هزيمة “داعش” واستقلال العراق عن إيران

لن يطول الوقت لتتكشف تفاصيل صعود “داعش” في العراق قبل ثلاث سنوات، والدور الذي لعبته إيران في تمكين هذا التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. كما ستظهر تفاصيل أكثر عن دور رجل إيران نوري المالكي الذي كان رئيساً للحكومة آنذاك، وكيف ساهمت سياسته في خروج الجيش العراقي من الموصل وتسليمها إلى “داعش”. كانت هذه السياسة ضرورية للحرس الثوري الإيراني في إعطائه شرعية التدخل العسكري تحت حجة محاربة الإرهاب والحفاظ على الأماكن المقدسة في الشكل، فيما يضمر المضمون السيطرة على العراق وإلحاقه بالدولة الفارسية، وهو ما بدا صريحاً في كلام المسؤولين الإيرانيين، لاحقاً، وعلى أعلى المستويات، من أن العراق بات جزءاً من الأمبراطورية الفارسية، وأن مدينة بغداد هي عاصمة هذه الإمبراطورية.

شكلت معركة محاربة تنظيم “داعش” الحلقة الثانية في السيطرة الإيرانية على العراق وعلى السلطة السياسية وحتى الدينية فيه، وهي حلقة تستكمل ما قدمه الاحتلال الأميركي لإيران من تسهيلات للسيطرة منذ العام 2003. لذا لا يستقيم الحديث عن الهيمنة الإيرانية من دون العودة الى سنوات احتلال العراق، حيث كانت خطة أميركا تدمير هذا البلد ونهب ثرواته، فيما كانت خطة إيران إلحاقه بسلطتها في وصفه جزءاً من المدى الحيوي لإيران.

إضافة الى التدخل العسكري ونشر الحرس الثوري داخل العراق واحتلاله أراضي واسعة، اعتبرت إيران أن احتلالها لا يستقيم ويدوم من دون توافر عناصر أساسية ثلاثة. الأول، فرض سيطرة المؤسسة الدينية المتمثلة بمرجعية “قم” على المؤسسات الدينية في العراق، وفرض نظرية ولاية الفقيه على شيعة العراق بوصفها الأيديولوجيا الدينية الإيرانية. وهو ما وضعها في تناقض مع مرجعية النجف الأشرف، التي تعتبر نفسها الأصل والمسؤولة عن المذهب، وهي مرجعية لا تقول بولاية الفقيه، بل ولا تعترف بها. نجحت إيران في استقطاب مرجعيات دينية عراقية، وأدخلت انقساماً في المؤسسة الدينية من منطلق قبول او رفض هذه المنظومة الأيديولوجية. وهو صراع لم يحسم، لا إيرانياً، ولا عراقياً.

أما العنصر الثاني الذي رأته إيران حاسماً، فهو خلق ميليشيات موازية للجيش الوطني العراقي، ذات طابع مذهبي صاف، أطلقت عليه اسم “الحشد الشعبي”، وبنته على غرار الحرس الثوري الإيراني. كان خلق هذه الميليشيات يضمر عدم ثقة إيرانية بالجيش الوطني الذي يحوي مختلف المكونات الطائفية العراقية. قدمت له السلاح والعتاد والعديد، بحيث بات طرفاً أساسياً في المعركة ضد تنظيم “داعش”. على رغم إضفاء الصفة الرسمية على هذه الميليشيات، إلا أن الصراعات حول وجودها لم تتوقف، وهي نقطة خلافية داخل المجتمع العراقي وحتى داخل السلطة السياسية فيه.

اما العنصر الثالث، فهو الهيمنة على ثروات العراق ونهبها، عبر شركات اقتصادية مشتركة بين عراقيين وإيرانيين، او عبر توظيف استثمارات ضخمة في ميادين متعددة من القطاعات الإنتاجية. وهو أمر جعل من المستثمرين الإيرانيين شركاء فعليين في الاقتصاد العراقي، وتكونت فئات عراقية ترى مصالحها في استمرار هذا الاحتلال.

تحت حجة محاربة إرهاب “داعش”، مارست إيران وميليشياتها تسلطاً على الشعب العراقي وعلى الحكم في آن. لم تكن العنصرية القومية الفارسية بعيدة من هذا التسلط، كما سلّطت الحشد الشعبي ضد المكونات الطائفية العراقية بما فيها المكوّن الشيعي نفسه الذي رفض الخضوع للحرس الثوري. لم تكن ممارسات الحشد أقل وحشية من ممارسات “داعش”. تكاثرت الاعتراضات على السياسة الإيرانية، خرجت تظاهرات حاشدة بقيادات شيعية تطالب بخروج إيران من العراق، لم تكن بعيدة من المصادمات مع “الحشد” والحرس الثوري، وللذكر رُفعت شعارات تقول “ايران برّا برّا”. حتى أن رئيس الحكومة حيدر العبادي أبدى أكثر من مرة استياءه من تدخل الحرس الثوري الإيراني في الحكم.

يبدو المشهد العراقي مقبلاً على ختام المعركة مع “داعش” وإخراجها من الموصل. ستشكل هزيمة التنظيم مرحلة جديدة في العراق وفي علاقته بإيران. عندما كانت الصيحات تخرج معترضة على الوجود الإيراني، كانت تواجهها ردود فعل أن الأولوية الآن لمحاربة “داعش” حيث المساعدة الإيرانية حاجة وضرورة. كانت إيران تلعب على هذا الوتر لتكريس نفوذها على الأرض وداخل السلطة. بعد زوال هذه الحجة، سيكون العراق أمام استحقاق التناقضات التي ستظهر على السطح، بما هي داخل أركان الحكم والمكونات السياسية القائمة، وسيندلع السجال حول سعي المؤسسة الدينية الإيرانية وضع يدها على مرجعية النجف، وستزداد المطالبة بحل ميليشيات الحشد الشعبي لصالح الجيش الوطني، كما سيزداد العداء القومي العربي ضد العنصر القومي الفارسي. كلها عوامل تشكل عنوان معركة استعادة العراق استقلاله وسيادته.

لن تكون معركة الاستقلال سهلة، فإيران باتت عنصراً داخلياً في العراق، ولها قوى تأتمر بأمرها، ناهيك عن المصالح الاقتصادية المرتبطة بها. مما يشي بدخول العراق مرحلة من الاضطرابات مجدداً، لكن هذه المرة في صراع مرير مع إيران، يصعب توقع نتائجه سلفاً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل