#adsense

أنا نجا يوسف الخوري بموت وما برمي سلاحي…

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد – 1616

بحثنا في الأرشيف عن صور له من دون البدلة الزيتية، بحثنا كثيرا، وما وجدنا الا القليل النادر، ولما سألنا عن سيرة حياته القصيرة، القصيرة جدا، عرفنا انه مذ لحظة لبس المقاومة قدره، صارت البدلة هي ذاته وهي صورته وجلده وأناقته وزينته، نجا يوسف الخوري، يا ابن البيرة الشوفية لو سمعت نداء أمك في ذاك اليوم لعدت إليها وإلينا، ولكنك كما كثر سبقوك ولحقوا بك من المناضلين، رفضت أن ترمي سلاحك: «بموت وما برمي سلاحي»، وقع السلاح وارتفعت أنت وبقي تراب الأرض عالقا بين أظافرك علامة ان الدماء التي سالت بعنف، روت التراب بشغف، فحملت أناقتك الزيتية ورحت الى عرس سمائك…

 

كانت الحياة حلوة لا يشوبها شيء، وفجأة صارت الدنيا صعبة، صارت خيارا كبيرا بين ثلاثة، التنحي جانبا والاختباء، الرحيل عن الأرض، البقاء والمواجهة، من قال يوما ان المراهقين لا يمكنهم تقرير مصيرهم؟ وحدهم في لبنان في تلك الأيام فعلوها، كان ابن السادسة عشرة يدرس البكالوريا، رمى الكتاب والدفاتر حين شعر ان الخطر صار أقرب مما كان يتوقع، كان أمضى طفولته وهو يسمع عن أخبار المقاومة اللبنانية التي ردت الأغراب عن لبنان، كان يعرف ان لولا تلك المقاومة كان أصبح وعائلته رقما مسافرا في عرض البحر في زوارق الراحلين الى أراضي الآخرين، كان بدأ يشعر ان الخطر صار أكبر من داهم وعليه أن يتصرّف، فما عاد يفكّر بشيء إلا بتلك الثكنة هناك في ذاك الجبل، خلع لامبالاة المراهقة وصار فجأة رجلا مسؤولا، التحق بثكنات التدريب ولما أنهى تدريبه وقف تحت العلم إياه وصرخ «لبيك لبنان»، وصار المقاوم نجا، واستلم مربض المدفعية في البيرة.

خمسة شبان في البيت وأربع صبايا، وبو خليل والست زمرد أم خليل، عندما يذهب نجا الى الثكنة يزحف قلب العائلة معه، ولا تستكين القلوب في مكانها إلا عند عودته لتفقّد أهله، وما كان يعود إلا مرة كل ثلاثة أو أربعة أيام، يجلس إليهم، يطمئن عليهم، يؤمن احتياجاتهم، هو الذي كان متعلقا جدا بهم، ومن ثم يعود الى حيث يحب أن يكون «يا ستي ليش ما بتبقى معنا كم يوم عم نشتقلك ونخاف عليك؟» قبّلها وطبطب على كتفها «وأنا كمان عم اشتاق كتير يا ستي وبحبكن أكتر من حالي بس الثكنة صارت بيتي»، ويذهب نجا لممارسة شجاعته المتناهية فوق، عند تلك الجبهات العالية، حيث الشمس أقرب مما يتوقع الناس وتتوقع الأرض، فشمس المقاومين كرامتهم، وشعاعهم تلك الشجاعة النادرة، تلك البطولات التي لم يتجرأ أحد بعد على البوح أو الاعتراف بها، إلا من عاش مشاعر الحب الفائض ذاك. «عمي كان إنسان حنون لأبعد درجات الحنان، تصوري مرة وكنا بحصار وكل شي مقطوع عن الشوف وكان أحد رفاقو المقاتلين واصل جديد من بيروت ومعو علب نستلة للشباب تـ يتحلوا ع الجبهات، كانوا أهلو بالبيرة وهو بدير القمر، أخد كم علبة نستلة ونزل تحت الخطر تـ يطعمي اخوته وأولاد اخوته النستلة، حطن ع الباب وفل لأن كان لازم يرجع ع المربض» يخبر عنه فادي ابن أخيه بفخر كبير «عمي كان شجاع كتير وحنون وكل الجرد كان يخبّر عن بطولاتو».

كانت المرابض تحكي عن شجاعته الفائقة، وعن نبله وأخلاقه العالية في التعاطي مع الناس، كان يرفض أي تصرف خاطئ ويصر أن يكون انعكاسا للصورة المشرّفة للمقاومين، وفي الوقت نفسه كان لا يهاب شيئا، تقول مهمات صعبة، إذن هو نجا الخوري، يقتحم الرصاص والقذائف، يمشي بين الدوي ولا يتردد، ولا يتخلى عن أثمن ما كان لديه، الصليب وسلاحه. ذات مرة وكان مضطرا السير مسافات طويلة في الغابات وكان في مهمة عسكرية خطرة، طلبوا منه التخفيف من حمولته ورمي سلاحه ليتمكن من مواصلة المشي، فرفض قطعيا «أنا ما بسلّم نفسي ولا برمي سلاحي، بموت وما بعملها». يخبر عنه رفاقه كيف فوجئ ذات مرة  بحاجز مسلح في منطقة ضهر الوحش، حين كان متوجها بمهمة صوب الحازمية برفقة أحد أصدقائه، جوزف عون، فأطلقوا النار على الجيب بغزارة فلم يتوقف كي لا يقعا رهينة بين أياديهم، لكن الرصاص قتل صديقه، وبشجاعة استثنائية ترجّل من السيارة وكان بعد على مرمى المسلحين، وحمله على أكتافه وسار به مسافة طويلة كي لا يتركه للغرباء ولا يتمكن من دفنه كما يليق به، وما ان وصل المناطق المحررة، بتعبير تلك الأيام، حتى انهار أرضا من شدة التعب. كانت مواجهة بينه وعنفوانه، إما الاستشهاد بكرامة أو الاستسلام لذل الأغراب، ولم يفعلها يوما، قرر ان الأرض لا تحتاج للجبناء إنما لأصحاب القلوب الكبيرة الشجاعة التي تواجه ولا تنتقم من الضعفاء «بس نزلنا على بيروت كان على حاجز بين المنطقتين، وصلت سيارة والسائق كان مرعوب من شباب «القوات» بالمنطقة، تطلّع فيه عمي وعرف إنو مخبّي إشيا بالصندوق، ولما فتحو لاقى أكياس مصاري، صرخ الشوفور وقلو «دخيلك أنا ما خصني طلبوا مني هرّبن للمنطقة» فحاول نجا إنو يهدئ من روعه وقال له «ما تخاف مني بس انتبه على حالك بالطرقات من الغربا، الله معك»، ولما سألتو  ليش ما أخدت المصاري عمو، تطلّع فيّي نظرة ما بنساها وقلي «نحنا مقاومين مش سرّاقين».

انتهت حرب الجبل ونزحت العائلة كما كثر الى بيروت، كان في قلب نجا حب آخر يسكنه، صبية من عمر الورد، صحيح أنها لم تتمكن من منافسة تلك البدلة الزيتية، لكن قلبه الكبير كان بدأ يقرر أن يعيش حبه بعد أن يبارك يسوع ذاك الارتباط المقدس، ووعد أمه بتحقيق رغبتها قريبا جدا. قبل استشهاده بساعات رجته أمه ألا يذهب الى الثكنة، فوعدها أنها آخر معركة يخوضها علّها تهدأ. «قبل ما ينصاب بـ ست ساعات كان وعدني إنو بدو ياخدني تـ اشتري تياب، مرق ع البيت وخبّر إمي إنو مضطر يروح ع الثكنة ومش نايم كل الليل من وجع الأذن، بسبب المدفعية، طلبت منو إمي يرجع ع البيت ويرتاح، رفض، خبّرتني إمي إنو كان وجّو أصفر مخيف وملامحه غريبة ومش عم يضحك متل عادتو، خبرتني إمي إنو كانت هيئة الموت على وجهه» يخبر فادي بتأثر كبير. خرج نجا وتعرّض لإطلاق نار كثيف وأصيب في ظهره، كان يفصله عن رفاقه الطريق، هبّ ابن اخته لنجدته وسحبه من الطريق، فأصيب بطلق ناري واستشهد ابن الثامنة عشرة فوق خاله، حاول أن يزحف ليتلطى بالجسر، وصار يصرخ للشباب ليخبرهم عن موقعه «أنا منصاب بضهري مش قادر إمشي» فذهب إليه رفيق آخر فاستشهد في منتصف الطريق قبل الوصول إليه، وبقي نجا نحو ست ساعات في الطريق ينزف وحيدا، حفر التراب بأظافره، حفر آخر قطرات عمره، وارتفعت به الشهادة الى حيث يحفر الضياء من عمر الشهيد شعاع كرامة لا تومض إلا في عمر نجا ومن يشبهه، هو من كان يقول «إذا أنا بدو يصرلي شي بالحرب المهم ما انشلّ، موت أحسن من إنو صير عاجز عن المقاومة»، وعندما استشهد تبيّن ان الرصاص أصاب سلسلة ظهره ولو بقي حيا لكان أصبح مشلولا، ذهب شهيدا كما شاء وليس مشلولا كما كان يخشى، رحل شهيدا وبقي ذاك المقاوم الحلو الحلو الشجاع الذي لم يرم سلاحه يوما ولن يفعلها الآن بالتأكيد…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل