واليسار لتدخل مرحلة “الماكرونية” السياسية. فمن سيقود المعارضة في وجهها؟ ليس واضحاً بعد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or:[email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل