جمعية المصارف بين المعركة والتمديد: أي علاقة للانتخابات بالعقوبات الأميركية ضد “حزب الله”؟

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1615

نظرا إلى ما يشكله القطاع المصرفي اللبناني من تأثير بالغ الأهمية في الحياة الإقتصادية، كما في الحياة السياسية والعامة، يصبح أي حدث ولو داخلي فيه، حدثا على مستوى البلد يشد الجميع لمعرفة اتجاهاته وتداعياته. واليوم تستعد جمعية مصارف لبنان لمواجهة استحقاق انتخاباتها في 30 حزيران الحالي، مع معطيات وظروف جديدة لهذه الدورة تميّزها عن الدورات السابقة. الأمر الذي استدعى متابعة حثيثة للتفاصيل واستعادة الأسئلة المتنقلة في الإستحقاقات اللبنانية: هل تحصل انتخابات أم تعتمد التزكية والتجديد لمجلس الجمعية الحالي؟ وأية اعتبارات تضبط هذا المسار وتحدد اتجاهاته؟

تتجه الأنظار الى الاسبوع الاخير من شهر حزيران موعد إنعقاد جمعية عمومية عادية سنوية لمجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، حيث يتوقع ان تشهد إنتخاب مجلس إدارة جديد لمدة سنتين، بالاضافة الى هيئة مكتب المجلس، بعد مناقشة التقرير السنوي لعام 2016 والموافقة عليه.

انتخابات جمعية المصارف للعام الحالي تبدو مختلفة عن سابقاتها لأكثر من سبب. منها ما هو متصل بالجمعية وتوازناتها وقوانينها، ومنها ما هو متصل بالظروف العامة المحيطة ودقتها وطرق التعامل معها. فالإنتخابات المحددة في نهاية حزيران الحالي لاختيار مجلس إدارة جديد للجمعية، تتميّز هذه الدورة في عدم التسليم بالتزكية والتوافق المسبق على أسماء الرئيس والأعضاء، بعد إعلان رئيس مجلس إدارة بنك بيروت الدكتور سليم صفير نيّته الترشح لرئاسة الجمعية مع برنامج لتجديد الحياة فيها، مقابل ميل لدى عدد من المصارف للتجديد لطربيه ولمجلس الجمعية، في سعي للمحافظة على الستاتيكو القائم وعدم الرغبة في التغيير في الظروف الراهنة التي يعتبرها البعض دقيقة وحساسة، ما يفرض تواصل السياسات المعتمدة في السنوات الأخيرة.

بين التوافق والمعركة

تستمر فترة ولاية مجلس جمعية المصارف لسنتين. وقد تولّى الرئيس الحالي للجمعية الدكتور جوزف طربية الرئاسة منذ حزيران العام 2015 خلفا للرئيس السابق للجمعية الدكتور فرانسوا باسيل، بالتزكية ومن دون حصول انتخابات. وقد دأبت الجمعية على اعتماد التزكية في اختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارتها منذ العام 1993، حيث تناوب عليها أكثر من رئيس وبعضهم لولايتين.

غالبا ما كان التوافق المسبق يحكم مسار اختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة الجمعية، لكن استحقاق العام الحالي بدأ يتخذ منحى مختلفا ربما يوصله إلى معركة في حال لم تتكفل الأيام الفاصلة عن 30 حزيران بحمل أية مستجدات تغيِّر المشهد القائم حتى الساعة.

فبعد مرور استحقاق حاكمية مصرف لبنان واحتواء الفراغ في البنك المركزي، تتجه الأنظار نحو جمعية مصارف لبنان لمعرفة المسار الذي ستتخذه الأمور وسط العديد من الحسابات والمعطيات المؤثرة في هذا الإستحقاق، المختلف في طبيعته عن استحقاق تعيين حاكم لمصرف لبنان، وإن كانا متشابهين في التداعيات التي تؤثر على القطاعين المصرفي والمالي وعلى البلد ككل.

ومع بدء العد العكسي لانتخابات مجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، تسارعت محاولات بعض المصارف للتوافق على التجديد للمجلس الحالي برئاسة جوزف طربيه، ولأسباب مختلفة منها المحافظة على النهج الحالي للجمعية واستكمال بعض المسارات ذات التأثير المالي والسياسي. لكن نيّة الدكتور سليم صفير الترشح للولاية الجديدة والعقبات بوجه ترشح طربيه كسرت الروتين واحتمال التزكية، خصوصا أن عقبات غير قليلة تعترض التجديد لطربيه، كما أن عقبات أخرى مقابلة تجعل التغيير أيضا مسألة في خانة الحسابات الدقيقة التي لا تخلو من الصعوبات. فكيف يصف المصرفيون المشهد قبل أقل من أسبوعين على الإستحقاق؟

الميزان في المنتصف

مصادر في جمعية المصارف فضلت عدم الدخول في مسألة الإنتخابات أو التزكية، متوقعة تسوية الأمور بما يتلاءم مع مصالح القطاع بغض النظر عما ستسفر عنه الإتصالات الجارية على هذا الصعيد. وأكدت أن جميع العاملين على هذا الخط يحرصون على مصلحة الجمعية والقطاع، وأن ليس هناك ما يستدعي الخشية من أية متغيرات.

مصادر مصرفية مواكبة قالت لـ«المسيرة» إن الإستحقاق الحالي يختلف عن سابقاته لناحية أن الظرف الراهن يتطلب بنظر البعض التمديد للسياسة الحالية المتبعة منذ سنوات، واستمرار النهج الحالي بهدف استكمال الملفات العالقة. وهذا يتطلب التجديد للمجلس الحالي برئاسة الدكتور طربية الذي أبدى مرونة في تناول القضايا الحساسة. لكنها اعتبرت أن الأمر ليس بالسلاسة أو بالسهولة التي نتمناها، إذ إن التجديد لطربيه يتطلب تعديل النظام الداخلي للجمعية الذي لا يسمح للرئيس بأكثر من ولايتين على رأس الجمعية.

في المقابل يؤكد متابعون لحركة الدكتور سليم صفير أنه ماض في ترشيحه، وأنه لا يرى في ذلك أي تأثير على المسار الذي تقتضيه متابعة القضايا المصرفية الموصوفة بالحساسة. بل ربما يعطي التغيير دفعا إيجابيا للأمور نظرا إلى التركيبة العريضة والتشكيل النوعي الذي يعمل صفير على إرسائه في حال الفوز برئاسة الجمعية. علاوة على ذلك لا ترى المصادر عينها ما يستدعي تعديل النظام الداخلي للإبقاء على المجلس الحالي.

لكن قسما لا بأس به من المصارف، بينها مصرفا بيبلوس ولبنان والمهجر، يضغط باتجاه التجديد لطربيه لسنتين إضافيّتين. وتبني تلك المصارف موقفها على الأسباب عينها التي استوجبت التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، باعتبار أن الظروف الحالية لا تسمح بالتغيير، ولا سيما أن لبنان يترقب صدور العقوبات الأميركية على «حزب الله» مع ما يعني ذلك من جهوزية مصرفية لمواجهة الموقف. بالتالي، فالقطاع مقبل على مرحلة تستلزم كثيراً من الحكمة والخبرة المصرفية. وأبدت هذه المصارف عدم معارضتها تعديل نظام الجمعية بما يسمح بالتجديد لطربيه لولاية ثالثة.

العقبة الثانية التي تقف أمام التجديد لطربيه هي تأكيده في أكثر من مناسبة وأمام مصرفيين، أنه يشترط أن تنال الموافقة على التجديد له إجماع أعضاء الجمعية. وهذا ما يستبعده العديد من المصرفيين، أقله حتى الآن وبحسب مسار الأمور وإصرار صفير ومصارف مؤيدة لترشيحه على ضرورة التغيير. ويقول قريبون من صفير إنه لن يتراجع عن ترشحه، وإنه يعمل حالياً على تشكيل لائحة برئاسته تضمّ ممثلين عن المصارف الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وممثلين عن المصارف العربية والأجنبية.

وتُلمح المصادر إلى أن صفير المرشح الوحيد في وجه طربيه، سيعمل على إعطاء كل عضو في مجلس إدارة الجمعية دوراً ملائماً لانهاء مرحلة حصر جميع الأدوار بالرئيس ونائبه فقط. وهذا ما تم تفسيره بأنه اعتراض مبطن على الأسلوب الذي أدار فيه طربيه سنوات الولايتين في ترؤسه مجلس إدارة جمعية المصارف، وإتهام بأنه كان يستأثر ونائبه بجميع المهمات والصلاحيات.

حسابات فوق العادة

المسألة الحساسة في كل هذه العملية، بحسب المصادر المصرفية، هي قضية العقوبات الأميركية على «حزب الله» والتي قد تتوسع لتطال حلقة أبعد من الحزب. هذا الأمر يُلقي بظله على العملية برمّتها، وربما يكون الوحيد الذي يحكم مسار الإستحقاق المصرفي، كما قد يكون العامل الأهم المشترك مع التجديد الذي أعاد الحاكم سلامة إلى ولاية جديد في رئاسة المركزي، إلى جانب الهندسات المالية والضرائب التي لحظها مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2017 على أرباح المصارف وعلى نقاط أخرى، كان المجلس الحالي للجمعية رفض بعضها ووضع ملاحظات على بعضها الآخر.

فإلى أي مدى تؤثر العقوبات الأميركية على هذا المسار؟ وما جديدها مع الإدارة الأميركية الحالية المتشددة في البيت لأبيض؟

إستنادا إلى ما حققته زيارة وفد جمعية المصارف إلى واشنطن ونيويورك خلال الفترة من 15 إلى 19 أيار الماضي، يؤكد متابعون لـ»المسيرة» أن المسألة ما زالت غير ميسّرة وأن الأجواء الإيجابية التي شاعت إثر عودة الوفد المصرفي اللبناني من الولايات المتحدة، لا تعكس بدقة حقيقة التوجه القائم لدى الإدارة الأميركية الجديدة. وفي حين أشارت مصادر مصرفية مواكبة إلى أن الوفد لقي تفهما وتجاوبا ممن التقاهم من المسؤولين الأميركيين حول مسألة العقوبات، رشح بعد الزيارة أن إدارة ترامب لن تتساهل في مسألة تشديد العقوبات على «حزب الله» وتجفيف مصادر تمويله. من دون أن يعني ذلك استهدافا مباشرا للمصارف اللبنانية. وتضيف المصادر عينها لـ»المسيرة» أنه أيًا تكن الإدارة الجدية لجمعية مصارف لبنان، فإن لا تغيير كبيرا يمكن إحداثه في القرارات الأميركية، مبدية اعتقادها بأن معالجة هذه المسألة ربما تكون في مكان آخر.

