إستقلت من الجمهورية لأنني تخطّيت السقف الموضوع
جريءٌ في طرح القضايا إلى درجة الإستثناء، فقلمه سلاحٌ فتّاكٌ لا يعرف المواربة ولا المجاملة. صلبٌ في اتخاذ المواقف إلى حدّ التطرّف، فإيمانه بالقضيّة عميقٌ إلى درجة الإلتزام. إختاره الدكتور سمير جعجع ليكون على رأس جهاز التواصل والإعلام في “القوات اللبنانيّة” بعدما تنقلّ بين عّدة صحف ومواقع إلكترونية…
عن تحدّيات المرحلة القادمة وعن دوره الجديد، يتحدّث شارل جبور بصراحته المعهودة في حوارٍ شيّقٍ مع “Private magazine”.
وفي ما يلي المقابلة كاملة:
– في البداية نوّد أن نتعرّف أكثر على جهاز الإعلام والتواصل في “القوّات اللبننانية”، ما هي وظائفه ومهامه؟
في الحقيقة هذا الجهاز هو كأيّ مكتبٍ إعلامي لرئيس حزبٍ أو قائدٍ سياسيٍّ، له وظائف متعدّدة أوّلها يكمن في نقل الأجواء الصحافيّة بشكلٍ يوميّ إلى رئيس الحزب إنطلاقاً من الإنطباعات التي أكون قد كوّنتها، لا شكّ أن الدكتور سمير جعجع هو متابعٌ دقيقَ للصحف المختلفة والنشرات الإخباريّة بالإضافة إلى التقارير المفصّلة التي نرفعها له كجهاز إعلام. إلى جانب ذلك، نحن نسلّط الضوء على الأمور التي تكون لها أولويّة على المستوى الوطني، فأعمد إلى وضعه في الصورة بشكلٍ يوميّ للتوقّف عند تعليقاته وتوجّهاته. نتفّق على ما يجب قوله وإعلانه، وبالتالي أستطيع أن أكوّن المادّة الإعلاميّة السياسيّة اللازمة التي تمكّنني من القيام بوظيفتي الأساسيّة ألا وهي التواصل مع المؤسّسات الإعلاميّة اللبنانيّة لتظهيرموقف “القوّات” من مختلف قضايا الّساعة المطروحة على مختلف الصّعد، وذلك بصيغة مصادر “القوّات اللنبانيّة”، فمن الضرورة بمكان أن نعكس المواقف السياسيّة لاتّضاح الصورة عند الرأي العام.
– هل تقوم بهذه المهمة منفردا ً أو من خلال فريق عمل؟
هذه الوظيفة بالتحديد أي التواصل مع وسائل الإعلام أقوم بها شخصياً، بحيث أتواصل بدايةّ مع رئيس الحزب ومن ثمّ يتمّ التّواصل مع المؤسّسات الإعلاميّة من أجل توضيح الصورة وتظهير موقف “القوّات”، لأنّنا نعتبر أنّه بقدر ما نكون حاضرين في الإعلام نكون حاضرين على السّاحة السياسيّة، فواجباتنا هي تظهير دورنا للرّأي العام حتّى يكون على بيّنة من حقيقة ما نقوم به. أمّا الشقّ الآخر المتعلّق بجهاز الإعلام والتواصل فهو أيضاً كناية عن شقّين. شقٌّ له علاقة بالمكاتب الإعلاميّة الموجودة في المناطق وفي مختلف القطاعات والمصالح والأجهزة الحزبية حيث نتواصل معها من أجل نقل المواقف السياسّية القواتيّة، وبذلك تكون وجهة نظرنا قد اتّخذت مسارين، مسارٌ وطني من خلال المؤسسات الإعلاميّة العامّة، ومسارٌ آخر حزبيّ عبر التواصل مع مختلف المؤسسات الحزبيّة، وهكذا يكون المحازبين على اضطلاع بكافة مواقف القوّات الحقيقية والأمر نفسه بالنسبة إلى الرأي العام غير المحازب، وهكذا تصبح صورة حزب القوّات اللبنانية صورةً عامة ومعممّة. هناك أيضاً شقٌ ثالثٌ يتعلّق بمواقع التواصل الإجتماعيّة، لما بات لهذه المواقع من أهميّة لذلك يتوّجب علينا أن نكون حاضرين في هذا المجال من خلال فريق عملٍ كبير نحرص من خلاله على نقل وجهة نظرنا، هذا هو باختصار دور جهاز الاعلام والتواصل.
– إلى أي مدى يحدّ الإنتماء الحزبي مهنية الصحافي؟
في الحقيقة أنا لديّ إيمانٌ بقضيّة أساسيّة قبل وجودي في هذا الموقع، فأنا في الأساس أعدُّ من الصحافيين المتلزمين، فلا أرى كيف يمكن أن يكون هناك صحافيّاً غير معنيّاً في بلدٍ كلبنان فيه قضايا أساسيّة قائمة وفيه نزاعات حول مسائل وجوديّة لها علاقة بالحرّيات والقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة والإستقلال والسيادة وقضايا تتعلّق بمسألة الدولة والميثاق والتوازن والدستور وبفلسفة الدور اللبنانيّ بكلّ زواياه، لذلك أعتقد بأنّه على الصحافي أن يكون ملتزماّ بقضايا كبرى وليس مجرّد صحافيا ً ينقل الخبر أو الحدث، مع احترامي لحريّة اي صحافي إنما أعتبر انّه لا بدّ أن يكون له أراءً واضحةً وتوّجهات معينّة.
– إلى أيّ سنة يعود إنتماء شارل جبور الحزبي؟
إلتزامي الحزبي يعود إلى العام 1985، والتزامي بهذا الخطّ لا يعني تولّي مواقع أومناصب، فقد كنت لفترة طويلة أكتب مقالات تعبّر عن آرائي وكنت أتحرّك انطلاقاً من قناعاتي الفرديّة، لذلك وبالعودة إلى السؤال الذي طرحته أقول بأن الإنتماء الحزبي لا يحدّ من عملي إلّا من ناحية أنّني كنت أعبّر عن آرائي الخاصّة بحرّية أكبر. صحيحٌ أنّه اليوم ليس لدي هذا الترف على إعتبار أن أيّ موقف سياسيّ يصدر عنّي يلزم الحزب، فمن الصعوبة بمكان فصل الطبيعة الصحافيّة عن الطبيعة الحزبيّة.
نعم قد أكون فقدت نوعاً من التعبير الإستقلالي إذا صحّ القول، إنّما بكلّ الأحوال أنا لا أعبّر عن آراء مغايرة لتوجّهاتي التي هي جزءٌ لا يتجّزأ من هذا الخطّ ومن هذه التركيبة، إنما اليوم يجب الأخذ بعين الإعتبار الظروف والموقع الموجود فيه والإشكالية التي ممكن ان أسبّبها من خلال المواقف التي أطلقها.
– أنت اليوم خلف للوزير ملحم رياشي الذي لعب دورا بارزاً على الساحة المسيحية، الى أي مدى يحملّك هذا الأمر مسؤولية؟
الوزير ملحم الرياشي هو صديق، وأشير هنا إلى أن دخولي إلى صحيفة الجمهوريّة تمّ من خلاله، إذ تربطنا صداقة وثيقة، إنّما الحقيقة أنا أعتبر انّ لكل إنسانٍ طريقةٍ وأسلوب، وبالتالي أنا لا أملك هذه العقدة، أتيت إلى هذا الموقع إنطلاقاً من خلفيّة إعلاميّة وليس في نيّتي تحقيق أيّ هدف أو إنجاز أي ملّف معيّن. وظيفتي هي في هذا المجال، وأنا سعيد بمكان تواجدي، إلى أين قد تأخذني الأمور لا أعلم، لكنّني اليوم أشعر بإكتفاء ولا طموح لي غير المجال الإعلامي. فالوزير إنخرط في ملف المصالحة المسيحيّة نزولاً عند طلب الدكتور جعجع وليس بسبب ترؤسه الجهاز الاعلامي للقوّات.
– إلى أي مدى تصبّ مواقفك التي تعتبر حدّة في مصلحة موقعك على رأس جهاز التواصل والإعلام؟
صحيحٌ أنّ مواقفي في كثيرٍ من الأحيان لا تصبّ في مصلحة موقعي، وفي الحقيقة أحاول قدر المستطاع أن أضبط نفسي، لكنّ في نهاية المطاف هذا هو طبعي، وهذه هي طريقة تعبيري التي قد لا تتناسب مع موقعي الرسمي.
– إلى أي حدود تنجح في عملية ضبط النفس هذه؟
أنجح إلى حدٍّ معين، إنما أحيانا ً يسبقني الإنفعال، لأن هذا هو طبعي فأنا لا استطيع تغيير سخصيّتي.
– إختيارك لهذا المنصب تم بناءً على طلب من الدكتور جعجع شخصياً؟
طبعاً، تسميتي أتت مباشرةّ من الدكتور سمير جعجع، وهو عندما أقدم على تسميتي كان يعرفني ويعرف طبعي وردود فعلي ويعلم أن لديّ منحىً تطرّفيا ً في خطابي وأسلوبي.
– هل حملت البطاقة الحزبية قبل تولّيك هذا المنصب؟
أنا أنتمي إلى حزب “القوّات اللبنانية” بشكلٍ رسميًّ منذ 1985 وحتى 2005. بعد هذا التاريخ كان الحزب في مرحلة إعادة هيكلة، في حينٍ كنت قريباً من هذا الخطّ وعلى تواصل دائم مع القيادة إنمّا لم أدخل الهيكلية الإدارية، لكن قبل تعييني على رأس جهاز الإعلام والتواصل بنحو 9 أشهر إنتسبت رسمياً إلى “القوات”، ذلك أنّه قبل هذا الإنتساب كنت أتحرّك كصحافيٍّ مستقلٍّ ينتمي إلى خطّ 14 أذار في الشكل وإلى “القوّات اللبنانية” في الجوهر.
– هل من روابط بين إستقالتك من جريدة الجمهورية ودورك الحزبي؟
إن خروجي من الجمهورية أتى قبل تعييني في هذا المنصب، لقد غادرت الجريدة في 28 كانون الأوّل 2015، بعد 5 سنوات من العمل نتيجة تباين عابر مع دولة الرئيس المرّ، وأعترف أنّني كنت مذنباً في ذلك الحين بتجاوز السقف السياسي الموضوع آنذاك. فالرئيس المرّ وضع سقفاً فيما خصّ المبادرة الرئاسيّة التي طرحها الرئيس سعد الحريري بترشيح سليمان فرنجية، وقد طُلب إلينا التعاطي معها كخبر وعدم التعرضّ لها بالموقف والتحليل، أنا على المستوى الشخصيّ كنت ضدّها وحينها اعتبرت أن زيارة وفد “حزب الله” إلى بكركي كانت مهمّة وتستحق إلقاء الضوء عليها فكتبت حينها مقالاً تحت عنوان “حزب الله أسقط فرنجية من بكركي” متجاوزا ً بذلك قرار الوزير المرّ. فحدث نوعٌ من الإشتباك الكلامي وطلب توقيفي عن الكتابة وليس الإستقالة، فاعتذرت وقدّمت إستقالتي، إنّما اليوم علاقتنا هي علاقة محبّة، كما إنني على تواصل يوميّ مع كافة الزملاء وصفحات الجريدة لا تزال مفتوحة لي.
– لماذا اختيار شارل جبور بالذات لترؤس جهاز الإعلام والتواصل؟

في الحقيقة هناك كفاءات كثيرة وزملاء كثيرون يستحقّون هذا الموقع، أشير هنا الى أنّه بعد مغادرتي الجمهوريّة عمدت إلى الكتابة في صحيفة الشرق الأوسط وعدد من المواقع الإلكترونية إلى حين طلب مني الدكتور جعجع الإشراف على موقع “القوات اللبنانيّة” الإلكتروني، وفي تلك الفترة حصل إنتخاب الرئيس عون وتمّ تأليف حكومة، حينها أقدمت على الإتصال بالوزير الرياشي وتمنيّت عليه أن لا يتمّ طرح إسمي لخلافته في الجهاز، إلّا أنّه وبعد مرور نحو أسبوعين على هذا الحديث تلقّيت إتصالاً من مكتب الدكتور جعجع وإتفقنا على لقاء وفي خلاله طلب منّي تولّي هذا المنصب وهكذا حصل.
– لماذا كان لديك هذا الرفض؟
سبب رفضي هو كان سعيي للمحافظة على هامش معيّن لعدم توريط الحزب من خلال مواقفي الحدّة والمتطرّفة، ذلك أنّ وجودي في موقع رسمي ممكن أن يعطّل طرق تعبيري، إنّما لا شكّ انّ للموقع إيجابيّات كثيرة وأهمّها هو التواصل اليوميّ مع الدكتور جعجع، حيث أضطّلع على الأجواء من المطبخ إذا صحّ القول، كما أن الثقة تتراكم مع الحكيم، من دون أن ننسى أن الموقع بحدّ ذاته على درجة من الأهمّية.