#adsense

بين “حرية” إختيار “الموت المجتمعي” وثقافة الحياة… قرار

حجم الخط

في الآونة الأخيرة، حديث الناس هي تلك المسلسلات الرمضانية… تعليقات من هنا وآراء من هناك…. تسمع مديحاً بمسلسل وذمّ بآخر… تارة، إعجاب بشخصيات الممثلين والممثلات، وطوراً إنتقاد لهم… أشعر للوهلة الأولى بأنني أعيش على سطح المريخ وكأنني لبيّتُ نداء العالم البريطاني ستيفن هوكينغ الذي دعا إلى مغادرة الأرض خلال 100 عام حتى لا ينقرض الجنس البشري… لا أشاهد المسلسلات الرمضانية…  نعم… لا أشاهدها… لأنه بين مؤيد لمسلسل منها وناقض لآخر، أغوص في صفحات كتابي الذي يأخذني إلى حلقات مفعمة بالحياة… فأرى فيها المرأة العاشقة ترقص “الفالس” على أنغام الموسيقى مع حبيبها برقيّ وبحركات خفيفة وحرّة، تتمايل بخصرها الرشيق، وجدايل شعرها الكستنائي المحمرّ تداعب كتفيها، فيما عينيها كحبتين من الزيتون الأخضر النضر، مشرقتين لامعتين تشعّ أنوثة وسحرا…. وبلمسة حنونة تلامس أنامل حبيبها خديها الورديتين… فيرسم بعفوية على شفتيها “العسليتين” قبلة بريئة صادقة بعيداً عن الخيانات الزوجية والحمل بلا زواج والسلاح المتفلّت والزعران والعودة إلى زمن الإنتداب الفرنسي وغيرها من المشاهد التي أسمع عنها على الشفاه بكثرة وأقرأ عنها عبر صفحات التواصل الإجتماعي… فأخشى أن تتحوّل هذه المسلسلات إلى سلسلة ممنهجة لتطهير عقول أبناء جيلنا الجديد مما قد تبقى منها من تقاليد وأخلاق وقيم إنسانية ودينية ورثوها من أهلنا وأجدادنا الذين عاشوا حياة قاسية من أجل الحفاظ على ما ورثوه هم من آبائهم وأجدادهم… كما أخشى أنّ بعض المستفدين مالياً من “منتج ومخرج وموزّع وكاتب رواية”، يقتبس كلّ واحد منهم دور يوضاس الذي باع المسيح بأربعين من الفضة ثمّ شنق نفسه، فيبيع أمّة برمّتها بأبخس الأسعار… تحت شعار “قبلة إنسانية”… فيبيع “القضية”… وحينها، أخشى ألا يجدون شجرة يعلّقون أعناقهم بها، خصوصاً عندما يكتشفون أن السمّ الذي بخوه في مجتمعنا أصبح يسري في عروق أبنائهم وبناتهم…

قصتي التي أقرؤها تذكرني بالـ Novellasالراقية، بعيداً عن الفذلكة، أبطالها أشخاص طبيعيون بعيدا عن الوجوه البلاستيكية و”البوتوكس”، فأشعر بكل دمعة تذرف من عيون أبطالها وأتذوّق عذابات الحياة التي يعشونها عند لفظ كل حرف من الكلمات التي يقولونها، وأشعر بكل “تجعيدة” جبين عند أنينهم… أضحك لضحكاتهم وأبكي مع بكائهم… “فتسكر” روحي  مع كل نظرة صادقة، حقيقية، فأشعر وكأنني تقمّصت وولدتُ من جديد… الدمعة في القصة التي اقرؤها تدخل إلى جوف روحي، والضحكة التي أرسمها مع قراءة العبارات السلسة، تدغدغ مخيلتي فأشعر بـ”ثقل” و”قيمة” الكلمة التي اقرؤها ببساطة وبلا تعقيد… فالسهل الممتنع هو أجمل العبارت التي يمكن للمرء أن يقرأها… أسافر بعيداً في بحر الخيال لأستفيق من جديد على تعليق آخر… “المسلسلات تعكس الواقع الذي نعيشه… المسلسلات واقعية…”فيصعقني الجهل والسذاجة… وتتخبط الأفكار في ذهني الذي يصرخ “صرخة ضمير”… لهؤلاء… الذين يبرعون في الكتابة ويفلحون بالإنتاج ويموّلون خير تمويل ويوزّعون أفضل توزيع… ما المانع من أن تصوّبوا عملكم إلى برامج مسليّة وإنما فيها منفعة إجتماعية ووطنية وإنسانية ودينية في آن معاً. هل من المفترض أن تكون البرامج الإنسانية مملّة؟ وهل حصراً التسلية متوفرة في البرامج الخلاعية والخيانة والسلاح المتفلت والزعران؟ أؤمن بقدرة كل هؤلاء المبدعين فهم قادرون على أي إنتاج بمستوى عال ولكن لأهداف سامية… هكذا تبنى الأوطان لأن الغد يُصنع اليوم… نصوّب دائماً أصابع الإتهام إلى الآخرين… إلى الإنتداب والسلاح وتبرير الخيانة ونثير مواضيع الحمل بلا زواج، والقضايا الإنسانية “الرنانة” مصوّرين ذكريات التاريخ كما نريد… “تنذكر ولا تنعاد” تلك الذكريات المرّة التي يفضل الإبتعاد عن فلسفتها وتركها مدفونة في الماضي…

بين الماضي الأليم والواقع “المعلّب” على مائدة المشاهد المتلقي، أفضل أن أتعمّق وأغوص أكثر في قصتي البعيدة عن السطحية والسذاجة والتفاهة والرخص والتصنع والإنحطاط… عبر صفحاتها أرى فنّاً لا مثيل له وكلّما قرأتها رأيت ألف مخرج وألف ممثل وممثلة وألف “سيناريو” وألف مشهد يحملني إلى ما فوق السماء… عبر صفحاتها أرى حقيقة جميلة، بريئة، تثقل الروح ثقافة وإيماناً وشجاعة وأملاً… حرية التعبير والتغني بالـ”ديموقراطية” ليست مطلقاً أعذاراً للتقليل من إحترام “الواقع” الذي تتغنى به تلك المسلسلات “الرمضانية”… فهي لا تعكس واقعنا بل “تغسل أدمغة” ما تبقى لنا من قيم في مجتمع ينزف، بين “حرية” إختيار “الموت المجتمعي” إنزلاقا أم إنحدار او ثقافة الحياة… فقط قرار.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل