من يوميات لندن «العظمى»

كتب عماد موسى في “المسيرة” – العدد 1615: 

كنت واقفاً في الصف خلف رجل أربعيني أنتظر دوري لأدفع ثمن وجبة غداء جاهزة يمكن تناولها على أي رصيف ومتابعة التسكع الجميل واستكشاف لندن. يدل مظهر الواقف أمامي  حاجباً الرؤية عني أنه موظف ذو شأن. رئيس مجلس إدارة مصرف؟ ربما. وقد يكون مديراً في إحدى شركات التأمين يعمل هنا في شارع يعج بالشركات العملاقة. لحظات وتناول من جيب سترته كيس نايلون في ثلاثة أرباع عمره. وضع مشترياته  الباهظة الثمن في الكيس المستعمل ومشى وذلك بعدما سألته عاملة الصندوق عما إذا كان يرغب بكيس (ثمنه بضعة سنتات).

ما فعله  كان درساً غير مباشر لي ولمنظّري البيئة في الوطن ممن يملأون الشاشات المحلية تنظيراً. ففي اليوم التالي وضعت كيساً مستعملا في حقيبة التسكّع اللندني وقصدتُ أحد المخازن المحترمة جداً. بعدما فرغت من جولة التسوّق الممتعة وحان وقت التعامل مع ماكنة التسعير والدفع سألني صوت آلي: «أتريد كيساً». بكل ثقة كبست على ال NO وتناولت من الحقيبة كيساً لوضع مشترياتي به من دون أن ترمقني نظرات ساخرة.  وتمنيت لو يولي أشقائي اللبنانيون أهمية لاستهلاك مليون كيس نايلون يومياً أو مليوني كيس معظمها غير قابل للتحلل بمقدار اهتمامهم بجلسات الأركلة على شطآن الكسل.

 

تعلمت في لندن، أن اللطف من شيم الناس، فإن تطلب مساعدة تلقاها وإن تعثرت بإنكليزية مخلّعة وجدت مساندةً لك من رعايا جمهورية المكسيك أو من مواطنين من أصول كورية أو من باكستانيين ومن هنود يحلفون باسم جلالة الملكة أطال الله بعقدها العاشر. سألت أنا الضائع في شبكات المترو المتقاطعة سيدة ثمانينية على الأرجح عن مكان أقصده وغير واثق من الإتجاه الذي أسلكه. سألتني من أي بلد؟ أجبت. فشرحت لي بلغة فرنسية «تسلّم» على إنكليزيتي. سألتها متى تعلمت الفرنسية  سيدتي؟ فأخبرتني أنها في العام الفائت وجدت فراغاً في وقتها فملأته بأن  تسجلت في المركز الثقافي الفرنسي لتعلم لغة راسين. فقلتُ في نفسي: أمامي الوقت الكافي إذاً لأتمكن من الإنكليزية واللغة الإيطالية أن أمد الله بعمري إلى ما فوق الثمانين.

وتعلّمت في لندن أن السائح ليس مجرد «حبشة»، تنتف ريشه المطاعم وأماكن اللهو والمتاجر، وأن الأرصفة مخصصة للمشاة وليس للدرّاجات الهوائية أو لركن السيارات. وأن عدد الرانجات والبورشات في لندن أقل من عددها في لبنان. أو هذا ما بدا لي بالعين المجرّدة.

عرّفتني لندن إلى عراقة المسرح وتنوّعه، فمن مسرحية هاري بوتر التي تعرض، وبنجاح منقطع النظير منذ آب الماضي، إلى الفودفيل إلى كلاسيكيات المسرح الفرنسي حيث تعرض إحدى المسرحيات منذ ثلاثة عقود. تغيّر الممثلون. توفي بعضهم. ولا يزال الغيشيه يستقبل أفواج المتعطشين إلى الثقافة. مررت قرب مسرح رويال ألبرت هول (عمره 150 عاماً) الذي يخضع اليوم إلى بعض الترميم ويعمل بدوام شبه كامل. لا شيء يحول دون عرض عمل مسرحي في الواحدة من بعد الظهر أو حضور أمسية لكاظم الساهر قبل غروب الشمس وبدء السهر.

وأنا أجول في شوارع الحياة والموسيقى والعراقة إسترعى انتباهي بهلواني على سلم يقدم عروضه للمارة والسوّاح بحيوية  مستعيناً بنصوص شكسبيرية وموهبة إضحاك الأولاد والكبار، وآخر ينحت بالرمل كلباً من أجل حفنة من السنتات إلى موسيقيين ومغنين وأصحاب مواهب خارقة ومن يشفع به الحظ يحل ضيفاً في أحد برامج المنوّعات. وذات يوم أدخلت ال«بي بي سي» في نشرتها بالإنكليزية راقص شارع إعتاد أن يرقص  على موسيقى جينيريك أخبارها الرصينة.

دخلت إلى متاحف مشرّعة للناس كمتحف علوم الأحياء. ووقفت مع الأولاد مندهشا أمام أصوات يطلقها دينوصور غاضب، تذكرت فيلم «إليزابيت: العصر الذهبي» من بطولة كيت بلانشيت وأنا أتناول وجبة طليانية إلى جانب سائح ياباني قرب  سفينة «إليزابيت 1». وقد حكمت إليزابيت الأولى بريطانيا 45 عاما من 1558 حتى وفاتها سنة 1603 وكانت جلالتها  تتقن 6 لغات على الأقل وبقيت عزباء، وتناهى إلى مسامعي أن المرحوم وليم شكسبير كان مغرماً بها ولمّح إلى غرامه في الفصل الثاني من مسرحية «حلم ليلة صيف».

كسرت ملكة المملكة المتحدة إليزابيت الثانية (91 عاما) «ريكورد» إليزابيت الأولى والملكة فيكتوريا في سنوات الحكم المستمرة منذ العام 1956. وهي تتابع  يومياً شؤون البلاد التي تواجه إرهاباً غير مسبوق وتحديات سياسية  كبرى.

قبل أن أغادر أدما والجوار في سفرة الأيام الثمانية إلى لندن عاصمة بريطانيا  قرأت «يافطة» معبرة على طريق غزير وفحواها أن أهالي البلدة يشكرون وزير الطاقة والمياه المهندس سيزار أبي خليل على تأهيل الشبكات التي توصل  مياه الشفة إلى كل أحياء البلدة. وما أن استقر بي المقام عند مضيفي حتى سألته عن وضع المياه والكهرباء والخدمات فروى لي أن عطلا ما طرأ على الشبكة الكهربائية في  حيهم، فاتصل بعض المواطنين بشركة الكهرباء للإبلاغ عن العطل، فشكرهم الموظف المولج بتلقي الشكاوى على اتصالهم ووعدهم أن فرقاً فنية توجهت لمعالجة العطل وإلى ذلك تم وضع تطبيق صوتي يضع المتصلين دقيقة بدقيقة في ماجريات الأعمال الجارية التي انتهت بساعتين فقط من دون الحاجة للإتصال بالزميلة ربيكا أبو ناضر أو من يعادلها اهتماماً بمشاكل المواطنين. الخدمة واجب. عدت إلى لبنان وقرأت أن أهالي غزير تملأهم الغبطة أن مياه الشفة تصل إلى بيوتهم بينما يعاني أبناء أدما  منذ عقد من مشكلة عدم وصول مياه الشفة… إلى الشفاه. عاشت لندن «العظمى» التي يحلو العيش فيها لمن هم مثلي. بعد باريس يبدو أنني أصبت بفيروس لندن.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل