#adsense

“الهيبة” جزء ثانِ وثالث… ومسلسل لن ينتهي

حجم الخط

إنتهى مسلسل “الهيبة” بجزئه الاوّل، لكن فصوله الواقعية والمسلسل الحقيقي الذي يعيشه لبنان من خلال تلك المناطق الجردية النائية والمحرومة والبعيدة عن أنظار الدولة والقضاء والقانون لن تنتهي.

بعيداً عن الأحداث التي دارت في المسلسل الممزوجة بقصة حب، والكرامة والولاء للعائلة والموت في سبيل البقاء والتشبث بالارض، لم تخفِ مرارة العيش والطريقة التي يعيشها أهالي تلك البلدات وخصوصاً الحدودية منها. الشعب في تلك البلدات فعلًا لا يجيد العمل سوى بالمخدرات وتهريب الأسلحة وبيعها، لم تتوفر له أي فرص عمل أخرى، أو على الأقل فرص تعليم حقيقية تمكّنه من التخلي عن الأعمال الجرمية، فهو يمتهنها مرغماً في بعض الأحيان نظراً للظروف القاسية.

معابر غير شرعية، وعندما نقول “غير شرعية” نعني ذلك إنها غير مرخصة أو ليست تحت سيطرة الدولة. ولكن لماذا لم تقم الدولة برعاية تلك المعابر أو إقفالها أو على الأقل شرعنتها لتكون تحت رعايتها؟ منطق العشائر السائد في تلك البلدات والصراع على النفوذ وتقاسم المغانم أحياناً بقوة السلاح، يجعل من الأهالي رهينة تاجر المخدرات، كما يوضعون الأهالي تحت حكم العشيرة وحمايتها. لو لقي هولاء دولة تحميهم لما قاموا بتلك الاعمال، لو قامت الدولة بتأمين زراعة بديلة عن المخدرات وقامت بواجبها الإنمائي الغائب منذ عصور، لما كان هؤلاء من عداد المطلوبين للعدالة.

يولد المرء في تلك المناطق ومع الوقت يصبح معظمهم مواطنين مجرمين، وبدل التعليم ونيله للشهادات، ينال عددًا وفيراً من مذكرات التوقيف.

لست بوارد الدفاع عن أحد، ولكن إذا كنا نبحث عن هيبة الدولة، يجب أن نبدأ من المكان الصحيح، فهيبة الدولة ليست ببسط الأمن فحسب، إنما بتوفير الأمان ليشعر المواطن أن الدولة تحميه والقانون يصون حقه.

بناء دولة قوية يمرّ ببناء مجتمع مثقف ومتعلم بالحد الادنى، وإلاّ لن نصبو إلى تلك الدولة القوية، فأي دولة سنبنيها والمخدرات تتدفق عبر تلك البلدات من دون حسيب ولا رقيب، وأي مجتمع نظيف نحلم به وأبناء المناطق النائية محرومون من أبسط مقومات البقاء في أرضهم، محرومون من العيش بكرامة ومن لقمة كريمة.

ربما أنقذت “عليا” في مسلسل الهيبة البعض من خلال توظيفهم في معمل اللبن وأمنت لهم حياة نظيفة، لكننا بحاجة إلى ألف “عليا” وعشرات المعامل والمصانع والمدراس والجامعات لانتشال هؤلاء من بيئة الثأر والقتل والمخدرات.

ما من أحد يهوى العمل تحت وطأة الخوف والملاحقة والعيش بقلق دائم وداخل بقعة جغرافية صغيرة، إذا خرج منها يصبح موقوفاً بجرائم إتهم فيها غياباً وإرتكبها لتبقى العشيرة قائمة بدافع الحفاظ على العادات والتقاليد العشائرية.

الدولة مسؤولة عن شعبها، وعليها إيجاد الحلول ووضع حدّ للحرمان الذي يطال مناطق وبلدات عديدة. الحرمان والفقر يولدان التطرف، ومن يذوقهما سيلجأ حكماً إلى وسائل أخرى غير قانونية لتحل بديلاً عن الحرمان وليسد به جوع فقره، من الصعب على من يعيش في البلدات الجردية أن يلقى فرصة عمل غير “الممنوعات”، من الصعب عليه مغادرة بلدته فهي أرضه التي ولد فيها ولا مكان آخر يلجأ إليه.

مسلسل “الهيبة” إنتهى، لكننا نعيشه كل يوم وبأجزاء متتالية، وربما لن ينتهي إلى ما لا نهاية لأن الامر على أرض الواقع ليس بيد المخرج، بل بيد الدولة والحكومة وجميع المعنيين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل