الفاتيكان والرهبنة المريمية والكنيسة: سر التغيير بعد يوحنا بولس الثاني وبندكتوس لبنان ينتظر فرنسيس

كتب نجم الهاشم في مجلة المسيرة العدد 1616:

في 16 حزيران الحالي أعلنت أمانة سر الرهبانية المارونية المريمية، في بيان، أن «البابا فرنسيس، عيّن مجلسًا عامًا جديدًا على رأس الرهبانية المارونية المريمية، خلفاً للمجلس السابق، وضم، الأب مارون الشدياق رئيسًا عامًا، الأب إيلي أبي عاد مدبرًا أولاً، الأب مارك خبِّيه مدبرًا ثانيًا، الأب روجيه راجحة مدبرًا ثالثاً والأب يوحنا خليفة مدبرًا رابعًا».
أضاف البيان: «وإذ تشكر الرهبانية المارونية المريمية البابا على اعتنائه بالرهبانية، تصلي على نياته وترجو أن تكمل المسيرة مع المجلس الجديد بما فيه مجد الله وخير النفوس».
وقد احتفل الأب العام الجديد ومجلسه بالقداس الإلهي يوم الأحد 18 حزيران 2017، في دير سيدة اللويزة – زوق مصبح، عند الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر. واستقبلوا المهنئين يومي السبت والأحد 17 و18 حزيران 2017.

لماذا كان هذا القرار؟ وهل يعبّر عن حضور فاتيكاني فاعل ومؤثر في الكنائس الشرقية من خلال حرص السلطة البابوية على عدم السماح بتحول الخلافات داخل هذه الكنائس إلى أزمات في ظل الوضع القلق الذي يمر به المسيحيون في الشرق الأوسط؟

كان من المفترض أن تكون هناك انتخابات داخلية في الرهبنة قبل انتهاء ولاية الأباتي بطرس طربيه في آخر تموز المقبل ولكن قرار الفاتيكان كان حاسمًا. وهي ليست المرة الأولى التي يضطلع فيها الكرسي الرسولي بمهمة من هذا النوع. في بداية العام الحالي كان هناك قرار بفرض الإستقالة على راعي أبرشية صيدا ودير القمر المطران الياس نصار. كما كان هناك قبول بابوي لاستقالة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام بعد خلافات عصفت داخل سينودس مطارنة الطائفة وحالت دون انعقاده فكانت استقالة لحام هي المدخل نحو حل الأزمة وانتخاب مطران دمشق جوزف عبسي بطريركاً جديدًا يوم الأربعاء 21 حزيران الحالي في اليوم الثاني من انعقاد السينودس في مقر البطريركية الصيفي في عين تراز.

قبل أن يعمم قرار الفاتيكان في موضوع الرهبانية المريمية استقبل السفير البابوي في لبنان المونسنيور غبريال كاتشيا في مقر السفارة كلا من رئيس الرهبانية المنتخب في تموز 2011 الأباتي بطرس طربيه والأباتي الجديد مارون الشدياق، أمين سر الرهبانية في المجلس السابق، وأطلعهما على القرار الصادر عن قداسة البابا الذي كان أرسل في ظرف مقفل. سريعًا سرى الخبر أولاً داخل الرهبنة وتم تناقله بواسطة «الواتس أب» وقد ترك استياءً أول الأمر لدى عدد من الرهبان الذين كانوا يعدون العدة للإنتخابات الداخلية ولكنهم في النهاية لم يكن أمامهم إلا تلبية الدعوة إلى القداس الأول في دير سيدة اللويزة يوم الخميس 15 حزيران الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. وقد كان الإعتراض الأساسي على أنه كان بالإمكان أن لا يتدخل الفاتيكان وأن يترك الأباتي طربيه ليكمل ولايته وعلى أن بعض الذين تم اختيارهم في مجلس المدبرين لم تمض إلا سنوات قليلة على ارتسامهم وتقبلهم سر الكهنوت. ولكن في النهاية لم يكن هناك إلا طريق واحد أمام الجميع: القبول بالقرار ومباركة المجلس الجديد على أمل أن تكون هناك خطة للتجديد في الرهبانية.

يعتبر رهبان مريميون أن الرهبنة كانت تعيش بعض المشكلات الداخلية ولكنها لم تكن تحتاج إلى هذا القرار. وهم يدركون أن هذا الوضع لم يكن مفاجئاً وأن الفاتكيان كان يتابع موضوع الرهبنة وقد تم تعيين الأب فكتور أسود اليسوعي زائرًا رسوليًا عليها في كانون الأول الماضي، موفداً من رئيس مجمَع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري بناءً على طلب من البابا فرنسيس، وقد تسنى له أن يلتقي عددًا كبيرا من الرهبان ليضع تقريرًا حول الوضع. وربما على ضوء هذا التقرير كان هذا القرار.

وإذ غادر الأباتي الجديد مارون الشدياق إلى الفاتيكان يوم الخميس 22 حزيران للحصول على البركة البابوية، عُلم أن الفاتكيان كلف أيضًا المطران البريطاني فيتزجيرالد أن يكون زائرًا بابويًا على الرهبانية في مهمة تدوم ما أراد لها البابا فرنسيس ذلك، والزائر الجديد كان يشغل منصب السفير البابوي سابقاً في مصر ورئيسًا للمجلس البابوي للحوار بين الأديان. وتضم الرهبنة المريمية نحو 105 رهبان ويتبع لها عدد من المدارس والأديار، بالإضافة إلى جامعة سيدة اللويزة (NDU) وهي الرهبنة التي انتمى إليها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.

ليس التدخل الفاتكياني في أمور الكنائس الشرقية مسألة جديدة. لأنه يأتي في السياق الطبيعي والمناسب في أوقات كثيرة وهو إن كان يؤدي أحياناً إلى تحفظات إلا أنه لم يبلغ درجة الرفض والإعتراض، ذلك أن القرار عندما يصدر ينحني له الجميع ويؤدون الطاعة الكنسية.

يروي المطران منجد الهاشم أنه بعد تعيين الفاتيكان في العام 1983 المطران ابراهيم الحلو مدبرًا بطريركيًا حصل استياء واعتراض داخل مجلس المطارنة الموارنة. وقد شاءت الصدف أن يأتي القرار الفاتيكاني بعد أيام على مشاركة مطارنة موارنة في حفل إعلان تطويب القديسة رفقا من دون أن تتم مفاتحتهم بالأمر. وقد صودف أيضًا أن المطران نصرالله صفير ذهب إلى روما أيضًا وأن الكاردينال أشيل سلفستريني رئيس المجمع الشرقي في الفاتكيان تحدث مع  الهاشم عن موضوع سوء التفاهم بين الأساقفة الموارنة وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني. أبلغه الهاشم أن المطران صفير في روما فطلب سلفستريني الإجتماع معه. نقل الهاشم الطلب إلى المطران صفير الذي قال له إن الأمر يتعلق بالجسم الأسقفي وهو ليس مكلفاً البحث به. ولكن في النتيجة حصل اللقاء بينه وبين سلفستريني والبابا وكان هذا اللقاء سببًا في ترسيخ العلاقة بين يوحنا بولس الثاني ونصرالله صفير الذي صار بطريركاً في نيسان 1986.

لم يكن هذا هو التدخل الفاتيكاني المبارك الأول ولا الأخير. فمن الثابت أن البطريرك الماروني بعد انتخابه يتوجه إلى الفاتكيان للحصول على درع التثبيت. هذا هو سر استمرار العلاقة بين كنيسة أنطاكيا والكرسي الرسولي. استقلالية وانتماء. عندما مرض البطريرك أنطوان عريضة عيّن الفاتيكان المطران بولس المعوشي مدبرًا بطريركيًا، وبعد وفاة عريضة اختاره بطريركاً. ولذلك ما حصل مع البطريرك خريش في العام 1983 لم يكن جديدًا.

التدخل الفاتيكاني كان يتم في الغالب بطلب من الكنائس الشرقية لمساعدة المسيحيين في مواجهة الأخطار المصيرية التي يتعرضون لها. تحت هذا العنوان مثلاً أرسل البابا يوحنا بولس الثاني إلى جزين في العام 1985 الأب سيلستينو بوهيغاز موفدًا بابويًا لمنع تهجير أهاليها بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة وحتى لا يحصل فيها ما حصل في شرق صيدا والشوف وإقليم الخروب، وقد نجح فعلاً في إنقاذها.

ولأن لبنان كان في قلب البابا يوحنا بولس الثاني كان قراره بأن يقوم بزيارة تاريخية إليه بعد إنجاز أعمال السينودس من أجل لبنان وقد كانت الزيارة مقررة في العام 1994 ولكن تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط جعل الفاتيكان يتخذ القرار بإرجاء الزيارة مدركاً من خلال الأجواء التي كانت معارضة لها أن الهدف من التفجير كان الحؤول دون حصولها. ولكن البابا لم يتأخر في الوصول في 10 و11 أيار من العام 1997 لتكون زيارته تاريخية وليسلم البطريرك صفير الإرشاد الرسولي وليعلن أن لبنان وطن الرسالة وليعطي الأمل بأن القيامة قريبة.

لم يتأخر البابا بندكتوس السادس عشر عن السير على طريق يوحنا بولس الثاني. في 14 أيلول 2012 كان في لبنان على مدى يومين، واليوم ثمة وعد من البابا فرنسيس بأن يزور لبنان أيضًا. هو الذي دعا إلى كنيسة متجددة متجردة، إلى كنيسة الإصلاح والفقراء والقريبة من الناس. وهو الذي انتقد المظاهر التي لا تتماشى مع النذور الرهبانية وحافظ على بساطة طريقة حياته.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل