Site icon Lebanese Forces Official Website

القاع حكاية صمود وأبطال…

 

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد – 1616:

كانت عشية الذكرى 38 على مجزرة القاع. الأهالي يتحضرون لإحياء الذكرى بقداس عن أرواح شهدائهم. فكان تاريخ 27 حزيران 2016 المصبوغ بدماء ابطال أبناء القاع. هجوم إرهابي عشية ذكرى المجزرة أدى إلى استشهاد 5 من أبنائها وجرح 33 . هو قدرهم ان يكونوا واقفين هناك، في هذه البقعة من الوطن في سبيل ما يحبون ومن يحبون؟. وما ومن يحبون قدمه أبناء القاع على مذبح الشهادة حتى تبقى الأرض عابقة برائحة الصمود والبطولة. لكن السؤال لا يزال يحز في قلوب «القاعيين» عشية الذكرى الأولى على الهجوم الإرهابي: ما هي الأهداف، ولماذا لم تتوصل الأجهزة الأمنية حتى الساعة إلى الكشف عن أسماء منفذي الهجوم الإرهابي وهوياتهم؟ لماذا لم يتبنَّ أي تنظيم المسؤولية؟

أبناء القاع ينتظرون الأجوبة حتى لا يقتل شهداؤهم مرتين. وفي الإنتظار هم صامدون في تلك البقعة الجغرافية التي ادركوا منذ التاريخ أن وجودهم فيها ليس صدفة ولن يكون إلا مفارقة تاريخية ومفصلية.

 

خمس إطارات جديدة مكللة بالشرائط البيض. خمسة أسماء لأبطال، حُفرت إلى جانب أسماء 200 شهيد سقطوا غدرا أو دفاعا عن القاع. ولو لم يخلدوها هناك على ذاك النصب ويرووا الأرض بدمائهم لما كانت هناك حكايات بطولة وصمود في القاع.

كأن قدر أبناء القاع أن يكونوا هناك، أن يستشهدوا هناك واقفين شامخين كشموخ أرز الرب. قدرهم أن يكتبوا التاريخ ويسجلوا على صفحاته حكايات بطولة للأولاد والأحفاد وللطغاة أنفسهم. على تلك الصفحات كتبوا: 42 عاما على الهجوم الذي شنته القوى «الوطنية» على بلدة القاع في 2 تموز 1975 وأسفر عن سقوط 7 شهداء ومحاصرة البلدة وقطع مياه نبع اللبوة عنها وجفاف أرزاقها. 39 عاما على مجزرة 28 حزيران التي أسفرت عن استشهاد 26 شابا من بلدات القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة على يد جيش الإحتلال السوري بعدما اقتيدوا إلى وادي الرعيان في خراج بلدة البزالية وأُعدموا برصاص المجرمين. وفي الرابعة من فجر ذاك الإثنين في 27 حزيران 2016 كان التاريخ المشؤوم. أربعة إنتحاريين فجروا أنفسهم تباعا بعدما تم اكتشاف أمرهم من قبل أهالي البلدة، وأسفرت العملية الإرهابية عن استشهاد كل من جورج فارس وبولس الأحمر وفيصل عاد وجوزف ليوس وماجد وهبي وإصابة 15 بجروح مختلفة من بينهم أربعة عناصر من الجيش اللبناني.

وحل الليل. ابناء القاع يصلون على شهدائهم. فجأة صوت انفجار يهز جدران كنيسة مار الياس في البلدة. انتحاري جديد يفجر نفسه أمام الكنيسة مما أدى إلى جرح حوالى 18 شخصا. وبعد إسعاف الجرحى عاد ابناء القاع إلى الكنيسة، فهم يدركون أن وجودهم هناك ليس صدفة تاريخية إنما مفصلية.

منذ العام 1958 كانت القاع هدفا في حسابات جحافل الطغاة الذين مروا من هناك. وجوه الإرهابيين تغيرت لكن هوية المجرم هي نفسها. أساليب وحشيتهم تغيرت لكن كلما دعا داعٍ كان ابناء القاع للمقاومة والصمود والشهادة جاهزين. وفي كل مرة كانت تصلهم الرسالة يكون الجواب نفسه: «نموت واقفين ولا نبخل بنقطة دم حتى نبقى متجذرين في هذه البقعة من الوطن كما في الحرب كذلك في زمن السلم». لكن من قال إن أبناء القاع ذاقوا ولو لساعات طعم ذاك السلم والدليل الهجوم الإرهابي الذي وقع فجر ذاك الإثنين في السابع والعشرين من حزيران 2016.

عام على الهجوم الإرهابي، 365 يوما على مشهد لا يزال يقض مضاجع الأهالي والأطفال.. الأحياء دفنوا شهداءهم، والجرحى، منهم من عاد إلى منزله إلى صومعة الصمود ومزاولة حياته العادية ومنهم من لا يزال يخضع لعمليات جراحية وعلاجات بشكل دوري بسبب خطورة الإصابة. عام على الهجوم والشهداء الخمسة كما عائلاتهم والأهالي يسألون: أين أصبح الملف الذي أُحيل إلى القضاء المختص. ما كان الهدف من هذا الهجوم؟ لماذا لم يتم اكتشاف أسماء وهويات منفذي الهجوم الإرهابي؟ هل يعقل أن أحدًا لم يتعرَّف عليهم؟

في جعبة أبناء القاع الجواب واحد: لا جواب. جل ما وصلهم إنهم «إنغماسيون» (مصطلح ظهر مع تنظيم القاعدة فرع الشام والعراق، واستخدم لتوصيف بعض مقاتلي القاعدة).لكن أبعد من أسمائهم، التي تبين أنها مجرد ألقاب، ما كان الهدف من ذاك الهجوم الإرهابي ولماذا تم تحديد ساعة الصفر عشية ذكرى مجزرة 28 حزيران 1978؟

السيناريوهات التي رسمت على خارطة التحليلات تعددت. رئيس بلدية القاع بشير مطر يقرأها بصوت عال: «أول سيناريو اعتماد القاع كممر للإرهابيين. لكن هذا السيناريو سقط بعد التفجير الذي استهدف بلدة رأس بعلبك بعبوتين ناسفتين وعبوة ثالثة تم تفكيكها في 25 ايار الماضي، بالإضافة إلى العمليات الإرهابية التي تستهدف مسيحيي العراق ومصر والمنطقة ككل. السيناريو الثاني موقع البلدة الجغرافي. أيضا هذا السيناريو ساقط حتما لأنه لا مجال لاحتلال شبر واحد من هذه الأرض في ظل وجود مقاومة أهالي القاع واستبسالهم إلى جانب الجيش اللبناني. يبقى السيناريو الثالث وهو الأقرب إلى منطق الإرهاب ويتمثل في ضرب معنويات مسيحيي ابناء القاع وراس بعلبك وجديدة الفاكهة من خلال استهدافهم بعمليات إرهابية بهدف التهويل عليهم وإحباطهم وتهجيرهم من أرضهم.

ما يعزز نظرية بشير مطر التوقيت الذي حدده الإرهابيون لتنفيذ مخططهم : «اختاروا عشية ذكرى مجزرة 28 حزيران 1978 لإضعاف قوة مناعة أبناء البلدة وتهجيرهم كما حصل في العامين 1975 و1978. وبذلك يكونون حققوا أهدافهم في سلخ المقاومين من البلدة والإبقاء على وجود رمزي للمسيحيين فيها. «بس ما راح يشوفوا هالمشهد لا اليوم ولا عبر التاريخ الجايي. والدليل انه بعد الهجوم الإرهابي تضاعفت حركة البناء في البلدة واستثمار الأراضي الزراعية واستصلاحها. حتى أهالي الشهداء والجرحى لم يبدوا رغبة في المغادرة بعد المصيبة التي حلت على عائلاتهم. على العكس أبدوا استعدادا للدفاع عن الأرض والوقوف إلى جانب الجيش اللبناني مهما كلف الأمر. وبدل ما يخوفونا خوفناهن بإصرارنا على البقاء بهالأرض».

نقطة واحدة تثير القلق في نفس رئيس البلدية ألا وهي وضع اليد على الأراضي الزراعية من خلال الثغرات القانونية «وهذا أصعب السيناريوهات» ويضيف مطر. «في مسالة العسكر والأمن نحن والجيش اللبناني  في المواجهة. لكن ليس سهلا التصدي لمشروع القضم. وهذا الموضوع يحتاج إلى قانون وقضاء وتضافر جهود وإمكانات مادية لخلق فرص عمل للشباب لتثبيت وجودهم في البلدة…بس نحنا رايحين للآخر. وهناك خطط إنمائية ومستقبلية تبشر بالخير على رغم كل المشاكل الإنمائية التي تعانيها البلدة إن على مستوى المياه والكهرباء…لكن يبقى الأساس.معنويات الأهالي وعنفوانهم وصلابتهم، وسندافع عن ارضنا حتى تصبح القاع على الخارطة السياحية والإقتصادية والتربوية والثقافية».

الرابعة من فجر 27 حزيران 2017 سينزل ابناء القاع بالشموع في وقفة تضامنية عشية الذكرى الأولى على الهجوم الإرهابي، وستقرع أجراس الكنائس التي لم ولن يسكتها الطغاة مهما تغيرت وجوههم وهوياتهم. وفي 2 تموز يحيي أبناء البلدة ذكرى المجازر بقداس في كنيسة مار الياس وينطلق موكب الأهالي حاملين صور 200 شهيد إلى مدافن البلدة لنثر الورود على أضرحة الشهداء وإكليل الغار الذي سيوضع على نصب شهداء 27 حزيران 2016.

أهالي الشهداء، الجرحى، كلهم كبرتهم المصيبة. لكن أحدا لم يرزح تحت صليب المقاومة. عادوا وحملوه وسيمشون به برأس مرفوع مع كل طلعة شمس وصياح ديك على أرض القاع. لكن حتى لا يكون أولاد الشهداء وأحفادهم، مشاريع شهداء، حتى لا يقتل شهداء القاع مرتين، لا بد من الإجابة على السؤال:» من نفذ الهجوم الإرهابي على بلدة القاع فجر ذاك الإثنين ولأية أهداف؟».

 

Exit mobile version