وأكدت المصادر أن صفير، في حال وصوله، سيستعين باختصاصيين في ما يتعلق بقانون العقوبات كي يكون خط الدفاع الأول عن القطاع المصرفي، واختصاصيين في موضوع الضرائب، كما سيكثّف عمل اللجان مطبقا اللامركزية الإدارية في هذا الصدد. لافتة إلى أن المصارف نجحت تحت اشراف البنك المركزي والإدارة الحالية للجمعية، في تطبيق قواعد الامتثال. وأضافت أن التوجه لدى من يُطلق عليهم لقب «حكماء الجمعية» هو ما يشبه التمديد لولاية جديد لمجلس الإدارة الحالي.

وفي هذا السياق، يؤكد الرئيس السابق لجميعة المصارف رئيس مجموعة بيبلوس الدكتور فرنسوا باسيل انه من مصلحة جمعية المصارف إعادة انتخاب طربيه لولاية جديدة، مشدداً على أهمية استمرار الحالة التوافقية التي طالما تميّزت بها الجمعية.

وفي المعلومات على هذا الصعيد بروز الطرح الذي يرتكز على إمكانية ان تكون رئاسة جمعية المصارف مداورة، سنة لكل من طربيه وصفير، على غرار ما حصل في السابق بين ريمون عوده وفرنسوا باسيل أو ما طُرِح في استحقاق 2015، بهدف إبعاد أجواء الانتخابات والانقسامات عن الجميعة. وتضيف المعلومات أنه ربما يتم التغيير في الرئاسة فقط بالتوافق، والإبقاء على مجلس الإدارة كما هو تلافيا لتعديل النظام الداخلي، ولكن مع ملء مركز الدكتور صفير في حين تسلمه رئاسة الجمعية. وتشير إلى أن رئيس مجلس ادارة بنك البحر المتوسط محمد الحريري، يعمل على الوساطة وراء الكواليس علما أن مساعيه ساعدت على تزكية طربيه في حزيران 2015. فهل ينسحب التجديد وبقاء القديم على قدمه على جمعية المصارف أم يطالها التغيير؟ هذا هو السؤال الذي تتحضر للإجابة عنه الأيام المقبلة وربما قبل حلول 30 حزيران الحالي.

لكن، أيًا تكن نتائج الإنتخابات المصرفية أو التوافق، فإن على المجلس الجديد لجمعية المصارف أن يواجه سلسلة تحديدات، منها إستمرار التعاون مع المنظمات الدولية في ما يتعلق بإلتزام المصارف الإجراءات والقوانين المتعلقة بمكافحة تبييض الاموال وتمويل الإرهاب، وبالعقوبات المفروضة على المؤسسات والأفراد، وبالقوانين الدولية، والعمل المستمر على إقناع المسؤولين الماليّين والسياسيّين الدوليين بسلامة القطاع وشفافيته.

جمعية مصارف لبنان منذ تأسيسها

منذ تأسيسها في العام 1959 لعبت جمعية مصارف لبنان دوراً اساسياً في دعم الإستقرار النقدي وحماية القطاع المصرفي بهدف تطوير الإقتصاد ورفع معدلات نموّه. وواكبت الجمعية التطورات الإقتصادية والسياسية التي عاشها لبنان منذ تاريخ تأسيس مصرف لبنان في العام 1964 حتى إندلاع أزمة بنك إنترا في 1966 وصولاً الى مرحلة الحرب الأهلية وتداعياتها بين1975 و1991، مروراً بمرحلة إعادة هيكلة القطاع المصرفي ما بعد الحرب، ومرحلة الأزمات السياسية والمالية.

وخلال الأعوام الـ58 المنصرمة انتخبت جمعية مصارف لبنان 16 مجلس ادارة تعاقبت على رئاستها 12 شخصية مصرفية هي: بيار اده، انيس البيبي، جوزف جعجع، اسعد صوايا، انطوان شادر، عادل القصار، عبدالله الزاخم، جورج عشي، ريمون عوده، فرانسوا باسيل، فريد روفايل وجوزف طربيه.

المجلس الحالي لجمعية المصارف

يضم مجلس ادارة جمعية مصارف لبنان الحالي كلا من: جوزيف طربيه رئيساً، سعد الازهري نائباً للرئيس، ريمون عودة اميناً عاماً، تنال صباح امين المال، فريد روفايل، فرنسوا باسيل، انطوان صحناوي، محمد الحريري، سليم صفير، عبد الرزاق عاشور، غسان عساف ونديم القصار اعضاء.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل