
دأب البعض منذ سنوات وأشهر على التلويح بالتهديد بمؤتمر تأسيسي للبنان، مستخدماً فكرته كسلاح ترهيب ضد فريق كبير من اللبنانيين، وراح عند كل خلاف ومفصل يلوح بهذا الطرح، مشوهاً طبيعته ومحولاً تفاصيله بما يخدم مصالحه التكتية والذاتية واجنداته الخاصة .
نسي هذا البعض ان اللبنانيين مسلمين ومسيحيين لا يرهبهم “التأسيسي” ولا يرعبهم اللجؤ اليه متى ما كان وفق روحية العيش المشترك ومنسجماً مع ثوابت لبنان التاريخية.
هل نسي هؤلاء أن اساس لبنان لم يكن الا بـ”التأسيس” بين المسلم والمسيحي؟ وهل غاب عن بالهم أن للبنانيين باعاً طويلاً خلال سنوات الحرب الاهلية الطويلة وحتى في عز الانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية، في العمل على ايجاد صيغ لاعادة صياغة العقد الاجتماعي والكياني الذي نشأت على أساسه فكرة لبنان؟
اثبتت التجربة ان التأسيس الذي نريده ليس التأسيس الغاصب ولا التأسيس المعتدي ولا التأسيس الانقسامي والاصطفافي الذي نادى به البعض في الآونة الاخيرة، بل هو التأسيس الذي يعزز الوحدة الوطنية والانصهار الوطني والتناغم بين الطوائف والمذاهب وبين العائلات الروحية والحضارية التي يتشكل منها الموزاييك اللبناني الفريد في المنطقة لا بل في العالم.
وكان لا بد من طرح التاسيس انما وفقاً للمؤسسات ومنطق الدستور وضمن ضوابط النظام، لا بالانقلاب عليه وضرب الدستور وتعطيل المؤسسات… فاتت “الطبخة التأسيسية” منسجمة مع متطلبات تصحيح التمثيل النيابي وبالتالي تصحيح آلية المشاركة التي اردناها عادلة ونزيهة ومنزهة حتى من حسابات عرابي معركة “تصحيح التمثيل”… فجاء القانون الجديد للانتخابات على صورة هولاؤ العرابين: لا استفزاز لاحد… ولا تهديد لأحد… ولا انتقاص من قوة تمثيل احد ولا اغتصاب لحقوق اي فئة على حساب اخرى …
فعاد التوازن وبه انجزنا اسمى وارقى واكثر تجاربنا الوطنية ديمقراطية وحضارة في تاريخنا الوطني اللبناني الحديث، بغض النظر عن شوائب القانون الجديد ونقاط ضعفه او قوته، الا اننا في المحصلة توصلنا الى قانون انتخاب اعاد التمثيل الصحيح لجميع اللبنانيين وسيظهر حجم كل قوة سياسية وحزب وتكتل ومرجعية سياسية في حجمها الحقيقي عندما تحين ساعة الانتخاب.
هكذا يكون التأسيس الايجابي للبنان.
هكذا يكون التأسيس والمؤتمر التأسيسي كالذي عقد يوم 16 حزيران 2017 في البرلمان وتحت قبته.
أسس اللبنانيون للبنان جديد، لطائف مصحح، لصيغة عيش مشترك متعافية، أسس اللبنانيون للبنان جديد، لأنهم ومن خلال القانون الجديد اعادوا ركائز الجمهورية الى ثوابتها الثلاثية :
أ – استقلال في القرار السيادي الداخلي.
ب – اعادة التوازن الى مبدأ المشاركة في الحكم وتقرير المصير.
ج – انقاذ صيغة العيش المشترك من الزوال والضياع.
نعم نحن تأسيسيون ايضاً… ولكن لا كما كان يرى بعضنا التأسيس قهراً وغصباً وشطباً للكيان الوطني وانقلاباً على التوازنات والثوابت التاريخية للبنان الكيان والنظام.
نعم نحن تأسيسيون – واسمحوا لنا هنا بالقول – لطالما كنا عبر تاريخ هذا الشرق ولبنان رواد التأسيس في الفكر والقومية والوطنية والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية والثقافة والفنون… فكم بالحري ان نكون رواد اعادة صياغة آلية جديدة لانتاج السلطة في بلادنا تعيد لاصحاب الحقوق حقوقهم وتعيد العدالة والمساواة الى ما كان يجب أن تكون عليه المعادلة الداخلية اللبنانية منذ خروج الاحتلال السوري وسقوط النظام الامني اللبناني – السوري .
لا نبالغ إن قلنا أن باقرار قانون الانتخاب الجديد، بدأنا الخروج الفعلي من الوصاية السورية ودخلنا طريق الألف ميل نحو دولة قوية وقادرة وسيدة لشعبها ولمؤسساتها دورها الضامن للدستور وللتوازن في السلطات وارساء دولة القانون.
تاريخ 16 حزيران 2017، اختصر كل هذا الزمن الغابر فوضعنا على السكة الصحيحة، آليات النهوض بالدولة القوية القادرة بدأ من اعادة التمثيل الوطني الحقيقي للبنانيين والذي منه تنبثق السلطات الوطنية الفعلية والتي من بابها تعود الحياة الديمقراطية والبرلمانية والتشريعية فتصطلح من خلالها المعادلات الداخلية، ويستقر الوضع اللبناني.
امامنا الكثير لانجازه بعد.
انما الخطوة التأسيسية في 16 حزيران 2017 كانت البداية الصحيحة… بداية التأسيس الوطني الصحيح …
باختصار… هكذا يكون التأسيس.